“الجيل زد” حفر في التاريخ ليعيد كتابة المشهد الفلسطيني

علي سعادة يكتب:
أحد وجه البطولة في معركة غزة الإعلامية وفي معركة الرواية والسرد الفلسطيني كان جيل زد، جيل الشباب في جميع أنحاء العالم، كانوا المحرك وكان الوقود وتحملا في سبيل كشف الحقيقة الكثير من المعاناة.
غزة الكاشفة لكل شيء، أسقطت القناع عن القناع، وأعادت كتابة السرد بأكمله لنحو 76 عاما من الاحتلال والجرائم المتكررة طيلة هذه السنوات العجاف على فلسطين وشعبها وعلى المنطقة العربية بأسرها.
كانت مأساة غزة ومعاناتها حاضرة في وجدان وعقول وقلوب الجيل الشاب في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، الجيل زد، جيل الألفية، الذي لم يتكئ يوما على وسائل الإعلام التقليدية التي أصابها الصدأ والخرف وبعضا من الزهايمر، فكانت له وسائل إعلامه الخاصة به، إذ يكفي أن يلمس هاتفه الذكي أو جاهز الكمبيوتر المحمول أو أية وسيلة تقنية حديثة حتى يعرف الحقيقة ويكتشف ماذا يوجد في سلة الأكاذيب، وماذا تخبئ الوحدة الصهيونية 8200 تحت قبعتها من حيل وخدع وعملاء.
وكان مشهدا ولا في الخيال أن تتحول الجامعات في الولايات المتحدة الأمريكية إلى ساحة لدعم ومساندة فلسطين وإلى ترديد شعارات كانت يوما ما من المحرمات في الغرب، يدفع قائلها ثمنا باهظا بسببها.
طلاب يغلقون مداخل كلياتهم بالمقاعد والطاولات الخشبية لمنع دخول رجال الشرطة، يحمون زملائهم بالتصدي لرجال الأمن الذين يقتحمون حرم جامعاتهم، فيما يهتف أساتذة ومدرسون وأعضاء في هيئة التدريس عبر الميكروفونات بعدم قمع الحريات الجامعية والاستماع لصوت فلسطين حرة.
جامعات عريقة ومرموقة مثل: كولومبيا، معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ييل، هارفارد، ايميرسون، كاليفورنيا الجنوبية، كارولينا الشمالية، ميتشغان، جامعة بوليتكنيك كاليفورنيا، ستانفورد، نيويورك، وغيرها دخلت على خط الاحتجاج.
كانت انتفاضة الجامعات التي قادها طلاب من أعراق وقوميات وأصول مختلفة، وديانات متنوعة، وجزء كبير منهم كان من الشباب اليهودي الذي لا يؤمن بالأساطير الصهيونية، تاريخ جديد كتب بالدماء والدموع بعد أن فتحت غزة عيون العالم على حقيقة هذا الكيان العنصري المارق والمنبوذ، تاريخ يعيد صياغة مفردات هذا الجيل ويفتح عينيه على الحقيقة دون خداع أو حيل، تاريخ لا تكتبه “سي أن أن ” و”بي بي سي” و “فوكس نيوز” وغيرها من الإعلام التقليدي، وإنما منصات التواصل، يعتمدون على أنفسهم، والأهم أنهم فقدوا ثقتهم بقياداتهم وبنخبهم السياسية التي باتت لعبة بيد لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك).
لا شيء يرعب الحكومات مثل جيل الشباب، جيل الثورة الرقمية، جيل يبحث عن الحقيقة ويحفر للوصول إليها، جيل لا ترهبه التهم المعلبة والجاهزة مثل “معاداة السامية” و”الإرهاب”، ولا يصدق خرافة “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” لأنه لا دفاع لقوة محتلة.
ما أثار ذعر الدولة العميقة في أمريكا وأوروبا هو المخاوف من أن يتحول وعي هؤلاء الطلاب والشباب إلى وعي مجتمعي وضمير يرمز لعالم ما بعد غزة، حيث أفاق العالم على أنه سيكون أكثر أمنا في حال تم تفكيك هذا الكيان المصطنع في فلسطين المحتلة.
السرد أو الرواية الصهيونية تتهاوى تحت ضربات جيل زد، وسقطت “الحصانة” التي تمتعت بها قبل 76 عاما بدعم من الحكومات الغربية، جيل رفض الوقوع تحت تأثير الرواية المصطنعة والمصنعة، حول “الضحية الوحيدة” في العالم التي وقف وراء تسويقها مؤسسات إعلامية غربية ضخمة، و”لوبيات” صهيونية في جميع أنحاء العالم، ومراكز أبحاث ودراسات، ومؤرخون موجهون، وهوليوود بسحرها ونفوذها وبذخها، ونخب سياسية مائعة باعت ذمتها وضميرها بحفنة من الدولارات.
وبدأ العالم يسأل ماذا كان قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ولماذا أصلا حدث الطوفان؟!
اعتمد جيل زد على نفسه، ويحدد الديمغرافيون فترة ميلاد أبناء هذا الجيل بين منتصف التسعينيات وحتى منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وأبرز ما يميز هذا الجيل هو استخدامه الواسع للإنترنت من سن مبكرة.
أبناء الجيل زد عادة ما يكونون متكيفين مع التكنولوجيا، والتفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي بطريقة تشكل جزءا كبيرا من حياتهم الاجتماعية ومداركهم ووعيهم، وهو جيل الجامعات والمنظمات الشبابية وقنوات الفيديو والبودكاست والبث المباشر غيرها.
وأخذ هذا المواطن العالمي الرقمي الذي يعيش حياة إلكترونية كاملة، في استغلال جميع المنصات الاجتماعية لإيصال الصور والأخبار والفيديوهات حول جرائم الاحتلال في غزة إلى جميع أنحاء العالم، فانقلب السحر على الساحر.
هذا الجيل سيكون هو من يقود العالم في السنوات القادمة، إذ رغم معاناته مع الدولة العميقة ومؤسسات الدولة وأجهزتها وعمليات “الشيطنة” التي تشن ضده، والفصل من الدراسة والطرد من العمل وحرمانهم من التوظيف مستقبلا، بالإضافة على الاعتقال والسجن والتعذيب كما رأينا في بعض المظاهرات، رغم كل ذلك بقي صامدا لم يغادر مربع الاحتجاج من أجل وقف الإبادة الجماعية في غزة وتقديم القتلة إلى المحاكم، فقد حان وقت العقاب والقبض على المجرمين ينالوا عقابهم..وهذا اليوم بات قريبا.





