إغتيال قاسم سليماني و المهندس بين التكتيك و الإستراتيجي

بقلم أبو أيوب

    مرت ثلاث عشر شهرا بالتمام و الكمال على عملية اغتيال الجنرال الإيراني المثير للجدل قاسم سليماني ، و رفيقه العراقي المهندس دينامو الحشد الشعبي بالعراق . وصحيح أن عملية الإغتيال شكلت ضربة موجعة لمحور إيران و حلفائها ، و صحيح أيضا الرد الصاروخي الباليستي الإيراني على القاعدة الأمريكية عين الأسد شمال بغداد مباشرة بعد انتهاء مراسيم الدفن ( سابقة من نوعها في التاريخ العسكري الأمريكي ، أن تتجرأ دولة و تعلن عن استهداف قاعدة عسكرية أمريكية دون أن يكون هناك رد فوري …!).

    كما هو صحيح كذلك أن كلى البلدين أمريكا و إيران تمكنتا من ضبط النفس و تجنب التصعيد ، إذ أن كل واحد منهما اكتفى تكتيكيا بالفعل و ردة الفعل ( الإغتيال قابله استهداف صاروخي بدقة متناهية ) ، لكن البعد الإستراتيجي لمجمل الصراع لم يحسم بعد و لا زال يرخي بظلاله على مجموع رقعة الخليج و الشرق الأوسط ( صراع وجود و ليست حرب حدود ) ، و إلى يومنا هذا لا زال الصراع قائما و يتخذ أشكالا أخرى لا سيما على الصعيد الأمني السيبيراني الإستخباراتي في محاولة لوضع حد للجرأة الإيرانية و حصرها و محاصرتها في نطاق ضيق .

    الإختراق السيبيراني لبعض المواقع الإيرانية النووية و تعطيلها لفترة زمنية معينة ، فضلا عن عملية اغتيال العالم النووي الإيراني فخري زادة فيما بعد ، يؤكد بالملموس بأن الصراع لا زال متواصلا و على أشده ، و هو ما يوحي و يشير الى البعد الاستراتيجي للصراع ، بالإضافة الى العقوبات الإقتصادية الأمريكية المفروضة على إيران ، كل هذا لم يثن إيران عن مواصلة نهجها و سياساتها و طموحها النووي السلمي . هذا ما خلص إليه اجتماع مجتمع كبار الجنرالات و القادة العسكريين الأمريكيين الذي انعقد مؤخرا بميريلاند ، كيف ذلك ؟

    مجتمع كبار القادة العسكرين مشكل من 20 جنيرالا لا زالوا يمارسون مهامهم ، و هو يعتبر أعلى سلطة تقريرية فيما يتعلق بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية في وقت الأزمات ، للاشارة المجتمع هذا هو من لجم الإندفاعة الترامبية في نهاية عهدة الرئيس ( على الصعيد الإجتماعي و ما نتج من تصدع في المجتمع الأمريكي/ إجهاض مساعي إسرائيل و دول الخليج المطالبة بضرورة توجيه ضربة عسكرية أمريكية لإيران قبل مغادرة البيت الأبيض ، بالتالي يصبح الهدف من وراء الضربة العسكرية يتجلى وفق مقاربتين اثنين ، و كلاهما تصبان في مصلحة الساعين من وراءها :

– ايجاد الظروف المناسبة لإعلان حالة الحرب و حالة الطوارئ القصوى ، بالتالي يفعل بند من الدستور الأمريكي الذي ينص على التمديد للرئيس المنتهية ولايته و استمراره كرئيس لمدة اربع سنوات أخرى إضافية .
– توريط الإدارة المنتخبة الجديدة و تكبيل أيدي ساكن البيت الأبيض الجديد ، في عملية مقايضة و ابتزاز من لدن الساعين الحاثين على الضربة العسكرية و على رأسهم إسرائيل ( دول الخليج تتكلف بالمصاريف كما جرى عليه الحال في حربي الخليج و سوريا و لبنان و ليبيا و اليمن / إسرائيل بالإنخراط المباشر تحت يافطة القوات الأمريكية و المساهمة في الأعمال الإستخباراتية و التخريبية مثالا لا حصرا ) .

    إجتماع مجتمع كبار القادة بميريلاند خلص باستنتاجات أكدتها أيضا وكالات الإستخبارات الأمريكية ، إستنتاجات من شأنها أن تؤثر كثيرا على سياسات الرئيس ، و قد أقول بل أجزم ستؤطر توجه سياسات ساكن البيت الجديد جو بايدن تفاديا للخسائر التي قد تترتب عن التصعيد مع إيران ، من بينها أذكر على سبيل المثال وفق ما استنتجه مجتمع القادة و أطلعوا عليه جو بايدن :

* الجمهورية الإسلامية لا تفصلها عن صنع قنبلة نووية سوى فتوى من المرشد الإيراني السيد خامنئي . ( هنا أود الإشارة إلى فتوى للامام الخميني حرم من خلالها تصنيع أو استعمال الأسلحة النووية و البيولوجية و الكيميائية في الصراعات العسكرية ، و قد يتغير الامر اليوم بمجرد إصدار فتوى ).
* اجراء تجربتين عسكريتين ناجحتين على صاروخين باليستيين بمقدورهما حمل رؤوس نووية ، صاروخين حملا من الإسم سليماني و المهندس في إشارة لمن اغتيلا بمطار بغداد قبل 13 شهرا ، و هذا ما يعطي الإنطباع و يشير إلى الجانب الإستراتيجي من المعادلة ، معادلة صراع وجودي من زاوية إما أن نكون أو لا نكون وفق منظور المحور الإيراني و الحلفاء ، تقابلها معادلة الحلف و الأدوات وفق رؤية إسرائيلية يصبح فيها الصراع حدودي كما جاء به كتاب نثنياهو ( مكان تحت الشمس ) ، هذا ما يعطي للصراع بعده الإستراتيجي بدل التكتيكي ( عملية هنا و هناك/ غارات على سوريا…….مثال ).
* العقوبات الإقتصادية الأمريكية على إيران لم تؤثر على القدرة النووية الإيرانية إلا بما نسبته 15% , مقابل ما أنجزته إيران تحت ضغط العقوبات ( قرابة 60 كلغ و اكثر من اليورانيوم العالي التخصيب ، و هذا ما يمكنها من صنع قنابل نووية في ظرف أقل من أسبوع ).
* الهجومات السيبيرانية التي نسبت لإسرائيل و المخابرات الأمريكية بتواطؤ مع الدول الغربية و كندا …، و التي عطلت سير بعض المواقع النووية الإيرانية و رغم ما خلفته من أضرار ، بحسب خلاصات المجتمع العسكري الأمريكي لم تؤثر إلا بما نسبته 5% , أي بما يعني في المجمل تعطيل البرنامج النووي الإيراني بنسبة 20% ، نسبة غير كافية لكبح جماح طموح إيران النووي ، بالتالي أكد المجتمع على أن إيران دولة نووية و هذه حقيقة … و عليهم تغيير النهج في تعاطيهم مع إيران مع ضرورة الأخذ بعين الإعتبار لمصالحها بالمنطقة .

    دليل هذا بتقديري موقف ضعف ، من خلال ما بدر من تصريحات رسمية أمريكية على لسان أكثر من مسؤول ، و على رأسهم الرئيس جوزيف بايدن من خلال قراره القاضي بتخفيف وقع العقوبات لا سيما فيما يتعلق بالجانب الإنساني ( رفع الحواجز عن وارداتها من الأدوية و لقاحات كوفيد 19/ ) , أما الجانب السياسي منه فينجلي من خلال مطالبته إيران بالإلتزام ببنود الإتفاق النووي لإثباث حسن النية ، و سوف تليها بالضرورة بحسب التصريحات الرسمية من أعلى المستويات ، خطوات مماثلة أمريكية لرأب الصدوع ( وفق منطق لا غالب و لا مغلوب /تنازلات متبادلة بحسب مفهومي ..) .

    هنا أود طرح السؤال ، من مزق قرار مجلس الأمن الدولي و معه مزق الإتفاق النووي على رؤوس الأشهاد و أمام الكاميرات ؟ ، بالطبع رئيس أمريكا …! أليس كذلك ؟ بلى …، سؤال يولد آخر حول ما تقاضاه من مقابل ؟ . يقال بأن الرئيس ظفر ب750 مليار دولار للسعودية كانت مودعة بأمريكا …و صفقة عسكرية لمقنيات السلاح مع دول الخليج بما يفوق تريليون دولار أمريكي … عدا هدايا من تحت و من فوق … مقابل ماذا ؟ ألم أقل بأن السؤال يستجلب آخر ؟ بلى …! ، مقابل صفقات أسلحة لم تستلم بعد ، و الواقع أن البائع قبض الثمن ….؟!. .

    اليوم أمريكا تعلن رسميا التراجع عن تزويد انظمة الخليج بالمزيد من السلاح ، مطالبة بالوقف الفوري للحرب على اليمن ، بل أكثر من هذا و في رسالة واضحة لمحور و حلفاء … ألغت تصنيف أنصار الله أو الحوثيين باليمن كتنظيم إرهابي بحسب التصنيف الأمريكي ، فما الذي دفع بأمريكا على تقديم هكذا تنازلات ؟

    ببساطة ، إحساسها و تيقنها من أن هناك أكثر من 200 ألف صاروخ موجه لمصالحها بالمنطقة ، و على رأسها أكبر حاملات طائرات أمريكية برية ( إسرائيل ) ، فضلا عن مجمل قواعدها العسكرية بالخليج و الشرق الأوسط و أفغانستان و العراق … قلت إحساسها … دفع بها إلى نهج مقاربة برغماتية انطلاقا من الواقع على الأرض ، و لن يتأتى لها هذا إلا بالرجوع إلى الأعراف و الشرائع الدولية … و أن زمن قانون الغاب و الغرب الأمريكي … قد ولى … بمعنى آخر بالرجوع إلى الشرعية تكتسب الشرعية .

    كان هذا زوار موقع ليل الجديدة نيوز و متتبعيها ، عملية ماركوتينغ وفق رؤية الكاوبوي أو العم سام حامي سام الربيب و بعض من إخوته من أخيه حام ، رؤية تقاسمها العم سام و سام الربيب تقول بأن البقرة الحلوب متى جف ضرعها وجب ذبحها ….! هذا ما نطق به العام سام على لسان الرئيس ترامب نفسه ، أما عملية الذبح فهي من اختصاص سام الربيب إبن عم حام … و أمهر الجزارين و الطهاة و السحرة من سام أو من بني عمومتنا نحن الحاميون حتى لا أتهم بمعاداة السامية . لماذا كان كل هذا الماركوتينغ … ؟ ، نظرة تسويقية استبغالية استبلادية …! قطيع فاغر فاه منبهر جزافا من الخليج إلى المحيط …! ، فماذا كانت النتيجة ؟

    النتيجة ببساطة ، ضحك على دقون عربان خانعة استحلبوا حلبا تلتها عودة للمربع الأول ، أي بما معناه عودة أمريكا إلى التزاماتها الدولية بموجب قرار مجلس الأمن الدولي بخصوص الإتفاق النووي 5+1. نقطة على السطر ، و بتقديري الرجوع إلى قرارات الشرعية الدولية …، و بحكم أن أمريكا قوة إقتصادية و عسكرية …

    موقعها هذا يستلزم الإحترام و الوقار حفاظا على كبريائها ، لمساعدتها فقط على النزول من الشجرة … و مساعدتها على الرجوع الى ما أقرته الشرعية الدولية و ليس قانون الغاب ، و المساعدة مرهونة بقرار صانع السجاد الإيراني …. أي قوى المحور و الحلفاء و مبتكر لعبة الشطرنج و الشيخ مات Échec et mat .

    هذا ما راهنت عليه منذ البداية كل من روسيا و الصين و الهند و باكستان و إيران و اليمن الضعيف و لبنان العزيز و سوريا المتعافية و العراق العصي … لكبح جماح الكاوبوي و وضع حد لهيمنة القطب الواحد ، فهل سيدلي صانع السجاد بغصن النجاة للحلف و الأدوات حفاظا على ماء الوجه للظفر بما يطرح و النجاة ؟ هذا ما سوف تفصح عنه الأيام القادمة ..! . لكنني في المقابل أجزم بأن أمريكا ستدعن في نهاية المطاف للقانون الدولي ، قانون كانت هي من بين من صانعيه .

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

x

Check Also

صور والفيديو :جمعية تفاوين توزع 50 قفة رمضان على الفئات المعوزة ببني شيكر

  الجديدة نيوز /الناظور   ترسيخا لقيمها التضامنية، وتكريسا لبعدها الانساني ، نظمت جمعية تيفاوين ...