الواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

نحو احتفالية مسرحية في عالم احتفالي .

بقلم: عبد الكريم برشيد
فاتحة الكلام

مولد هذه الاحتفالية الجديدة، والتي هي احتفاليتنا كلنا، نحن الناس، في عالم الإنسان هذا، هذه الاحتفالية، وفي طبعتها الحديثة والمعاصرة، وتحديدا في وطن احتفالي يسمى المغرب، وفي ظرفية تاريخية جد حساسة، وفي مناخ ثقافي وحضاري مغربي غني باعياده و.مواسمه وباحتفالياته، وهذا المولد، في جغرافيه وتاريخه وشروطه و سياقه لم يكن يكن ابدا صدفة، وان كان صدفة، فإن هذه الصدفة لا يمكن ان تكون إلا صدفة موضوعية وعاقلة وواقعية وحكيمة، وهذا ما يفسر ان تولد هذه الاحتفالية في المغرب الليبرالي تحديدا، وان تتاسس في نظام سياسي ديمقراطي، او في طريق الديموقراطية، وليس في نظام عسكري او في نظام شمولي، او في نظام استبدادي، يقوم على وحدة الحزب وعلى وحدة الفكرة والفكر ، وعلى وحدة الراي، وعلى غياب الراي الآخر. وعلى تغييب فعل الاجتهاد، وعلى استبعاد الآخر المختلف و المخالف،
وهذا المغرب، كان دائما وما يزال، اقرب الى الحياة الشعرية الغنية، وكان أقرب إلى الإلهام الشعري والفكري، وذلك في الوقت الذي كان المشرق العربي دائما، وما يزال، اقرب الى الوحي الديني، وبذلك فقد كانت هذه الاحتفالية هي الأقرب إلى الواقع و الواقعية، وكانت هي الأقرب الى روح الإنسان والى جوهر إنسانية الإنسان، وكانت هي الأقرب إلى المدينة وإلى مدنية المدينة، وكانت هي الأقرب إلى الأرض و تربتها، وكانت هي الأقرب الى الحياة وإلى حيوية الحياة، وكانت هي الأقرب إلى فلسفة التعييد الاحتفالي، وذلك في حياة الناس اليومية العادية، تماما كانت هي الأقرب إلى فكر وفنون وعلوم وصناعات وتقاليد وسلوكيات و أخلاقيات الإنسان المغربي في حياته اليومية
وهذا المسرح، في حياة كثير من الشعوب ومن الأمم، لم يكن في يوم من الأيام مجرد حكي يحكى، لأنه اساسا تمرين على الوجود الصادق، و تمرين على الحياة الحقيقية، وهو بحث متجدد عن العيد والتعييد والعيدية، وهو محاولة لكسر روتين الأيام المتشابهة، بحثا عن يوم جديد ومتجدد، يوم احتفالي في فضاء احتفالي وفي زمان احتفالي وفي مناخ ثقافي واخلاقيات احتفالية
وهذا الحلم الإنساني كان دائما في في حاجة إلى برلمان شعبي مفتوح على اسىئلة و مسائل الناس، وكان في حاجة لقاء الناس بالناس، وكان بحاجة إلى حضور لا غياب فيه ولا تغييب، حضور شامل ومتكامل، يقوم على اسس ثابتة هي اللقاء وهي المشاركة وهي الاقتسام وهي الحوار الاحتفالي، وذلك في الزمان العيدي و الاحتفالي
ونعرف ان ان رهان الاحتفاليين، في تاسيس نظامهم الفكري والجمالي والأخلاقي، قد كان دائما، وما يزال، رهانا على روح المسرح، وعلى جوهر المسرح، و جوهر هذا المسرح هو الغنى الكامن في التعدد وهو التطور بالتمدد، وهو الحياة بالتجدد وفي التجدد، وهذا المسرح هو النحن والآخر، وهو الفكرة ونقيضها، وهو الرأي والرأي المخالف، وهو المواقف والمواقف المضادة، والجديد الذي بشر به الاحتفاليون، في مجتمعات عربية ذات نظام سياسي وفكري وجمالي و اخلاقي واحد، هو الدعوة إلى الحوار، وهو دمقرطة المسرح إلى جانب دمقرطة الحياة الاجتماعية والسياسية في المجتمعات العربية، ولهذا فقد أمكننا ان نقول ما يلي، بان الاحتفالية الحقيقية في المسرح، لا يمكن ان تتحقق إلا في المجتمعات الإنسانية الحقيقية ، بعيدا عن الانغلاق، وبعيدا عن وجود الزعيم الملهم الأوحد، وبعيدا عن عن العزلة والانعزالية، و بعيدا عن الغربة والتغريب، وبعيدا عن الإقصاء و الإبعاد والتهميش
وفعل التعييد الاحتفالي في المغرب، لا يبدا من المسرح، ولكنه يبدا ولا ينتهي من حياة الناس اليومية، أي في حياتهم الاجتماعية والسياسية والأخلاقية اليومية، وهذا هو المعنى الذي جاء في كتاب ( فلسفة التعييد الاحتفالي في اليومي وفي ما وراء اليومية)
ونجاح الحركة الاحتفالية في المغرب، في وقت فشلت فيه اغلب الحركات المسرحية الأخرى في العالم العربي، لم تأت من فراغ، ولقد تم بتحالف مشروع بين الإرادة والقدرة، لقد اردنا التغيير، وتصورنا حدود وطرقه و ألياته، ولقد كانت لدينا القدرة الفكرية والجمالية على احداث هذا التغيير. مدينة بلا حب ليست مدينة وفن بلا شغف ليس فنا.
يقول الرجل (يحي) للمراة (حياة) في تلك المسرحية التي حملت اسم ( يا مسافر وحدك) والتي قدمها مسرح الأوركيد بمدينة بني ملال، واخرجها المخرج الاحتفالي عبد المجيد فنيش ما يلي:
( هكذا أنا يا مولاتي، إنسان متصالح مع اسمه ومع نفسه ومع وطنه ومع عالمه ومع كونه ومع ربه، إنني لا أسب القدر، ولا أشكو الظروف، ولا ألعن الأيام، ولا أجرم الشيطان وأبرئ نفسي، ولا أكفر أحدا من الناس، ولا أتهم إلا نفسي إن أنا أصبت أو أخطأت.. إنني سعيد بالذي أتى، وغير آسف على الذي لم يأت)
و يؤمن الاحتفالي بان الحقيقة هي الحب، وان الجمال موجود في الحب، وان المستقبل يقيم في الحب، وأن أسوأ شيء هو ان لا يكون بينك وبين نفسك، وبين نفسك وهذا العالم علاقة حب، وان تبحث عن نفسك في نفسك فلا تجد صورتك الحقيقية، وان لا تكون ما تريد، وان لا تكون في الموضع الذي تريد، وان لا تجد نفسك في الطريق مع الرفيق الذي تريد، وان يكون بينك وبين نفسك مسافة، وان يكون بينك وبين الآخر جدار من الصمت ومن سوء الفهم ومن سوء التفاهم، وان تجد نفسك، من حيث لا تدري ولا تريد، بعيدا عن نفسك و غريبا عن نفسك، وان تعيش المنفى في بيتك وفي وطنك وبين اهلك وفي فكرك و علمك و فنك
ومن بين أهم ما يميز هذه الاحتفالية هو أنها ( ترفض ثنائية الآخر والنحن، وتؤكد على أن الآخر ينبغي أن يكون موجودا في النحن الإنسانية الكبرى، والتي تعوض (الأنانية) الغربية ب ( النحنية) الشرقية، وبهذا فهي ترفض ثنائية المركز والهامش، وتؤكد على أن المراكز تتعدد وتتنوع بتعدد وتنوع الذوات المختلفة، والتي قد تكون ذواتا مادية أو رمزية، فردية أو جماعية، وترى أن من حق أي واحد من الموجودات الحية في هذا الوجود الحي أن يقول ( أنا المركز) من غير أن يصادر حق الآخر في أن يكون مركزا أيضا) هكذا تحدث الاحتفالي في كتابه المخطوط ( مسافر وجهته السحاب ،)
وبالنسبة للاحتفالية دائما، فإن هناك أشياء يمكن أن نتعلمها في الحياة، وأن نعلمها للآخرين، وهناك أشياء أخرى غيرها تستعصي على التعليم وعلى التلقين وعلى الاقتباس وعلى الاختلاس، وهذا هو ما يجعل الاحتفالي يقول:
( قد تعلمني تقنيات الأشياء، ولكنك أبدا لا يمكن أن تعلمني كيف أحس وكيف أشعر وكيف أحلم وكيف أتوهم وكيف أفكر وكيف أفرح وكيف أغضب وكيف أغني وكيف أرقص وكيف أصلي وكيف أفعل وكيف أتفاعل وكيف أنفعل وكيف أحتفل وكيف أعيد وكيف أكتب وبأية لغة أكتب وكيف أعشق وكيف أحيا كما أشاء وكيف أعيش حريتي وأحيا حيويتي) نفس المرجع السابق
هو الحق في الهوية إذن، هكذا قال (بيان أربيل للاحتفالية المتجددة) والذي أكد على أن هذا المطلب الوجودي (يظل مطلبا احتفاليا، والذي يؤكد على الوجود المختلف والمخالف، وعلى الحق الطبيعي والمشروع في أن نكون نحن هم نحن وليس غيرنا، وعلى أن نكون لنا بصمتنا المميزة، وعلى أن تكون لنا ملامحنا الخاصة، وعلى أن يكون لنا فكرنا الذي يشبهنا ونشبههه، وعلى أن يكون لنا فننا الذي هو جزء من حياتنا اليومية، ولهذا نقول بأنه من حق ليوبلد سنغور مع إيمي سيزير في أفريقيا أن يؤسسا تيار الزنوجية في الأدب والفن، وأن ينحازا إلى هويتهما الأفريقية المقموعة، ومن حق أحمد سالار في مدينة أربيل العراقية أن يؤسس الاحتفالية الكردية، وأن يعطيها أشياء من لغته ومن ثقافته ومن تراثه ومن عبقرية الأرض ومن عبقرية الإنسان، وأيضا، ومن حق الفنان علي مهدي، أن يؤسس الاحتفالية الأفريقية في السودان، وأن يعطيها شيئا من احتفالية الإنسان والأرض والتاريخ وبهذا يكون من حق كل المهمشين والمنفيين والمنسييين ثقافيا، وفي أي بلد كانوا، أن يضعوا بصمتهم الخاصة على أجناسهم الأدبية والفنية، وأن يعلنوا عن وجودهم الإضافي، وأن يمارسوا حقهم الطبيعي في التعبير الحر، وأن يكونوا أوفياء لتلك (النحن) التي أوجدتهم لغويا وثقافيا وحضاريا، والتي لها ديوانها الاحتفالي الخاص، والغني بالأشكال وبالألوان وبالحركات وبالإشارات وبالإيماءات وبالعلامات المختلفة والمخالفة) من نفس (بيان اربيل للاحتفالية المتجددة )
وماذا يعني أن يكتب الكاتب؟
وبخصوص السؤال ماذا يعني أن يكتب الكاتب، يقول الكاتب الاحتفالي:( يعني أن يكون له وجود، وان يكون لهذا الوجود بصمته الخاصة، وأن تكون له إضافته المعرفية والجمالية، وأن تكون له طاقته الفكرية والجمالية، وأن تكون له طاقته وديناميته، وأن يكون له وعي بهذا الوجود، وأن يكون الكاتب واعيا بهذا الوجود الإضافي،، وأن يكون شاهدا على الواقع والوقائع، وان يكون ذاتا واحدة تختزل كل الذوات الموزعة في الكون، وأن تكون رؤيته للعالم في حجم هذا العالم، وان تكون بكل ألوان الوجود، وأن لا تكون مختزلة في لونين اثنين لا ثالث لهما، أي اللون الأبيض واللون الأسود، ولا شيء غيرهما)
إنني أنا الكاتب الاحتفالي أكتب بشكل آخر،، لأنني أحيا حياتي الاحتفالية بشكل آخر، وأنني أفكر في هذه الحياة بشكل آخر، وأنني أبحث في هذا العالم عن مدينة سحرية وشعرية فاضلة، وهل هذا ممكن؟ والمهم أن أقول بأنه ليس مستحيلا، لأن كلمة المستحيل لا وجود لها في معجم العبقرية الإنسانية
وفعل الكتابة هو فعل حيوي في الحياة، تماما كما هو ضروري وأساسي في عالم المسرح، ولقد سبق وقلت وأكدت دائما على ضرورة الكتابة، وبأنه لا حضارة ولا مدنية إلا بالكتابة وفي الكتابة، وفي مجال المسرح أكدت على ( ضرورة أن نؤمن ـ جميعنا ـ بأن المسرح يبدأ بالنص، وبأن كل الحضارات قد تأسست بالكتابة وفي الكتابة، وبأن الوحي كتابة، وأنه قد بدأ من كلمة ( اقرأ) وبأن الدستور في الدول الديمقراطية كتابة أيضا، وبأنه لا يمكن إقامة دولة المسرح الحرة والديمقراطية، بدون دستور مكتوب، وبدون قانون ينظم العلاقة بين الشخصيات المواطنة في هذه الدولة، وبدون هذا النص ـ الديوان، والذي نخبئ فيه الحياة والحيوية، ونخبئ فيه المعرفة والحكمة، ونخبئ فيه الشعرية والجمالية، فإن هذا المسرح سيظل في درجة الصفر دائما، ولا يمكن أن يكون له ماض مضى، ولا يمكن أن يكون له مستقبل سوف يأتي، وبهذا يكون من الضروري أن نعيد الاعتبار للكلمة، وأن نبدأ الفعل المسرحي من أساسه المؤسس، والذي هو الكتابة)
والكتابة ـ بالنسبة للاحتفالي ـ هي أساسا فعل للتحرر، وعليه، فإنها في شعريتها، هي أكبر وأكبر من أن تكون مجرد قيود أو مجرد قواعد أو مجرد كليشيهات أو مجرد تعاليم أو مجرد توصيات، وكل كتابة جديدة لا تتمرد على الكتابة ( القديمة) لا يمكن أن تكون إلا كتابة إنشائية، أو مجرد تمارين مدرسية فقط، والمطلوب اليوم من هذه الكتابة الاحتفالية الحيوية، هو ألا تكرر نفسها، وأن تكون كتابة نقدية، وأن يكون روحها وجوهرها الحس النقدي والوعي النقدي والموقف النقدي، وأن تكون بالضرورة ضد النمطية وضد المرآوية وضد الصدوية وضد الظلية وضد المدرسية وضد التبعية، وأن يكون عنوانها الكبير هو الخروج.. أي الخروج عن حدود المألوف والمعروف، وعن حدود القوالب الجاهزة، وعن طوع المعلبات اللغوية المعدة للكتابة.
آخر الكلام مؤقتا ..
وفي اخر هذا الكلام، من هذا النفس الجديد، من هذه الكتابة الاحتفالية الجديدة، اقول الكلمة التالية، وهي ان هذه الاحتفالية هي اساسا حركة في التاريخ، وانها طاقة عاقلة محركة، وهي حركة باتجاه العالم والعالمية، وباتجاه العقل والعقلانية، وباتجاه الجمال والجمالية، و باتجاه مسرح يعرف نفسه.
هي فعل جديد ومتجدد، داخل حركة فكرية وجمالية، تسعى من اجل ايجاد مسرحية احتفالية تشبه إنسانها، وتشبه لحظتها التاريخية، وتشبه ثقافتها، وان يتم ابداع هذه
المسرحية بكتابة درامية احتفالية،لأن المسرحية، وقبل ان تكون اي شيء اخر، هي كتابة، والصحيح هو ان نقول هي مجموعة كتابات متعددة ومتنوعة، انطلاقا من الرسم بالحروف والكلمات وانتهاء بالرسم بالأجساد و بالأشياء و بالحركات و بالاشارات وبالايماءات
ان الكتابة هي الأصل إذن، من خلال البحث عن مسرح شامل و متكامل، مسرح برؤية إخراحية احتفالية. وبأداء مسرحي احتفالي، وبجمعور مسرحي احتفالي و بفضاء مسرحي احتفالي، والعلاقات إنسانية ومدنية احتفالية، وبتاثيث مسرحي احتفالي، وذلك في مدينة احتفالية وفي زمان احتفالي وفي عالم احتفالي
وهذه الاحتفالية الحية، ما هي إلا حركة حبك في دورة مسرح الحياة وفي حياة المسرح، وهي فعل صادق في دورة الفكر المسرحي الحي، وفي دورة العلم المسرحي الجاد. الجديد والمجدد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى