الواجهة

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التعليم والتربية والتوجيه

عبد الرحيم مفكير يكتب:

لن تتم العملية التربوية حتى تعم كل هذه الجوانب في حياة الإنسان، وحتى تتم تغذيتها بما يلزمها من عاطفة وعلم وعقائد وأخلاق وتكوين جسدي، وإنّ أيّ خلل في جانب من هذه الجوانب سينعكس على الجوانب الأخرى ويحدث فيها خللاَ، (فتحتاج العملية التربوية إلى خطط متدرّجة تسير فيها الأعمال التربوية والتعليمية، وفق ترتيب مُنظَّم صاعد ينتقل مع الناشىء من طور إلى طور ومن مرحلة إلى مرحلة) [أصول التربية الإسلامية لعبدالرحمن النحلاوي ص17.]
ولقد بلغت تربية النبي صلى الله عليه وسلم حد الكمال وكانت المنهج الأمثل بشموليّتها ؛ من تنمية للفكر وتنظيم للسلوك وتغذية للعواطف وبناء للجسد من دون أن يطغى جانب على جانب بما يحقق أهداف الفرد والمجتمع في السعادة والكمال والرقيّ ، وكان أسلوبه الأسلوب المتجدد الذي يلبّي حاجة كل عصر ويصلح لكل زمان ومكان ويستوعب جميع طبائع الناس على اختلاف أنماط سلوكهم وصفاتهم ومراحل عمرهم.
وكم نحن بحاجة للوقوف أمام هذه المعالم النبوية وتمثلها في حياتنا وسلوكنا ؛ إذ هي السر في تميز الرعيل الأول رضي الله عنهم أجمعين .
2/1 الصبر وطول النفس :
يسهل على الإنسان أن يتعامل مع الآلة الصماء ، ويستطيع الباحث أن يصبر ويكافح في دراسة هذه الظاهرة المادية أو تلك ، لكن التعامل مع الإنسان له شأن آخر وبعد آخر ؛ ذلك أن الناس بشر ، لا يحكم تصرفاتهم ومواقفهم قانون مطرد ؛ فتراه تارة هنا وتارة هناك ، تارة يرضى وتارة يسخط ..
ولهذا أجمع المختصون بأن (الظاهرة الإنسانية ظاهرة معقدة) ، وأن البحث فيها تكتنفه صعوبات عدة ؛ فكيف بالتعامل المباشر مع الإنسان والسعي لتقويمه وتوجيه سلوكه ؟
ومن يتأمل سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- يرى كيف صبر وعانى حتى ربى هذا الجيل المبارك ، وكم فترة من الزمن قضاها ؟ وكم هي المواقف التي واجهها ؟ ومع ذلك صبر
واحتسب ، وكان طويل النفس بعيد النظر ، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
فقد كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يربي أصحابه، ويروّضهم على العمل والتطبيق كلما اُلقي إليه شيء من القرآن الكريم. فقد روى عثمان بن مظعون وابن مسعود واُبيّ: (أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يُقرِئُهم العشر، فلا يجاوزونها إلى عشر أُخرى حتى يعلموا ما فيها من العمل فيعلمهم القرآن والعمل جميعاً)
وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: (حدثنا من كان يقرئُنا من الصحابة أنهم كانوا يأخذون من رسول الله (صلى الله عليه وآله) عشر آيات فلا يأخذون في العشر الاُخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل”
ولقد كان المسلمون يجدون في رسول الله (صلى الله عليه وآله) النموذج الحي للعقيدة والرسالة فهو أول العاملين، وقدوة المطبقين، فقد أُعِدَّ ورُبّيَ تربية إلهية كاملة عبّر هو نفسه عنها بقوله: (أدَّبني ربّي فأحسنَ تأديبي).
وجاء في روايات وأحاديث وتوجيهات تربوية أُخرى ما يؤكد اهتمام الاسلام وحرص المسلمين على تربية الأبناء واهتمامهم بتنشئتهم وإعدادهم.
فقد روي أن رجلاً جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: (يا رسول الله، ما حق ابني هذا؟ قال: تحسِّن اسمه وأَدَبَه(وضعه موضعاً حسناً)
وروي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال:(عَلّموا أولادكم السباحة والرماية)
علاقة الودّ والمحبة معهم، بتحبيب الأبناء للآباء وحثهم على إنجاب الأولاد والاعتناء بتربيتهم وتوجيههم.
فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله):
(من سعادة الرجل الولد الصالح )
إن البشر مهما علا شأنهم فلن يصلوا إلى درجة العصمة ، وهل هناك من هو أعلى شأناً من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا الأنبياء..
– فها هم يتنزل فيهم في ( بدر ) : {لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال : 68]
– وفي ( أحد ) : {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ} [آل عمران : 152]
– وفي ( حنين ) : { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ }[التوبة : 25]
– وحين قسم غنائم حنين وجد بعض أصحابه في نفوسهم ما وجدوا .
– وكان يخطب فجاءت عير فتبعها الناس فنزل فيهم قرآن يتلى .
ومع ذلك يبقى هذا الجيل وهذا المجتمع هو القمة، وهو المثل الأعلى للناس في هذه الدنيا، ولن تكون هذه المواقف سبباً للحط من شأنهم ومكانتهم رضوان الله عليهم .
لكن كيف بمن دونهم ؟ ! بل لا يسوغ أن يقارن بهم .
إن ذلك يفرض على المربي أن يكون:
طويل النفس ، صابراً ، عالي الهمة ، متفائلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى