“فوضى” … تفتتح الدورة العاشرة من مهرجان مسرح الرواد بخريبكة.

بقلم: رشيد بلفقيه
في افتتاح الدورة العاشرة لمسرح الرواد بخريبكة، قدمت فرقة المسرحيين المتحدين العرض المسرحي “فوضى” من إخراج مريم الزعيمي، وتأليف أحمد السبياع، وسينوغرافيا أسماء هموش، وساعد في إخراجها ع. الفتاح عشيق، وشارك فيها كل من أمين ناسور، وأشرف مسياح، وسارة مروك، وذكرى بنويس.
قدم العرض، من خلال الاشتغال على الفوضى التي تسللت إلى علاقات زوجية معينة وعبثت بها، موقفا منتقدا لما آلت إليه العلاقات الإنسانية في أنماط الحياة المعاصرة، وأدان من خلال هذا الاشتغال تشوه العلاقة الزوجية المقدمة في العرض، وأدان من خلالها التشوه العام للعلاقات المجتمعية عموما.
وسلط العرض الضوء كذلك على الآثار السيئة للتنشئة الاجتماعية، الممارسة على الأفراد من طرف مؤسسات مجتمعية مختلة غالبا.
وبالرغم من الفوضى الظاهرة التي تهيمن على عناصر العرض المسرحي، وعلى الفضاءات التي تتحرك فيها شخصياته وعوالمها، والتي تعد المتلقي منذ العنوان الصريح بعلاقات عبثية، إلا أن تلك الفوضى تقدم نفسها بوصفها البديل الملائم للنظام المجتمعي المتآكل في زمننا المعاصر، الذي اهترأت مؤسساته التقليدية ومن ضمنها مؤسسة الزواج، وبوصف تلك الفوضى نمطا جديدا للحياة، بل بوصفها ذلك الترتيب الذي لم يفهم بعد، حسب جان جينيه.
الفوضى شرط وجودي لاجتراح نظام جديد من رماد آخر قديم، ألم يقل نيتشه يوما إننا يجب أن نحمل في دواخلنا فوضى ما، كي نلد نجما راقصا!
الفوضى انعكاس دقيق لطبائع شخصيات العرض ومواقفها، العالقة بين المثالية المطلقة والانتهازية الشرسة والمادية الخالصة، والفوضى في هذا العرض نقيض ذكي ومنقذ من السقوط في العبث المطلق، والألم الذي لا يطاق، كما أنها تعبير فني بليغ عن التشابك الذي يسم مسارات تلك الشخصيات ويقودها إلى الصراع والسقوط في اليأس فالخيانة، عوض التجاور والتساكن، هي التي ألقي بها في العرض مكتملة عِلّاتها، ناضجة أعطابها، جاهزة لذلك الصراع المميت، دفاعا عن نفسها بل وعن عقد الذنب المستحكمة في لا وعيها، كما يلقى بالأخشاب في النار لتزيد من اشتعالها، دون أن تُمنح فرصا للتخلص من ورطتها.
ظلت الشخصيات طيلة العرض، أنانية، مفرطة في رعاية مصالحها، غير مستعدة للتخلي عن أجزاء منها تخلٍّ تام وصادق لتحقق الانسجام والتساكن المفقودين.
أو هي ببعض التعاطف شخصيات سيزيفية، مرهقة، تحمل أوزارا لا تدرك من ألقى بها على كاهلها، محكوم عليها أن تظل معتقلة عالقة في عوالمها، بإرادتها أو رغما عنها، لتكون بذلك شخصيات مركبة، ومبنية بناء نفسيا عسيرا، ومعقدة رغم البساطة التي تبدو عليها، ومُتعِبة ولاشك لمن تقمصوها.
طيلة العرض كنت أهمس لنفسي أن تلك الشخصيات قد حددت مصائرها، وحسمت حتى قبل أن تولد، تلك المصائر التي كانت بيد من خلقوها ومن جاؤوا بها إلى هذا العالم، الذين شكلهم آباؤهم أيضا، والذين أنتجهم بدورهم فكر أسلاف متصل لا ينقطع …
بالرغم من الفوضى المهيمنة على بقية عناصر العرض أيضا، إلا أنها تواطأت بشكل أو بآخر على التماهي والتصالح مع لا انسجامها المطبق، مصرة على جعل اللاشيء محورا لصراعاتها، إذ لاشيء أكثر واقعية من اللاشيء كما قال بيكيت.
تداخل زمن القصتين المعروضتين بشكل متزامن على الخشبة، تشابههما تقريبا، تواصلهما الحذر على مستوى مشاعر الشخصيات، والموسيقى، وسماعات الهاتف التي توحي بأنها ستمطر الخشبة اتصالات لا تنقطع، ومع ذلك يظل التواصل بين شخصيات العرض منقطعا، وأنماط التوتر المهيمنة على شخصيات القصتين، لحظات السقوط، ولحيظات ترميم الأعطاب وتوهج الحب المقدس، وتكامل الإنارة في العديد من المشاهد، ولغة الحوار المفرطة في الحساسية، المعبر عن تمرد شخصي داخل التمرد العام لمسار الأحداث … إلخ، كلها تفاصيل دقيقة تجعل العرض رغم تشظيه، عرضا منسجما، يدين تردي العلاقات الإنسانية، بعد أن ينقلها ويقوم بتشريحها على الركح.
في ختام العرض تفتح إحدى شخصيات العرض الأسئلة متحدية توقعات الجمهور، وتعلن أن الفوضى وإن كانت حالة خاصة ميزت العرض، فإنها حالة مرضية قابلة للانتشار بين الجميع.
فإلى متى ؟
يسدل الستار، ويظل صدى الأسئلة المطروحة قبيل اختتامه يتردد، تلك الأسئلة التي لا تعدو كونها سؤالا واحدا متشظيا إلى أسئلة متجاورة، ليرافق المتلقي إلى الخارج، لعله يعيد تلمس طريقه نحو فوضاه الخاصة، نحو فوضانا الخاصة.






