قرأت لكم “حداثتهم وحداثتنا : المرجعيات والأهداف”

بقلم:  محمد مزور
قسم : الفلسفة والعلوم الإنسان
عن موقع: مومنون بلا حدود.
يقارن المقال بين الحداثة الغربية من جهة، والحداثة العربية من جهة ثانية، من حيث المرجعيات والأهداف. فإذا كانت الحداثة الغربية، قد قطعت مراحل تاريخية على شكل موجات بدأت من عصر النهضة، فإن النهضة العربية أرادت أن تنتقل بدورها إلى مستوى الحداثة. وبينما نجحت الحداثة الغربية، فقد تعثرت، بالمقابل، الحداثة العربية لأسباب شتى، غير أن أهمها، على الإطلاق، يعود إلى كونها انطلقت من ردود أفعال، ولم تنطلق من أسس بنائية، لأن التلقي العربي والإسلامي للحداثة الغربية جاء متزامنا مع الاستعمار، فصعب على رواد النهضة الأوائل التمييز بين التنوير والاحتلال. ولذلك، اختلط عندهم الرد بالبناء، عندما أرادوا تشييد نهضتهم الخاصة. وأصبح الغرب في مخيلة الجميع بمثابة العدو الأول للإسلام، فراحوا ينافحون عن العقيدة بوصفها هوية الأمة التي لا تتناقض مع التقدم والحضارة والقيم الإنسانية الكونية. وكانت النتيجة هي الانكفاء على الذات بتحصين هذه الهوية من كل ما هو دخيل، بدل الانخراط في الحداثة بما هي مكسب إنساني وحضاري.
استفادت الحداثة من التاريخ الغربي دون أن تتماهى معه، لأنها مزجت بشكل خلاق عناصر التراث الإنساني التي تصب في الجانب الكوني والجانب الفردي معا
1- في معنى الحداثة
للحداثة ارتباط وثيق بالتاريخ، نظرا لتعاقب ثلاثة أشكال من الإرث الثقافي في بقعة جغرافية تدعى: أوروبا؛ يتعلق الأمر بالإرث الإغريقي من جهة، والإرث الروماني من جهة ثانية، والإرث المسيحي من جهة ثالثة. من الناحية التاريخية انتصر الإرث الأخير على الإرثين السابقين، حيث ترسخت سلطة المسيحية لحوالي ألف سنة نتيجة تزاوجها مع السلطة السياسية، بدءا من عهد الإمبراطور الروماني قسطنطين إلى عهد ملوك أوروبا العصور الوسطى. يعود الفضل لعصر النهضة الذي أحيى الإرث الإغريقي من جديد والهيليني عامة، وبعثه من تحت ركام التقليد الكنسي والإقطاعي. بهذا البعث والإحياء استعاد الإنسان جزءا من إنسانيته، تلك المتمثلة في الجانب العقلي والفكري. فالفلاسفة اليونان هم الذين اكتشفوا قيمة التفكير العقلي؛ أي قدرة اللوغوس على فهم النوموس الكوني. وبذلك، تمكن اليونان من انتشال الإنسان من عالم الميثوس (الأسطورة)، وبناء عالم جديد يتقوّم بقدرات فكرية خالصة من تجريد وشمولية وكونية.. بمعنى أن العقل هو الوسيلة الوحيدة لبلوغ الحقائق الأبدية والخالدة، وهذا ما يظهره بجلاء الحوار التوليدي عند سقراط، أو المشاركة الأفلاطونية في المثل، أو اتصال الإنسان بالعقل الفعال لدى أرسطو…إلخ.
بيد أن هذا الاكتشاف المذهل لقدرة العقل الإنساني على إدراك الحقائق العامة، من قبيل حقيقة الخير والعدل والحق والجمال والسعادة.. لم يفلح في تغيير وضع الفرد داخل المجتمع اليوناني بوصفه مجتمعا عبوديا. فرغم أن العبد مينون أفلح في إدراك الحقائق الهندسية العامة، شأنه في ذلك شأن العلماء والفلاسفة، إلا أن ذلك لم يشفع له في تغيير وضعه الاجتماعي؛ أي الاعتراف به كفرد مستقل. هذا يعني شيئا واحدا، ألا وهو أن اليونان أبدعوا في مجال المعرفة الكونية، ولكن ذلك الإبداع تمّ على حساب الحرية الفردية. فيما بعد جاء رد الفعل من طرف الفلاسفة الرواقيين الذين استشعروا انسحاق الفرد داخل الجماعة، فمالوا إلى الزهد بإعلاء صوت الحكمة التي تمجد قيمة الفرد والدعوة إلى تخليصه من مختلف الإكراهات. هذه التربة الثقافية التي هيأها أهل الرواق هي التي مكنت القديس بولس من نشر المسيحية التي عرفت بتعاليمها الداعية إلى المحبة بين الأفراد، حيث أصبح الخلاص فرديا بعد اليأس من تحقيق الخلاص الجماعي في المدينة (اليونانية والرومانية على السواء). أصبح الإله يسكن في قلب المؤمن، بل نزل من السماء وتجسد في ابنه يسوع المسيح. هكذا تم تعويض الحكمة الإنسانية بالحكمة الإلهية، ولم يعد العقل وسيلة لمعرفة الحقائق الخالدة، وإنما أصبحت هي التعاليم ذات المصادر الخارجية. كُتب لهذا التحول الكبير في تاريخ الوعي الغربي أن يسود ويسيطر عندما اعتنق الإمبراطور الروماني الديانة المسيحية، ومُذّاك أضحت هذه الديانة أيديولوجية رسمية للدولة، بينما انكفأت الرواقية على نفسها وظلت مجرد دعوة للسلوك.
عندما جاء عصر النهضة؛ أي عصر الإحياء العظيم للتراث الإنساني القديم، لم تكن المسيحية قد انزاحت عن المشهد الثقافي بعد، ولذلك لم تكن في حاجة إلى إحياء بقدر ما كانت في حاجة إلى إصلاح فقط. الإحياء والإصلاح فالولادة الجديدة، هي عناوين مختلفة لنشأة الحداثة الغربية. استفادت الحداثة من التاريخ الغربي دون أن تتماهى معه، لأنها مزجت بشكل خلاق عناصر التراث الإنساني التي تصب في الجانب الكوني والجانب الفردي معا. فمن التراث اليوناني استفادت الحداثة معنى الكونية ومن التشريع الروماني والحكمة الرواقية استفادت الحداثة معنى الفردانية، ومن الإصلاح الديني استفادت معنى الاستقلال في المعتقد الذي سوف يتطور إلى ما سيسمى اليوم بحرية الضمير. من هذه الخلاصات التاريخية استنتج فانسان سيطو أن “العناصر الأساسية المكونة للحداثة هي عناصر قديمة: الكونية والفردانية وسائر مستبطناتها المتعددة من قبيل: مساواة الأفراد، عقلانية النوع البشري، كرامة الشخص…إلخ. بيد أن الأمر كان يتطلب حصول ثورة ثقافية وفكرية، كي تتقاطع النزعة الكونية والنزعة العقلانية اليونانيتين مع الفردانية المسيحية.. وبالفعل، لم تكن الحداثة مجرد إضافة للعناصر القديمة بعضها إلى بعض، بل استوجبت إعادة التشكيل الثقافي العام. لذا كان الأمر يتعلق بعهد جديد، لا يجوز اختزاله في مجرد تركيب للعناصر السابقة”[1].
2- في معنى النهضة
وصف إرنست بلوخ موجة الحداثة الأولى، أي النهضة، بأنها “بعث أو ميلاد جديد. لكن هذا الميلاد الثاني لم يكن انبعاث شيء ماض، انبعاث العصر القديم، كما يقول تأويل شائع الانتشار؛ كان ولادة شيء ما لم يحدث أن تصوره أو صممه الإنسان في زمن من أزمنة الماضي”[2].
بعد هذا الوصف، يستطرد في شرح أهم مميزات هذا الميلاد الجديد: “إنه انتصار جهود كانت ترجمتْها -في إيطاليا القرن الثالث عشر، وبخاصة في القرن الرابع عشر- ثورات الحرفيين. الرأسمال التجاري يتبنى موقفا مقداما أكثر، آل ميديشي ينشئون في فلورنسا أول بنك.. اقتصاد السوق لبدايات الرأسمالية يظهر في إيطاليا، ففي إيطاليا نُحّيت جانبا لأول مرة القيود الاقتصادية للعصر الإقطاعي، ومن إيطاليا انطلقت حركة النهضة”[3].
تلك هي أسباب النهضة في شقها الاقتصادي، كما فهما مفكرو أوروبا وعلى رأسهم إرنست بلوخ. فكيف فهمها، بالمقابل، رواد النهضة عندنا؟
عندما كتب الشيخ محمد عبده يقول: “طالب الإسلام بالعمل كل قادر عليه، وقرر أن لكل نفس ما اكتسبت”، مستشهدا بالآية: “فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يرَه، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يرَه”، وبالآية: “وأن ليس للإنسان إلا ما سعى”؛ فقد استنتج من ذلك أن الإسلام “كفل الاستقلال لكل شخص في عمله، واتسع المجال لتسابق الهمم في السعي، حتى لم يعد لها عقبة تتعثر بها، اللهم إلا حقا محترما تصطدم به”[4].
ماذا فهم الشيخ من هاتين الآيتين؟
التلقي العربي والإسلامي للحداثة الغربية جاء متزامنا مع الاستعمار، فصعب على رواد النهضة الأوائل التمييز بين التنوير والاحتلال
لم يفهم منهما ما فهمه المفسرون والشيوخ القدامى؛ أي العمل الصالح الذي يقود إلى الثواب في الآخرة، بل صرف مضمونهما إلى الفهم الحديث للعمل بوصفه استقلالا للشخص عن سيده، عكس ما كان عليه الأمر قبل العصر الحديث. ولعل ما يؤكد صرف المعنى إلى غير ما هو متضمن في السياق، لهو المثال الذي ساقه عبده بعد ذلك قصد بيان دلالة أصلين أساسيين يقوم عليهما الفكر الحديث: استقلال الإرادة، واستقلال الفكر والرأي. يقول: “بهذا وما سبقه تم للإنسان بمقتضى دينه [أي الإسلام] أمران عظيمان طالما حرم منهما، وهما استقلال الإرادة واستقلال الفكر والرأي، وبهما كملت إنسانيته”. أما المثال الذي كان يدور في ذهن الشيخ فهو ما “قال بعض الحكماء الغربيين من متأخريهم: إن نشأة المدنية في أوروبا، إنما قامت على هذين الأصلين.. ولم يصل إليهم هذا النوع من العرفان إلا في الجيل السادس عشر من ميلاد المسيح. وقرر ذلك الحكيم أنه شعاع سطع عليهم من آداب الإسلام، ومعارف المحققين من أهله في تلك الأزمان”[5].
إذن فمكتسبات الحداثة الغربية -في نظر الشيخ- هي مجرد ثمرات لدعوة الإسلام، أو نتيجة لمجهودات العلماء المسلمين، لم يفعل الغرب شيئا آخر عدا السطو عليها إبان الحروب الصليبية وبعد السيطرة على الأندلس، بل أكثر من هذا، فالإصلاح الديني في أوروبا ما هو سوى نسخة طبق الأصل لتعاليم الإسلام، باستثناء بعض المبادئ التي تخص المسلمين مثل إعلان الشهادة وطقس العبادة. وهكذا تضافرت هذه الأسباب (وكلها خارجية لا فضل للغربيين فيها!)، فـ “أخذت أمم أوروبا تفتكّ من أسرها، وتصلح من شؤونها، حتى استقامت أمور دنياها على مثل ما دعا إليه الإسلام.. وتقررت أصول المدنية الحاضرة التي تفاخر بها الأجيال المتأخرة ما سبقها من أهل الأزمان الغابرة”[6].
إذا كانت أسباب النهضة توجد لدى المسلمين (في كتابهم وفي علومهم)، فما بال هؤلاء المسلمين لم ينهضوا؟
أورد الشيخ عبده هذا السؤال بصيغة أخرى على لسان معترض مفترض يقول: “قبَسٌ من الإسلام أضاء الغرب، كما تقول، وضوؤه الأعظم وشمسه الكبرى في الشرق، وأهله في ظلمات لا يبصرون. أصحَّ هذا في عقل، أو عُهِد في نقل؟”[7]. سؤال وجيه، فأين الخلل؟
لم يجد الشيخ من جواب مقنع على إيراد الاعتراض، سوى اللجوء إلى سَوْق مثال متخيل، يقول: “وغاية ما قيل في الإيراد أن أعطى الطبيب إلى المريض دواء فصحّ المريض، وانقلب الطبيب بالمرض الذي كان يعمل لمعالجته، وهو يتجرع الغُصص من آلامه والدواء في بيته لا يتناوله. وكثير ممن يعودونه، أو يتشفّون منه ويشمَتون لمصيبته يتناولون من ذلك الدواء فيُعافَون من مثل مرضه، وهو في يأس من حياته ينتظر الموت أو تبدل سنة الله في شفاء أمثاله”[8]. هل هذا جواب المفكر والمصلح الباحث عن الحل والطريق، أم هو جواب رجل الشعب اليائس من كل شيء؟ ناهيك عن كون المثال غير مطابق لواقع الحال: كيف نُجوِّز أن طبيبا يمتنع عن إسعاف نفسه بتناول الدواء في الوقت الذي يقدمه للغير؟
مجمل رؤية الشيخ هو أن الإسلام والمسلمين لهم أفضال كثيرة على الغرب، فلولاهم ما نهض ولا قامت له قائمة. في حين يرى المفكر الغربي أنه “لأسباب اقتصادية، تقع بدايات هذا التطور في إيطاليا. في هذا البلد، كان العالم القديم الوثني الذي كبته المجتمع الوسطوي لا يزال يحتفظ بما يكفي من الحضور، ولا يزال يشغل حيزا من الذاكرة، حيث أمكن عقد الصلة مع العالم الوثني.. هذه العودة إلى العصر القديم ساعدها هروب العلماء البيزنطيين إلى إيطاليا، بعد سقوط القسطنطينية على يد الأتراك سنة 1452″[9].
يتبين من هذا أن جذور النهضة تعود إلى إزاحة ترسبات ثقيلة من الإرث المسيحي المتزاوج مع سلطة الإمبراطويات الوسطى والإقطاع ثم الملكيات المطلقة فيما بعد، الشيء الذي أتاح النفاذ إلى الإرث الوثني القديم في صيغته اليونانية والرومانية؛ مع ما يعنيه ذلك من بعث للآداب والفنون القديمة بما تتضمنه من قيم إنسانية نبيلة مثل التعدد في المعتقد والرفع من شأن العقل وتبجيل الرأي من خلال أدبيات الحوار والنقاش…إلخ. وبالمقابل، يحق لنا أن نتساءل: هل كانت لنهضتنا جذور تاريخية مماثلة؟
بمقدور الباحث أن يستنتج بأيسر تأمل، أن ما يجمع نهضويينا هو تنكرهم لتاريخ العرب والمسلمين عامة؛ فالتاريخ السابق عن الإسلام اعتبروه تاريخا مظلما؛ أي “جاهلية”، حيث أدرجوا جميع الحضارات السابقة، مهما علا شأنها، في خانة هذه الجاهلية. وبذلك، فوّتوا على أنفسهم إمكانية استثمار القيم الإنسانية السامية المتضمنة في الإرث الثقافي لحضارات مصر القديمة وفارس وبابل والشام.. وغيرها، قصد تيسير مخاض النهضة العربية على شاكلة البعث أو الإحياء أو الولادة الجديدة كما حدثت في الغرب. لم ينتبه زعماء الإصلاح عندنا إلى أن الانحطاط الحضاري هو سقوط مُدوٍّ، ولذلك تحتاج الأمة إلى أرضية صلبة جديدة تضع عليها أقدامها لكي يستوي نهوضها. بدل ذلك، استهانوا بالأمر لما حسبوا الأمر مجرد كبوة حضارية تستدعي فقط ربط الصلة بالتراث من جديد؛ أي إعادة فتح بابي الاجتهاد في علم أصول الفقه وعلم أصول الدين. فكانت النتيجة هي تجديد التراث، بينما كان المطلوب هو تجديد الولادة.
3- بين تجديد الولادة وتجديد الأصول
ماذا عسى أن تكون النتيجة اليوم، لو عاد النهضويون المسلمون إلى تاريخهم بدل العودة إلى الأصول؟
لم يقم المشروع النهضوي عندنا على العودة إلى التاريخ، بل قام على العودة إلى فترة رمادية لا نعرف ماذا جرى فيها بالضبط، هي زمن الصدر الأول، حيث ظل الجميع يحلم بالاقتداء بالأسلاف الذين عاشوا في ذلك الزمن، دون علم أحد بالإرث الثقافي الذي ساد بينهم، ولا وصلتنا منهم مدونات تتضمن مبادئ حقيقية يمكن أن نؤسس عليها حرية فردية (سواء في المعتقد أو التفكير أو التعبير أو السلوك أو الاقتصاد أو الاجتماع أو السياسة..). كما دعا المصلحون إلى إعادة فتح باب الاجتهاد في علم الأصول، وكأننا ما برحنا العصر العباسي بعد، إذ كان الهدف من علم أصول الدين آنذاك هو الرد على خصوم دولة الخلافة على مستوى العقائد، بينما كان الهدف من علم أصول الفقه هو استنباط الأحكام الشرعية من النص الديني قصد التشريع لمجتمع يعيش في بقعة جغرافية مترامية الأطراف. ورغم سقوط دولة الخلافة، لم يستشعر النهضويون عندنا ضرورة التخلي عن منطق الأصول (فقها وكلاما)، قصد التأسيس للدولة الوطنية بغية إقامتها على مبادئ الحرية الفردية، وهي المبادئ التي تشكل روح الحداثة؛ أي الروح التي تسري في شرايين الفكر والاعتقاد والتعبير والاقتصاد والاجتماع والسياسة…إلخ.
وقد ظل هذا الحلم يراود المفكرين الإسلامين وما يزال، فيكتب أحدهم مثلا: “الفعل الحداثي الغربي قام على أصل التصارع مع الدين، مما يجعل الإبداع الذي تجلى به هذا الفعل هو من جنس الإبداع المفصول؛ في حين.. أن الفعل الحداثي الإسلامي لا يقوم إلا على أصل التفاعل مع الدين، سواء في طوره النبوي الأول أو في طوره الإبداعي الثاني، بحيث يكون الإبداع الذي يتجلى به هذا الفعل هو من جنس الإبداع الموصول”[10]، بيد أن ما يردده المفكرون الإسلاميون من حديث عن الخصوصية الإسلامية القائمة على “الإبداع الموصول”، هو أمر تتقاسمه جميع الحضارات. ومادامت الحضارة مرادفة للحداثة عندهم، فإنه من السهل أن نلاحظ أن “الفعل الحداثي” المصري كان موصولا بالدين الفرعوني، وينطبق نفس الحكم على الحضارة الفارسية والبابلية واليونانية والرومانية.. فالفعل الحداثي لديهم كان موصولا بالدين. غير أن ما يميز الحداثة الغربية هو كونها موصولة بالتاريخ، كما رأينا؛ أي إنها إحياء للإرث اليوناني والروماني، ثم إنجاز مهمة الإصلاح الديني، لينصهر كل ذلك في أتون الثورات الفكرية والسياسية والاقتصادية، والتي ستسفر عن شيء جديد يسمى الحداثة. بينما حدث العكس في مسار الحضارة الإسلامية، فالفعل الإبداعي كان “مفصولا” عن تاريخه الخاص، سواء تعلق الأمر بتاريخ العقيدة أو بتاريخ الفكر العلمي والفلسفي والسياسي… فالعقيدة الإسلامية، مثلا، رفضت الانتساب إلى تاريخ العرب الجاهلي، وبالمقابل أعلنت انتسابها لتاريخ أنبياء العهد القديم والانتماء إلى الشجرة الإبراهيمية. أما بالنسبة إلى الفعل الحضاري، فما كان من الممكن حصول أي إبداع في مجال الفلسفة والعلم والسياسة لولا عملية الترجمة في العصر العباسي (ترجمة علوم اليونان وفلسفتهم، وتعريب دواوين الفرس..).
4- روح الحداثة عندنا وعندهم
يحدد فانسان سيطو ما تعنيه روح الحداثة بنوع من التدقيق، حين يقرر ما أجمع عليه المفكرون والمحققون من كون روح الحداثة يتجلى في “المجهود الفردي والاجتماعي للتحرر من مختلف أنواع الوصاية التي تبقي على الإنسانية في حالة من التبعية”، ثم يخلص إلى أن “روح الحداثة هي روح التحرر، والتحرير، والاستقلال الذاتي. ومن ثم تظهر الحداثة بوصفها الإمكانية التاريخية للحرية”[11].
ما المقصود بهذا المجهود الفردي والاجتماعي للتحرر من مختلف أشكال الوصاية؟ وبأي معنى نفهم “الحداثة بوصفها الإمكانية التاريخية للحرية”؟
صحيح أن الحرية ليست إبداعا غربيا خالصا، مادام تاريخ الإنسانية بأجمعه هو تاريخ النضال من أجل التحرر من إكراهات الطبيعة (مختلف أشكال الحتميات والضرورات الخارجية والداخلية). وصحيح أيضا، أن الثقافة هي الوسيلة التي وفرت إمكانية هذا التحرر؛ أي الانتقال من الحرية الطبيعية (المطلقة) إلى الحرية المدنية (المقيدة). فبعد أن كان الإنسان عبدا لقوانين الغرائز، أضحى خاضعا للقوانين الاجتماعية، حيث حررته المعايير والقيم الأخلاقية من الخضوع لمطلب الإشباع المباشر الذي لا ينتهي، بيد أن ظهور المجتمع جعل الإنسان يستبدل خضوعا بآخر، مادامت المعايير والقيم والعادات والأعراف.. تملك سلطة قهرية تضاهي سلطة الغرائز والميولات والنزوات. وقد استمر هذا النوع الثاني مرافقا للمجتمعات البشرية، من خلال تجليات متنوعة (دينية، سياسية، اجتماعية، اقتصادية..)، إلى أن ظهرت الحداثة في موجتها الأولى؛ أي النهضة، بما حملته من نزع لترسبات تاريخية متراكمة توجت بولادة جديدة للإنسان وللمجتمع وللثقافة عموما.
ينظر المفكر الإسلامي إلى الحداثة من منظور ديني وليس من منظور تاريخي، فيأتي تحليله على صيغة علم كلام جديد
بعد توالي الموجات اللاحقة (الإصلاح الديني، الثورة الفلسفية، الثورة السياسية والاقتصادية..)، نضجت فكرة الحرية شيئا فشيئا، وأضحت مطلبا للفرد قبل المجتمع. لقد تغيرت الأولويات، حيث أمسى “الفرد يميل إلى ممارسة فكره وروحه النقدية، ويريد التعبير عن حساسيته الخاصة بمعزل عن معتقدات وقوانين المجتمع الذي ينتمي إليه، بيد أن النزعة الفردية بهذا الشكل لا تضمر أي عداء للمجتمع، أو أي انطواء على الأنانية الذاتية. فالاستقلال الذاتي للفرد لا يهدف إلى تفتيت النسيج الاجتماعي، وإنما يبحث فقط عن شكل من التنشئة الاجتماعية متوافقة مع احترام الحرية الفردية. وستكون الديمقراطية الحديثة والقانون الحديث، بمثابة صيغة لهذا التوافق”[12]؛ بمعنى أن المجتمع هو الذي ينتزع الفرد من أنانيته ويمنحه إنسانيته، حيث يرتقي به إلى مستوى القيم الكونية العامة والشاملة. وحينها يتمكن الفرد من استبطان ما هو إنساني في سلوكه، ويتصرف بوصفه ممثلا للإنسانية كلها. ففي الفرد تظهر إنسانية الإنسان، وليس في أي مجال آخر.
إذا كانت هذه هي روح الحداثة كما يفهما المفكر الغربي، فكيف نفهمها نحن؟ أو على الأقل كيف يفهمها البعض من مفكرينا؟
نقرأ في كتاب “روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية” ما يلي: “ليست روح الحداثة، كما غلب على الأذهان، من صنع المجتمع الغربي الخاص، حتى كأنه أنشأها من عدم، وإنما هي من صنع المجتمع الإنساني في مختلف أطواره؛ إذ إن أسبابها تمتد بعيدا في التاريخ الإنساني الطويل؛ ثم لا يبعد أن تكون مبادئ هذه الروح أو بعضها قد تحققت في مجتمعات ماضية بوجوه تختلف عن وجوه تحققها في المجتمع الغربي الحاضر؛ كما لا يبعد أن يبقى في مُكنتها أن تتحقق بوجوه أخرى في مجتمعات أخرى تلوح في آفاق مستقبل الإنسانية”[13]. فيمَ تتمثل مبادئ روح الحداثة هذه؟ يجيبنا صاحب الكتاب: “يبدو أن خصائص هذه الروح تقوم في مبادئ ثلاثة أساسية هي: “مبدأ الرشد” و”مبدأ النقد” و”مبدأ الشمول””. أولا “مبدأ الرشد، مقتضى هذا المبدأ أن الأصل في الحداثة الانتقال من حال القصور إلى حال الرشد..أو قل بإيجاز إن القصور هو اختيار التبعية للغير”[14]. ولنا أن نتساءل بخصوص هذا المبدأ الأول: هل يتعلق الأمر بـ “اختيار” أم بـ “عدم قدرة”؟ ثم هل تحقق هذا الخروج من حالة القصور (حالة الوصاية الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية) قبل العصر الحديث؟
ثانيا: “مبدأ النقد؛ هو أن الأصل في الحداثة هو الانتقال من حال الاعتقاد إلى حال الانتقاد”[15]. ولنا أن نتساءل هنا أيضا: هل كان بالإمكان الانتقال من حال الاعتقاد إلى حال الانتقاد، قبل حصول الثورات العلمية (الثورة الكوبرنيكية مثلا)، والفلسفية (الثورة الديكارتية والكانطية مثلا)، والتي مهدت لمثل هذا الانتقال؟
ثالثا: “مقتضى هذا المبدأ الأخير هو أن الأصل في الحداثة الإخراج من حال الخصوص إلى حال الشمول.. فالشمول الحداثي عبارة عن تجاوز لهذه الخصوصية”[16]. ولنا أن نتساءل أخيرا: هل كان من الممكن أن يتحقق مبدأ الشمول هذا قبل فصل الدين عن السياسة، وبداية بروز حقوق الإنسان الكونية؟
جواب مفكرنا عن هذه التساؤلات يتمثل في القول بـ “الاستواء في الانتساب إلى روح الحداثة”، إذ “ليست روح الحداثة ملكا لأمة بعينها، غربية كانت أو شرقية، وإنما هي ملك لكل أمة متحضرة”[17]. وبذا تصبح الحداثة مرادفة للحضارة، ويكون كل شعب قد عرف نصيبه من الحداثة، شرقا أو غربا، ماضيا أو حاضرا. أما من لم يعرف الحداثة، فـ “لا يبعد ..أن تتحقق بوجوه أخرى في مجتمعات أخرى تلوح في آفاق مستقبل الإنسانية”. وهكذا يتم توزيع الحداثة على الجميع بسخاء، يصبح الكل بفضله منتسبا لروح الحداثة. وإذا كانت روح الحداثة تقال على مجموع المبادئ السابقة، فمعنى ذلك أن الحضارات الغابرة والحالية والقادمة قد قامت، أو ستقوم على تلك المبادئ. بعبارة أخرى، إن مبدأ الرشد ومبدأ النقد ومبدأ الشمول قد عرفته الشعوب والحضارات المتعاقبة في التاريخ بتطبيقات متباينة، ولم يفعل المجتمع الغربي الحديث سوى الاستفادة من تلك التجارب الحضارية، بيد أن السؤال الذي لا مندوحة من طرحه هو التالي: هل يمكن للمبادئ السابقة أن تتحقق بمعزل عن الحرية الفردية؟ بعبارة أخرى: هل من الممكن ممارسة النقد بدون وجود حرية فكرية؟ وهل يتحقق الخروج من الوصاية بدون حرية المعتقد؟ وهل من الجائز أن يتحقق مبدأ الشمول بدون حرية سياسية واقتصادية؟ يترتب عن هذه الأسئلة سؤال أخير: هل كان لدى شيوخ الإصلاح ومن تبعهم من المفكرين الإسلاميين وعي بهذه الروح، أم إنهم رفضوها وحاموا حولها والتفّوا عليها بشتى المبررات؟
5- مبدأ الحرية بوصفه روح الحداثة
يورد الأستاذ عبد الله العروي فقرة للمؤرخ المغربي أحمد الناصري يقول فيها: “واعلم أن هذه الحرية التي أحدثها الفرنج في هذه السنين هي من وضع الزنادقة قطعا لأنها تستلزم إسقاط حقوق الله وحقوق الوالدين وحقوق الإنسانية رأسا.. واعلم أن الحرية الشرعية هي التي ذكرها الله في كتابه وبيّنها رسول الله لأمته وحررها الفقهاء في باب الحجر من كتبهم”، ثم يعلق بالقول: “من الواضح أن الناصري لا يجد في مفاهيم الفقه الإسلامي، التي تعوّد عليها طول حياته، مفهوما يطابق ما يرمي إليه الأوروبيون”[18]. كما يستشهد بفقرة أخرى للمؤرخ التونسي ابن أبي الضياف يقول فيها: “لذلك قالت حكماء الإفرنج: الرأي حر”. ثم يعلق [ابن أبي الضياف]: “ولا يخفى أن الرق في نفسه غير قادح في الفطرة الإنسانية ولا ينافي أخلاق الكمال والدين، لأنه مصيبة نزلت بمن الحرية فيه أصل”. ثم يعلق العروي على هذا التعليق: “نفهم من التعليق أن المؤلف أوَّلَ الجملة: الرأي حر، على معنى: الرأي للرجل الحر”. ثم يستنتج الخلاصة التالية: “يمكن أن نسوق أمثلة تدل على عدم استيعاب مفهوم الحرية الأوروبي عند مؤلفين أكثر التصاقا بالفكر الغربي مثل الطهطاوي وخير الدين التونسي. ما يهمنا في هذا المجال ليس مدى دقة فهم وتعبير هذا المؤلف أو ذاك، بل كون المجتمع العربي الإسلامي كان لا يفهم من كلمة حرية ما تفهمه أوروبا الليبرالية”[19].
إذا كان هذا الحكم ينطبق على المفكرين النهضويين، فهو لا ينطبق على المفكرين الإسلاميين المعاصرين؛ فهم على دراية بمعنى الحرية وامتداداتها في الفكر والتعبير والسياسة والاقتصاد والاعتقاد، وهم إن لم يتعرضوا لهذه الحرية بالتحليل في ما يصنّفون أو يقولون، فذلك ناتج عن تجاهل وليس عن جهل، ولدينا في كتاب “روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلام” خير مثال على ذلك التجاهل.
ينظر المفكر الإسلامي إلى الحداثة من منظور ديني وليس من منظور تاريخي، فيأتي تحليله على صيغة علم كلام جديد. فكل جملة يخطها قلمه يكون الغرب حاضرا فيها كخصم تلزم منازلته، ولذلك تأتي المواقف التي يتخذها على شكل ردود. هكذا نشأ علم الكلام في الأصل، إنه “علم يُقتدر معه على إثبات العقائد الدينية، بإيراد الحجج ودفع الشُّبه”[20]. ولهذا السبب، يرى المفكر الإسلامي في كل ما يأتي من الغرب مجموعة من “الشبه” التي يجب دفعها، بإيراد ما يكفي من الحجج لدحضها من جهة، وللدفاع عن عقائد الأمة الدينية من جهة أخرى. فالحداثة الحالية تخص الغرب وحده ولا تعنينا في شيء، فهي مجرد “تطبيقات” تتلون بلون ثقافته؛ ولذلك يستنتج أن لكل حداثة تطبيقاتها التي تخص الثقافة التي ظهرت فيها. وتبعا لهذه الخصوصية تتجلى روح الحداثة بأشكال متعددة، ومن ثم تصير الروح أرواح.
وبما أن المفكر الإسلامي المعاصر (الفيلسوف-المتكلم كما يدعوه الأستاذ العروي) ينقل روح الحداثة من مجال الحرية إلى مجال التطبيقات، فهو يعتقد أنه سيصبح من السهل عليه أن يبطل ادعاءات الخصم. وكأن لسان حاله يقول: “ما تدعونه حداثة هو مجموعة من العمليات وطرائق العمل التي سوف تعوض أخرى؛ فلماذا تعتقدون أنه من الواجب أن تأتي لتستوطن قلوبنا وتزيح قيمنا”[21]. يعلق العروي على هذا الموقف بالقول: “لا يهتم الفيلسوف-المتكلم بالتغير البطيء في محيطنا، وهو موضوع دائم للبحث التاريخي والسوسيولوجي، فالحداثة منظورا إليها من زاوية العلوم الاجتماعية لا تثير فيه أي صدى”[22].
لماذا لا تجد هذه التغيرات “صدى” لدى الفيلسوف-المتكلم؟ الجواب: لأنها خارجية وليست داخلية، ومن ثم فلا شيء يُلزمه بتطبيقها. فهي ليست نابعة من تراثه ولا من ثقافته، فإذن هي لا تحمل قيمه ولا تعكسها بأي حال من الأحوال. لذا يرى من الواجب عليه استنباط قيم الحداثة مما هو أصيل وداخلي، وذلك من خلال إعادة ربط الصلة بأصول ثقافته وتراثه. وما يبرر هذه العودة إلى الأصول ليس النفور مما هو خارجي ودخيل وحسب، بل لأن التطبيقات الخارجية للحداثة حملت معها الكثير من الشرور والسلبيات (الاستعمار، العولمة، تفكك البنى الموروثة..). ولتجنب هذه التأثيرات يكفي أن نغير التطبيقات الخارجية بتطبيقات داخلية، وما دمنا لا نملك تطبيقات حداثية خاصة فنحن ملزمون باستخراجها من القيم المتضمنة في كتابنا المقدس وفي علومنا الدينية. ولسنا مجبرين على التشبه بالغرب الذي قطع الصلة مع دينه وعقيدته لأسباب تتعلق بتاريخ الكنيسة التي هيمنت على جميع مناحي الحياة الروحية والاجتماعية والسياسية. وبما أن الإسلام لم يعرف خلال تاريخه مؤسسة تشبه الكنيسة، فلا مبرر لتكرار التجربة الغربية؛ أي قطع الصلة مع الدين.
كيف تمكن الفيلسوف-المتكلم من بناء هذا الموقف؟
أولا، اعتقد أن الحداثة نتجت عن قطع الصلة بالدين.
ثانيا، اعتقد أن الحداثة تتميز بتطبيقاتها العملية.
لذلك، استنتج أن مجرد قلب هذه المعادلة كفيل بخلق حداثة خاصة؛ أي الحفاظ على العلاقة مع الدين، واستنبات تطبيقات من صلب النص الديني.
بيد أن المفارقة التي تسكن وجدان المفكر الإسلامي المعاصر وعقله أيضا، لهي الإيمان بأن الخصوصية التي يدعو إليها -بغية التميز عن الغرب- تصلح للإنسانية بأسرها؛ أي إنها خصوصية في صيغة كونية. لننصت من لهذا المفكر جديد: “لا دخول للمسلمين إلى الحداثة إلا بحصول قراءة جديدة للقرآن الكريم”، في حين “أن واقع الحداثة في المجتمع الغربي قام، كما هو معروف، على أساس مواجهة المؤسسات الكنسية”[23]. لماذا هذه القراءة الجديدة للقرآن؟ لـ “أن القرآن اختص بقيم أخلاقية وروحية عليا.. [و] لأن إرادة تطبيق هذه القيم تكون هي السبب في صنع التاريخ، أو على الأقل، لأن التعلق بها يكون سببا في اتخاذ الأحداث الوجهة التي اتخذتها”[24].
القيم المفضية إلى الحداثة، إذن، متضمنة في القرآن، ويكفي “تطبيق هذه القيم” أو “التعلق بها” على الأقل، لإنجاز الفعل الحداثي. فما المانع من الإنجاز؟ يعيدنا هذا السؤال إلى الشيخ محمد عبده من جديد؛ أي إلى حكاية الطبيب الذي يقدم الدواء لغيره، ويمتنع عن إسعاف نفسه. وبذلك تنغلق الدائرة مرة أخرى.
يعتقد المفكر الإسلامي المعاصر أنه سوف يبني حداثته الخاصة على أنقاض الحداثة الغربية، ولذلك يجهد نفسه وعقله في مواجهة الفكر الغربي: فكرة مقابل فكرة. فإذا كان الغرب قد شيد حداثته على القطع مع الدين، فسيكون من واجبنا الوصل مع الدين. وإذا كانت قيم الغرب الحديثة مادية، فقيمنا يجب أن تكون روحية.. وهكذا، فإن “مقتضى الحداثة الإسلامية يضادّ الحداثة الغربية”[25].
بخصوص هذه النقطة بالضبط، نفتح كتابا آخر للعروي، ونقرأ فيه: “لم يكن التفكير ضد الآخر منتجا قط، كما يظهر ذلك من خلال المثال الذي يقدمه علم الكلام.. فالتفكير “بطريقة رد الفعل”، هو سدّ منيع يقف أمام تحقيق الفرادة، على مستوى الخطاب على الأقل”. ومغزى ذلك “أن الأيديولوجيا التي ندعوها “إسلامية” هي ضعيفة مادامت قد اختارت الطريق السهل، إذ تذكرنا على الدوام بالجروح التي تسبب فيها الآخرون لنا. نقرأ الأعمال التي تشي بذلك لدى تيار معين، فنقول: وماذا بعد؟ ماذا تقترح تلك الأعمال في مجال الاقتصاد والمجتمع والعلم والتكنولوجيا ووضعية المرأة…إلخ؟”[26].
خلاصة
يدعونا الخطاب الإسلامي المعاصر إلى ضرورة إنشاء حداثة جديدة تخصنا، وذلك في مقابل الحداثة الغربية، لكنه لا يعطينا الوسائل ولا الاستراتيجيات لبنائها. وبالمقابل، فهو يتبنى خطاب المطلقات، مثل القول بسموّ قيمنا، أو أننا نملك نصا خاتما لجميع النصوص المقدسة، أو أن تاريخنا لم يشهد مؤسسة كنسية…إلخ. وإذا كان ذلك كذلك، أي أننا نتوفر على كل المقومات في ديننا وتراثنا، فما الذي يمنعنا من النهوض؟ هل قطعنا الصلة بديننا وتراثنا حتى تقوم دعوة جديدة إلى إعادة ربط تلك الصلة؟ وإذا كان المفكر الإسلامي المعاصر يستنكر المؤسسة الكنسية التي كانت وراء دفع الحداثة الغربية إلى فصل الدين عن الدولة، فما باله يرفع شعار “الإسلام دين ودولة” أو “الإسلام هو الحل”؟ أليس رفع مثل هذا الشعار هو دعوة لتدخل الدين في شؤون الدولة؟ ثم أيّ إسلام هو الحل: إسلام السنة أم إسلام الشيعة؟ وأية شريعة نطبق، تلك القائمة على قواعد الفقه السني أم الفقه الشيعي؟ وأيّ مذهب في الفقه السني نطبق؟ وأيّ مذهب في الفقه الشيعي نطبق؟ ما النموذج وما المثال؟ وما القدوة في ذلك كله: أهو عصر الخلفاء الراشدين الأربعة (عند السنة) والذي لا تعترف الشيعة بثلاثة منهم، وتعتبر عليّا أحق بالخلافة من الجميع؟ هل القدوة هي العصر الأموي؟ هل هي العصر العباسي؟
الإسلام مفهوم هلامي، متى أردنا أن نستنبط منه القيم التي ستقود خطانا نحو طريق الحداثة. نحن نعرف أن تيارات الإسلام السياسي قد وصلت إلى السلطة هنا أو هناك، فما بالها لم تعطنا برنامجا حداثيا خاصا في الاقتصاد والسياسة والاجتماع؟ لم نرَ من النموذج السني المطبق ولا من النموذج الشيعي المطبق أية طريقة مميزة في ممارسة التجارة والأعمال، أو في مجال الصناعة والتكنولوجيات المعاصرة، أو في مجال الصحة والتعليم والشغل، أو في شكل الإنفاق والادخار، أو في مناهج البحث العلمي والبيداغوجي.. وغير ذلك من مناحي الحياة العامة.
ما من مجال -من بين المجالات الذكورة وغير المذكورة- بوسع المفكر الإسلامي المعاصر أن يأتي فيها بجديد، سوى الحديث عن مجال واحد هو مجال القيم المفضل لديه. وحديثه عن القيم، لا يشبه حديث عالم الاجتماع وعالم النفس والمؤرخ، بل إنه يتحدث على طريقة المتكلم الذي يعتبر القيم مطلقة تصلح لكل الأزمنة والأمكنة، ويمكن تطبيقها على المجتمعات البشرية بدون استثناء. وبالمقابل ينكر على الحداثة الغربية خلوّها من القيم، لأنها نشأت وتطورت على أنقاض الفصل بين الدين والدولة، واستبعاد القيم الدينية والروحية من المجال العام والخاص على السواء. يقول مثل هذا الكلام وهو يطالع ماكس فيبر الذي يرى أن سبب ظهور الرأسمالية يعود إلى الأخلاق البروتستانتية، يكرر مثل هذا الكلام وهو يقرأ ما يقوله المتخصصون من كون البذور الجنينية لفصل الدين عن الدولة تعود إلى المسيحية الغربية؛ أي المسيحية الرومانية التي نادت بـ “إعطاء ما لقيصر لقيصر، وما لله لله”. يعيد مثل هذا الكلام ولا يملّ من تكراره، وهو يعرف الدور الذي قام به المصلحون الدينيون وفضلهم على الحداثة الغربية. لا يترك أية مناسبة تمر دون الوقوف على خصوصية التجربة التاريخية الغربية واختلافها عن التجربة التاريخية الإسلامية، والمتمثلة في كون الأولى تقوم على الفصل، بينما تقوم الثانية على الوصل؛ ناسيا أو متناسيا أن النهضة الغربية ما كان لها أن تقوم لولا العودة إلى التراث اليوناني والروماني وإحياء القيم الإنسانية التي كان يتضمنها. ولولا تلك النهضة وما تلاها من ثورات وإصلاحات، ما كان للحداثة أن تقوم لها قائمة.
[1] V. Citot, Le processus historique de la modernité et la possibilité de la liberté, in Le philosophoire, Vrin, 2005, p.50
[2] بلوخ (إرنست): فلسفة عصر النهضة، ترجمة إلياس مرقص، دار الحقيقة، 1980، ص 39
[3] المصدر نفسه، ص ص 39-40
[4] عبده (محمد): رسالة التوحيد، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، ص ص 118-119
[5] المصدر نفسه، ص 131
[6] المصدر نفسه، ص 148
[7] المصدر نفسه، ص 152
[8] المصدر نفسه، ص 153
[9] فلسفة عصر النهضة.. ص 43
[10] طه (عبد الرحمن): روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، المركز الثقافي العربي، 2006، ص: 194
[11] Citot, Le processus historique. p.36
[12] Ibid, p.37
[13] طه (عبد الرحمن): روح الحداثة.. ص 31
[14] المصدر نفسه، ص 25
[15] المصدر نفسه، ص 26
[16] المصدر نفسه، ص 28
[17] المصدر نفسه، ص 31
[18] العروي (عبد الله): مفهوم الحرية، المركز الثقافي العربي، 1981، ص ص 11-12
[19] المصدر نفسه، ص 12
[20] الإيجي (عضد الدين): المواقف في علم الكلام، عالم الكتب، بيروت، ص 7
[21] Laroui (Abdallah), Islam et modernité, Centre Culturel Arabe, 2009, p.70
[22] Ibidem.
[23] روح الحداثة.. ص ص 193-194
[24] المصدر نفسه، ص 204
[25] المصدر نفسه، ص 194
[26] Laroui (Abdallah), Islamisme, Modernisme, Libéralisme, Centre culturel arabe, 2009, p.18

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

x

Check Also

الجمعية المغربية لادماج المهاجرين بإسبانيا تخطف الأضواء من جديد

بقلم فكري ولدعلي     عرفت مدينة مالقا الإسبانية هذا الأسبوع تتويج خمس منظمات غير ...