270 طناً من المخدرات تهز سباق الانتخابات بالقنيطرة.. النيابة العامة تفتح البحث وتضع التصريح أمام اختبار الحقيقة
بقلم الصحفي خطوط النواصر

القنيطرة – 4 شتنبر 2026
لم يعد التصريح الذي أطلقه المرشح البرلماني مصطفى الإبراهيمي خلال تجمع حزبي بالقنيطرة مجرد كلمة انتخابية عابرة أو مادة للنقاش السياسي على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما دخلت النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بالقنيطرة على خط القضية وأمرت بفتح بحث قضائي للوقوف على حيثيات وظروف التصريح وترتيب الآثار القانونية اللازمة على ضوء ما ستسفر عنه الأبحاث.

القضية تفجرت عقب تداول مقاطع من كلمة انتخابية نُسبت إلى الإبراهيمي، المرشح عن حزب العدالة والتنمية بدائرة القنيطرة، تحدث فيها عن كمية ضخمة من المخدرات قدرت في التغطيات المتداولة بنحو 270 طناً، وربط بين العائدات المالية المفترضة لهذه الكمية وبين إمكانية امتلاك قدرة مالية هائلة تسمح بالتأثير في صناديق الاقتراع والمؤسسات المنتخبة، وصولاً إلى البرلمان والحكومة.

وبحسب ما أوردته جريدة «الصباح»، فقد تم استدعاء الإبراهيمي للاستماع إليه في محضر رسمي بشأن التصريحات، في وقت أعلنت فيه النيابة العامة أن تحركها جاء بعد تداول الفيديو ومضمونه، وفي إطار الاختصاصات الموكولة إليها والسهر على سلامة العملية الانتخابية وضمان التطبيق السليم للقانون.
لكن هنا تبدأ النقطة الأكثر أهمية في هذا الملف: ماذا يعني قانونياً فتح بحث قضائي؟
فتح البحث القضائي لا يعني أن النيابة العامة أعلنت ثبوت الاتهام، ولا يعني أن ما ورد في التصريح أصبح حقيقة قضائية، ولا يمثل حكماً بالإدانة في حق صاحب التصريح أو أي جهة أخرى. إنه يعني، في جوهره، أن السلطة القضائية المختصة قررت الانتقال من مرحلة تداول المعطيات والتصريحات إلى مرحلة التحقق منها، وفحص ظروف صدورها ومضمونها وما إذا كانت تستند إلى وقائع قابلة للإثبات.
وهذا يعني أن السؤال لم يعد فقط: «ماذا قال المرشح؟»، وإنما أصبح: من أين جاءت هذه المعلومة؟ وما المقصود تحديداً؟ وهل توجد وقائع أو أدلة أو معلومات يمكن التحقق منها؟
فالرقم المتداول، أي 270 طناً، ليس في حد ذاته دليلاً على ارتكاب جريمة أو على وجود أموال استُعملت فعلاً في الانتخابات. الرقم يحتاج إلى مصدر ومعطيات وسياق، وإذا كان صاحب التصريح يتحدث عن واقعة محددة، فإن البحث القضائي يمكن أن يسعى إلى تحديد أساسها ومدى وجود عناصر مادية تؤيدها.
وهنا تبرز أهمية التسجيل الكامل للكلمة، وليس فقط المقاطع القصيرة التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي. فبعض التغطيات الصحفية أشارت إلى أن العودة إلى التسجيل الكامل تقدم سياقاً أكثر تعقيداً، وأن الربط المباشر بين الأموال المفترضة وتوظيفها في الانتخابات قد لا يعكس بالضرورة كل ما ورد في التصريح. وهذه نقطة جوهرية، لأن العدالة لا تبني استنتاجاتها على مقطع مبتور، وإنما على الوقائع في سياقها الكامل وما يمكن إثباته منها.
كما أن الإبراهيمي، بحسب ما أوردته عدة منابر، لم يكشف بشكل صريح عن هوية الحزب أو المرشح الذي كان يقصده، وهو ما يفتح سؤالاً آخر أمام البحث: هل كان الكلام يتعلق بواقعة محددة يعرف صاحب التصريح تفاصيلها؟ أم كان عبارة عن تقدير سياسي أو تحذير من خطر محتمل؟ أم أن هناك معطيات أخرى لم يتم الكشف عنها للرأي العام؟
هذه الأسئلة هي بالضبط ما يجعل فتح البحث القضائي خطوة ذات أهمية، لأن النيابة العامة لا تبحث فقط عن «صحة جملة» وإنما عن الوقائع التي تقف وراءها إن كانت موجودة.
وفي حال وجود معطيات جدية، يمكن للبحث أن يتوسع في اتجاه تحديد مصدر المعلومات، وفحص الوثائق أو التسجيلات أو المعطيات التي يمكن أن تساعد على كشف الحقيقة، والاستماع إلى الأشخاص الذين يمكن أن تكون لديهم معلومات مباشرة، وفق ما تراه الجهات المكلفة بالبحث ضرورياً.
أما إذا تبين أن التصريحات لا تستند إلى وقائع قابلة للإثبات أو أن مضمونها أخذ خارج سياقه، فإن ذلك يدخل أيضاً ضمن النتائج التي يمكن أن يخلص إليها البحث، ويبقى تقدير المآل القانوني النهائي من اختصاص الجهات القضائية المختصة.
وتزداد حساسية الملف لأن الأمر يتعلق بانتخابات تشريعية مرتقبة في 23 شتنبر 2026، وبالتالي فإن أي حديث عن استعمال أموال غير مشروعة للتأثير في الناخبين لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد سجال سياسي عادي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمصادر تمويل مفترضة مرتبطة بالمخدرات.
فالانتخابات ليست مجرد منافسة بين مرشحين، وإنما آلية دستورية لإنتاج مؤسسات تمثل الإرادة الشعبية. ومن هنا فإن الحديث عن إمكانية شراء الأصوات أو التأثير المالي غير المشروع يلامس جوهر الثقة في العملية الانتخابية، ويجعل التحقق من الادعاءات مسؤولية مؤسساتية وقضائية بالغة الحساسية.
وفي المقابل، فإن حماية نزاهة الانتخابات تقتضي أيضاً حماية الأشخاص من تحويل الادعاءات غير المثبتة إلى أحكام إعلامية مسبقة. لذلك فإن وجود بحث قضائي يجب ألا يُفهم باعتباره إدانة، كما أن صاحب التصريح يبقى مستفيداً من كامل الضمانات القانونية إلى أن تثبت أي مسؤولية بحكم قضائي نهائي عند الاقتضاء.
القضية إذن أصبحت أمام ثلاثة مستويات متوازية: تصريح انتخابي مثير للجدل، ومقطع رقمي واسع الانتشار، ثم تدخل قضائي رسمي للتحقق من الحقيقة والملابسات.
والسؤال الأكبر الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط من قال ماذا، وإنما: هل توجد خلف التصريح معطيات قابلة للإثبات؟ وهل رقم 270 طناً يستند إلى واقعة محددة أم إلى معطى سياسي غير موثق؟ وهل توجد فعلاً أموال مرتبطة بهذه الكمية استُعملت أو كان يراد استعمالها للتأثير في الانتخابات؟
هذه الأسئلة لا تستطيع مواقع التواصل الاجتماعي الإجابة عنها، ولا الحملات الانتخابية، ولا التصريحات المضادة، وإنما يظل الحسم فيها رهيناً بنتائج البحث القضائي.
وفي انتظار ما ستسفر عنه الأبحاث، يبقى الثابت رسمياً أن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالقنيطرة أمر بفتح بحث قضائي بشأن تصريح أدلى به أحد المرشحين وتداولته منصات التواصل، وأن الغاية المعلنة هي الوقوف على حيثيات وظروف التصريح وترتيب الآثار القانونية اللازمة، في إطار الحرص على سلامة العملية الانتخابية والتطبيق السليم للقانون.
وهكذا تتحول قصة بدأت داخل تجمع انتخابي إلى ملف قضائي يضع الكلمة أمام الدليل، والادعاء أمام الإثبات، والمال الانتخابي أمام الرقابة، والثقة الشعبية أمام اختبار الحقيقة.
وفي النهاية، فإن قوة المؤسسات لا تقاس فقط بقدرتها على التدخل عندما تثار الشبهات، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الحقيقة كاملة، أياً كانت نتيجتها، مع احترام القانون والقرينة القانونية للبراءة وصون نزاهة الاستحقاقات الانتخابية.





