اليوسفية : كارثة «البدادغة» باليوسفية: عندما تُباد أرزاق «الكسّابة» تحت أنياب الكلاب الضالة.. من يعوّض من؟ ومن يتحمل المسؤولية؟

في ليلة صامتة أطّرتها فاجعة إنسانية واقتصادية مؤلمة، استيقظ دوار «البدادغة» التابع لجماعة رأس العين بإقليم اليوسفية، على وقع مجزرة حقيقية طالت ثروة حيوانية ونتاج سنوات من الكدّ والعرَق؛ حيث هاجمت قطعانٌ ضارية تتجاوز 30 كلباً ضالاً، في حدود الساعة الثالثة صباحاً، حظيرة أحد الكسّابة المحليين، لتردِي 75 رأساً من الغنم قتيلة وممزقة في المشهد ذاته الذي يدمي القلوب.
بين عشية وضحاها، وجد هذا المواطن البسيط نفسه قد فقد كل شيء، ولم يبقَ له سوى الحسرة والتسليم بـ «العويضة على الله». غير أن هذه الفاجعة ليست الأولى من نوعها؛ إذ يعيد هذا السيناريو المؤلم إلى الأذهان مأساة مماثلة شهدتها جماعة «جنان إبيه» بالمنطقة ذاتها قبل عام تقريباً، ممّا يؤكد أننا لسنا أمام حدث عابر، بل أمام ظاهرة نزيف مستمر يهدد الأمن الغذائي والاجتماعي للكسّابة والفلاحين الصغار بالمنطقة.
أمام هذا الوضع الكارثي، يطرح السؤال الحارق نفسه بحدة: من يتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عما حدث؟ ومن يعوّض هذا الكسّاب الذي ضاع في رأس ماله بالكامل؟
تستدعي هذه النازلة نقاشاً قانونياً وإدارياً صريحاً؛ فالقانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات الترابية يسنّ صراحة، في إطار اختصاصات رئيس المجلس الجماعي والشرطة الإدارية، مسؤولية الوقاية الصحية والنظافة والسكينة العمومية، بما فيها اتخاذ التدابير اللازمة للحد من أخطار الحيوانات الضالة والمفترسة داخل النفوذ الترابي للجماعة.
غير أن السلطات المحلية والمجالس المنتخبة تكتفي -في كثير من الأحيان- بموقع العاجز، مكبلة بالضغوط والاتفاقيات والمطالبات الصادرة عن المنظمات والجمعيات الدولية والوطنية لرفق بالحيوان، والتي ترفض وتجرم القتل المباشر للكلاب بالرصاص أو السم، وتطالب ببدائل التعقيم والتلقيح وتوفير مراكز الإيواء (برنامج TNVR).
وفي ظل غياب الميزانيات الكافية لتنزيل هذه البدائل على أرض الواقع في الجماعات القروية والهشة كـ «رأس العين»، يظل الكسّاب والمواطن البسيط هما الحلقة الأضعف والضحية المباشرة لهذا التجاذب بين التزامات الحماية البيئية وعجز آليات التدخل الميداني.
تتضاعف خطورة الملف حين نتطرق إلى مصدر هذه الأعداد الهائلة من الكلاب؛ فجزء غير يسير منها كان مملوكاً لأشخاص أهملوها أو تخلوا عنها بعد استغناء وظائفها، لترتدّ خطراً دافقاً على أرواح وحياة الساكنة وممتلكاتهم. إن غياب الإطار التنظيمي لحصر وتلقيح وتحديد ملكية الكلاب في الوسط القروي يعزز من فوضى انتشارها وتوحشها ضمن مجموعات تصطاد في الليل بدافع الجوع الشديد.
إن حماية رأس مال «الكسّابة» وتفادي تكرار سيناريوهات «البدادغة» و«جنان إبيه» يستوجب اتخاذ إجراءات استعجالية ومتكاملة على عدة مستويات:
إقرار صندوق للتعويض عن أضرار الكوارث والحيوانات الضالة:
ضرورة مراجعة التشريعات لإنشاء آلية تعويض مباشر للفلاحين والكسّابة المتضررين من هجمات القطعان الضالة، واعتبارها أضراراً ناجمة عن تقصير في المرفق العام أو كوارث محلية تستوجب التآزر الوطني.
تفعيل دور صندوق التضامن والتعاون بين الجماعات:
إحداث محاجر ومراكز إقليمية مشتركة لإيواء وتعقيم الكلاب الضالة على مستوى إقليم اليوسفية، بتنسيق بين المصالح البيطرية (ONSSA) والجماعات الترابية والمجتمع المدني.
تدابير وقائية واحترازية على مستوى الكسّابة:
تقوية وتحصين الزرائب: اعتماد المبيت المغلق والأسيجة السلكية المرتفعة والمتينة التي يصعب على القطعان اختراقها.
إنارة الحظائر وأجهزة التنبيه: استخدام الإضاءة الليلية الكافية والكلاب الحارسة المدربة داخل السور لحماية الماشية.
التأمين الفلاحي: تسليط الضوء على أهمية الانخراط في صيغ التأمين على الماشية للتخفيف من حدة الفواجع المالية.
إلزامية تحديد الملكية والمسؤولية التقصيرية:
سن قرارات عامة تنظم حيازة وتربية الكلاب في المناطق القروية مع فرض ذعائر وحملات مراقبة لمنع التخلي عنها.
إن مأساة كسّاب دوار «البدادغة» ليست مجرد أرقام تُحصى في سجل الخسائر؛ بل هي جرح إنساني عميق يسلط الضوء على هشاشة اقتصاد العيش القروي. ويبقى المطلب الأساسي للساكنة وللرأي العام هو الانتقال من موقف التفرج والتبريرات الإدارية إلى اتخاذ خطوات ملموسة تُعيد للكسّاب ثقته في حماية ممتلكاته، وتضمن جبرها المادي والمعنوي جراء هذه النازلة الأليمة.




