الإثراء غير المشروع.. قصة “احتجاز” قانون لمحاربة الفساد

 

تعدّ مبادرة إصلاح مجموعة القانون الجنائي، المعروضة حاليا على أنظار البرلمان،  ضمن أحد أهم إجراءات تنزيل توصيات الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة، خاصة وأن الحاجة إلى هذا التعديل الكلي والشامل يرجع سببه إلى تقادم العديد من مضامين هذا النص الذي يعود تاريخ وضعه إلى سنة 1962من القرن الماضي.
أصل الحكاية:
وتعود المحاولة الأولى، لإجراء تعديل متكامل لمجموعة القانون الجنائي، إلى  31 مارس 2015 حين أعلنت وزارة العدل والحريات، عن إنهاء صياغة مشروع قانون جنائي جديد يشتمل على 598 مادة.
غير أن قرب الولاية التشريعية التاسعة، آنذاك، على الانقضاء دفع في اتجاه اختيار تشريعي آخر، يتم من خلاله انتقاء أهم التعديلات التي بدا للحكومة، أنها لا تثير اختلافا فكريا ونقاشا سياسيا بين مختلف الفرقاء السياسيين، حيث تمت المبادرة إلى تقديم مشروع قانون 10.16، وهو في عمومه مشروع قانون لم يتضمن سوى أربعة مواد مست بالتغيير والتتميم والنسخ 84 مادة من مجموع فصول القانون الجنائي الـ 612.
تقاعس مسار التشريع:
غير أن مساره التشريعي عرف تقاعسا كبيرا، فهو مشروع عُرض مرتين، أولاهما لحظة تولي المصطفى الرميد مسؤولية قطاع العدل والحريات، إذ تم تقديم المشروع أمام لجنة العدل والحريات بمجلس النواب في 28/06/2016، لتنهي اللجنة دراستها مواد المشروع في 14/07/2016، ولم يتم تتويج هذا المجهود التشريعي بالتصويت على مشروع القانون.
وترشيدًا للزمن التشريعي، اختارت حكومة العثماني، عدم سحب مشروع هذا القانون ضمن عدد من مشاريع القوانين الأخرى (38 نص) التي لم تسحبها، ليعود مجددا وزير العدل، حينها، محمد أوجار لتقديم مشروع هذا القانون في 06/07/2017، ليتلوها فيما بعد انعقاد متواتر لاجتماعات لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب طيلة سنوات 2017 و2018 و2019، إذ بلغ عدد اجتماعاتها لمناقشة مشروع هذا القانون 13 اجتماعا، انتهت بآخر اجتماع في 02/07/2019.
التعديل الحكومي:
غير أن معطيات التعديل الحكومي انتهت بإعفاء محمد أوجار وتحميل مسؤولية القطاع لوزير آخر لم يكن سوى محمد بنعبد القادر، إلا أن اللجنة في تلك اللحظة كانت قد أنهت  المناقشة التفصيلية لكل مواد هذا المشروع وحدّد مكتبها تاريخا لإيداع التعديلات.
تعامل وزارة العدل مع مشروع تعديل القانون الجنائي، كان من بين القضايا التي شغلت بال أعضاء لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، بمناسبة مناقشة الميزانية الفرعية لوزارة العدل برسم 2020، في سياق الحديث عن هدر الزمن التشريعي.
وتفاعل آنذاك وزير العدل محمد بنعد القادر إيجابا مع ملاحظات النواب بهذا الخصوص، مصرحا أن الحكومة لا نية لها في إعادة النصوص الجاهزة والمحالة على المجلس إلى مرحلة البداية، وأنه منخرط في مسطرة التشريع وفق المراحل التي بلغتها بالنسبة لهذا النص وباقي النصوص.
منعطف جديد
إلى هنا كل الأمور تبدو جيدة وعادية، رغم كل المحاولات التي كانت في البداية بطرح موضوع الحريات الفردية، على أنه موضوع خلافي وجب حسمه مجتمعيا، من خلال محاولات تغليط الرأي العام الوطني، عبر الحديث عن ضرورة تعديل بعض الفصول من قبيل 489 و 490 المتعلقة بالشذوذ الجنسي وبالعلاقات الرضائية خارج مؤسسة الزواج، مع أن هذه الفصول لا تندرج ضمن مشروع القانون 10.16 المعروض على البرلمان.
بيد أن حجر الزاوية، والذي لم يكن موضوع إثارة على الأقل بعد إحالة مشروع القانون الجنائي على مجلس النواب، هو ذاك المقتضى الذي تضمنه الفصل 256/8 باعتباره الفصل جديد الذي جعل من فعل الإثراء غير المشروع فعلا جُرميا يستوجب العقاب بغرامة مالية من 100.000 إلى 1.000.000 درهم مع مصادرة الأموال غير المبررة والتصريح بعدم الأهلية لمزاولة جميع الوظائف والمهام العمومية.
ويقصد بالفعل الجُرمي، المسمى “الإثراء الغير مشروع” كل زيادة كبيرة وغير مبررة في الذمة المالية لكل شخص ملزم بالتصريح الإجباري بالممتلكات، طبقا للتشريع الجاري به العمل، بعد توليه للوظيفة أو المهمة وانطلاقا من التصريح الذي أودعه المعني.
تعديلات النواب:
في غضون ذلك، اتفقت فرق الأغلبية البرلمانية بمجلس النواب، على مجموعة من التعديلات، لكن قبيل ساعة واحدة من آخر أجل لتقديم التعديلات على مشروع قانون رقم 10.16 يقضي بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، يوم 10 يناير 2020، على الساعة الـ12 صباحا، فوجئ فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، بتقديم التعديل 31 الذي جاء بمجموعة من المقتضيات التي أفرغت المشروع من أي وسائل تمكن القضاء من متابعة كسب الأموال بطرق غير مشروعة.
“المصباح” يسحب التعديل 31:
بناء على ذلك، قرر فريق “المصباح” بالغرفة الأولى سحب التعديل 31 بشأن مشروع قانون رقم 10.16 القاضي بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، والإبقاء على الفرع 4 مكرر المتعلق بـ”الإثراء غير المشروع” كما جاءت به الحكومة في المشروع المذكور، مع تمسك الفريق ببقية التعديلات المقدمة آنفا بمعية فرق الأغلبية.
ويتعلق الأمر بالتعديل الذي تقدمت به فرق الأغلبية، حول مواد الإثراء غير المشروع، حيث اقترحت ألا يخضع المعنيون للمحاسبة إلا بعد انتهاء مهامهم سواء الإدارية أو الانتدابية، وحصر مهمة المحاسبة في المجلس الأعلى للحسابات، والاقتصار في التصريح بالممتلكات بالنسبة للمعني وأبنائه فقط، دون الأخذ بعين الاعتبار الممتلكات المصرح بها قبل تولي المهمة الإدارية أو الانتدابية.
وجاء قرار فريق العدالة والتنمية، بعد استنفاذ كافة السبل للتوافق على تعديلات من شأنها المساهمة في محاربة الفساد، ومنها إخضاع كل ممتلكات المعنيين للمحاسبة، بما فيها ممتلكات ما قبل تولي المسؤولية الإدارية أو الانتخابية، وفسح المجال أمام القضاء للمحاسب إلى جانب المجلس الأعلى للحسابات، وإخضاع ممتلكات الزوج أو الزوجة كذلك للتصريح والمحاسبة، وألا ترتبط المحاسبة بانتهاء مدة المسؤولية الإدارية أو الانتخابية.
بلوكاج جديد:
وفي هذا الصدد، يرى عضو لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب رضا بوكمازي، أن “الأصل في تجريم الإثراء غير المشروع هو تدخل تشريعي لمعالجة مظاهر الاختلال الذي تعرفه منظومة التصريح الإجباري بالممتلكات، على اعتبار أن قانون التصريح الإجباري بالممتلكات، لا يعاقب على أي تحول مالي كبير وغير مبرر لكل ملزم بالتصريح بمناسبة مزاولة وظيفة أو مهمة تقتضي ذلك”.
وأضاف بوكمازي، في تصريح لـ ” pjd.ma” أن الغاية الفضلى من منظومة التصريح بالممتلكات، والمتمثلة في محاربة الفساد لا يمكن لها أن تتحقق مادام القانون غير قادر على إيقاع الجزاء على كل من نهب المال العام دون ثبوت جريمة الاختلاس أو الغدر أو استعمل موقعه لمراكمة الثروات بشكل غير مشروع، سواء عبر تضارب المصالح أو الرشوة أو غيرهما من الأشكال غير قانونية.
وأكد عضو فريق “المصباح” بمجلس النواب، أنه بسبب هذا المقتضى الذي يبدو بسيطا والذي بقي في حدود المصادرة والحرمان من الأهلية، لكل من تمت إدانته بالإثراء غير المشروع ولم يقترح إيقاع العقوبات السجنية، يتعرض مشروع القانون الجنائي إلى “بلوكاج” تشريعي جديد، والذي يراد من خلاله محاولة وقف ومعاكسة رغبة المجتمع في محاربة الفساد والتصدي لمراكمة الثروات غير المشروعة عبر مواقع المسؤولية وظيفية كانت أو انتدابية.

About ذ. رشيدة باب الزين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

x

Check Also

التصويت بالإجماع على السيد موسى القبي كرئيس للجمعية المهنية لكتاب المفوضين القضائيين المحلفين بدائرة نفوذ محكمة الاستئناف بالجديدة للولاية الثانية على التوالي

    لقد تم اليوم الجمعة 11 دجنبر 2020 التصويت بالإجماع على السيد موسى القبي ...