24 ساعةأحزابالواجهةعالم السياسة

عبد الإله ابن كيران… حين يتحول التواصل السياسي مع الصحافة إلى ثقافة ومسؤولية

بقلم الصحفي خطوط النواصر

في المشهد السياسي المغربي، حيث تتقاطع المسؤولية الحزبية مع انتظارات المجتمع، تظل علاقة السياسي بالصحافة واحدة من أهم الواجهات التي تكشف طبيعة الحضور السياسي وقدرته على الإنصات والتفاعل وتحمل أسئلة الرأي العام.

وفي هذا السياق، يبرز اسم السيد عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، باعتباره أحد أكثر الوجوه الحزبية حضوراً في التواصل المباشر مع وسائل الإعلام، وهي سمة جعلت اسمه حاضراً باستمرار في النقاش العمومي المغربي.

ابن كيران لا ينتمي إلى مدرسة سياسية تكتفي بالبيانات المكتوبة أو بالرسائل الموجهة عبر القنوات الرسمية، بل اختار، خلال مساره السياسي، أسلوباً يقوم بدرجة كبيرة على الحضور المباشر والحديث إلى الصحافة والتفاعل مع أسئلتها، بما في ذلك الأسئلة التي قد تكون محرجة أو تحمل قدراً كبيراً من النقد.

ومن زاوية مهنية، فإن الصحفي حين يبحث عن موقف سياسي لا يبحث فقط عن تصريح جاهز، بل يبحث عن المسؤول القادر على الإجابة، وتفسير المواقف، وتحمل تبعات الكلام أمام الرأي العام.

ومن هنا تأتي أهمية الملاحظة التي يرددها عدد من المهنيين في الحقل الإعلامي: أن ابن كيران، عندما تتصل به الصحافة، يكون معروفاً بسرعة التفاعل معها، وإذا تعذر عليه الرد في اللحظة نفسها، فقد يبادر إلى التواصل لاحقاً، وهو ما يعكس، في نظر مؤيديه، ثقافة سياسية تعتبر الإعلام فضاءً أساسياً للتواصل مع المواطنين.

وبالمقابل، فإن جزءاً من المشهد الحزبي المغربي ما زال يحتاج إلى تطوير آليات التواصل مع الصحافة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالوصول إلى الأمناء العامين والمسؤولين السياسيين والفاعلين المحليين فعدم الرد على اتصالات الصحفيين أو ترك الأسئلة دون جواب قد يخلق فراغاً معلوماتياً، والفراغ في الإعلام لا يخدم لا السياسي ولا الصحفي ولا المواطن.

إن قوة الحزب السياسي لا تُقاس فقط بعدد مقاعده أو حجم تنظيمه وإنما أيضاً بقدرته على التواصل مع المجتمع، وشرح مواقفه والإنصات إلى الأسئلة التي تطرحها الصحافة باعتبارها إحدى الوسائل الأساسية لنقل انشغالات المواطنين.

لقد استطاع عبد الإله ابن كيران، عبر سنوات من العمل السياسي والحكومي والحزبي أن يبني لنفسه أسلوباً خاصاً في التواصل؛ أسلوباً يعتمد على الحضور، والصراحة، وسرعة التفاعل، والقدرة على تحويل التصريح السياسي إلى مادة للنقاش العمومي.

وقد يختلف المغاربة حول مواقفه السياسية، وقد تتباين الآراء حول خطابه وطريقته في إدارة النقاش، لكن الاختلاف السياسي لا يلغي حقيقة أن السياسي الذي يقبل مواجهة الأسئلة يساهم في خلق نقاش عمومي أكثر وضوحاً.

فالصحافة لا تحتاج دائماً إلى سياسي يتفق معها وإنما تحتاج إلى سياسي يجيبها.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للتواصل السياسي: أن يكون المسؤول مستعداً لأن يسمع السؤال قبل أن يقدم الجواب، وأن يدرك أن الصحفي لا يمثل نفسه فقط، بل يحمل معه أسئلة المجتمع، وانشغالات المواطن، وانتظارات الرأي العام.

إن المغرب بما راكمه من تجربة سياسية ومؤسساتية، يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى ترسيخ ثقافة تواصل حزبي راقٍ تكون فيها أبواب المسؤولين مفتوحة أمام الصحافة، وتكون فيها الإجابة عن السؤال الإعلامي جزءاً من المسؤولية السياسية، لا عبئاً عليها.

وفي هذا الإطار، يبقى عبد الإله ابن كيران نموذجاً لسياسي جعل من التواصل المباشر جزءاً من هويته السياسية والإعلامية وحافظ على حضوره في النقاش العمومي سواء عندما كان رئيساً للحكومة أو أميناً عاماً لحزب العدالة والتنمية أو فاعلاً سياسياً معارضاً.

إن التاريخ السياسي لا يصنعه السياسيون بخطبهم فقط، وإنما أيضاً بطريقة تعاملهم مع الأسئلة، ومع النقد، ومع الصحافة، ومع المواطن.

ولذلك، فإن الفرق بين سياسي يختار الصمت وسياسي يختار الإجابة قد يبدو بسيطاً في لحظة الاتصال، لكنه في العمق يعكس فلسفتين مختلفتين في فهم المسؤولية العامة.

فالسياسة في أرقى معانيها ليست فقط تدبيراً للسلطة، وإنما ثقافة إنصات وتواصل ومسؤولية أمام الشعب.

ومن هذه الزاوية، فإن تجربة عبد الإله ابن كيران في التواصل مع الصحافة تستحق أن تُقرأ باعتبارها جزءاً من ظاهرة أوسع في الحياة السياسية المغربية: ظاهرة السياسي الذي يجعل من الإعلام مساحة للمواجهة والنقاش، لا مجرد منصة لعرض المواقف.

وفي زمن تتسارع فيه المعلومة، يصبح المسؤول الذي يجيب، والصحفي الذي يسأل، والمواطن الذي يتابع، أطرافاً ثلاثة في معادلة واحدة عنوانها: الحق في المعرفة، وواجب المسؤولية، واحترام ذكاء الرأي العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى