(الرحلة البرشيدية ) في البحث عن المدينة الفاضلة

بقلم: عبد الكريم برشيد
فاتحة الكلام
يقول الاحتفالي لا احد اصدق من الكاتب نفسه في مجال فهمه لنفسه والتعرف عليها و التعريف بها، ولعل هذا هو ما يمكن ان تمثله السيرة الذاتية، والتي هي بوح و اعتراف و استكشاف، وهي بحث في الذات البرانية عن الذات الجوانية، وهي كشف للأوراق الخفية واامخفية و المنسية، عن قصد او بدون قصد، وذلك في كتابات اي كاتب، وما معنى ان يعزف الكاتب كل العالم وان لا يعرف نفسه.
وزإنني انا الاحتفالي اعرف، بانه لا يمكن معرفة هذه الاحتفالية، بشكل حقيقي، إلا بمعرفة الكاتب الاحتفالي و المفكر الاحتفالي أولا، وهذا ما جسدته في كتب كثيرة، كنت فيها الكاتب موضوع الكتابة، وكنت الحاكي والحكاية، وهذه الكتب هي ( غابة الاشارات) و(اعترافات الحكواتي الجديد) و( عبد الكريم برشيد وخطاب البوح) و(عبد الكريم برشيد الحكواتي الأخير،) و( انا الذي رايت) و( الرحلة البرشيدية)
بالإضافة إلى الحوار المطول الذي انجزه الكاتب الصحفي رشيد عفيف لحساب جريدة ( المساء) المغربية، والذي امتد يوميا، لأكثر من مائة وثمانين حلقة، والذي ما ترك صغيرة ولا كبيرة إلا احصاها، و سال عنها، و سلط الضوء عليها، وربط بين عالم الاحتفالي وعوالم شخصياتهم و افكاىه ومواقفه وحالاته
وفي كل الحوارات التي اجرتها معي الصحف و المجلات المغربية كانت الأسئلة المركزية دائما هي:
(من انت ايها الاحتفالي؟ وهل انت هو انت في كل الحالات والمقامات والمناسبات والسياقات؟ وما الثابت في افكارك وما المتغير والمتجدد فيها؟ ومن اين اتيت؟ واي ارض أنبتتك؟ و أية مدينة انجبتك؟ وهل جئت أنت للمسرح ام جاء إليك؟ وكيف مشيت في دروب الحياة، مشيا على الاقدام ام طاىرا في الهواء؟ وكيف اهتديت الى هذه الاحتفالية؟ تقول هي رؤية و رؤيا، وهذا ما يدفع كل الناس لأن يسالوك، وكيف ترى العالم؟ وباي عين تراه؟ وباي لون؟ بالأبيض والأسود او بكل الوان الطبيعة والوان الكون؟ وهل هذه الاحتفالية هي احتفالية وحدك، ام هي احتفاليتنا كلنا؟ وهل اكتشاف ام هي اختراع ا هي صناعة صناع ؟ وهل هي حلم ام هذيان؟
وهل هذه الاحتفالية اكتشاف ان احتراف؟ وهل هي حلم ام هذيان؟ وهل هي إلهام الجن ام هي رسالة من الغيب؟ وماذا معنى البيان؟ اهي مجرد كتابة على جدار الزمان؟ وكتابة من هي، كتابة كائنات إنسانية ام كتابة التاريخ نفسه؟ وما الشيء الغامض والذي يمكن ان يبينه البيان الاحتفالي؟ وما هي مدرستك في حياتك وفي حياة مسرحك؟ ومن هم شيوخك، في حياتك وحياة فمك و علمك و فكرك؟
واعترف بانني، في كل كتاباتي، لم اقل كل شيء، و أنني لم اطرح كل الأسئلة، وأنني لم اجب على كل الأسئلة، ولقد اصبح من واجبي اليوم ان أقول بان هذا الواقع الجديد يتطلب اسئلة اخرى جديدة، ولعل هذا هو ما يدفعني ويحرضني على ن اعطي لكل يوم جديد أسئلته الجديدة و كتابته الجديدة و ةقضاباه الفكرية الجديدة
ومن اجل ان اعرف نفسي اكثر، ومن اجل ان اعرف طريقي الى حياتي وإلى فلسفتي في الحياة، فقد قمت برحلة استمرت العمر وما بقي من العمر، وهي التي اعطيتها اسم ( الرحلة البرشيدية)
الراوي الواضح والحديث الفصيح:
ويقول نفس هذا الكاتب الاحتفالي وهو يقدم نفسه للقراء في مفتتح رحلته الإفتراضية إلى العوالم الإفتراضية .. يقول ما يلي:
(أبدأ هذه الكتابة وهذا الكلام، بالتحية والسلام، و بالصلاة على خير الأنام، ومن بعد أقول ما يلي:
أنا برشيد الاحتفالي، أقول لكم صباح الخير أو مساء الخير، وأدعوكم إلى مصاحبتي في هذه الرحلة العجيبة..
أنا الاحتفالي المشاغب و المشاكس، لست الأول في أمة الاحتفاليين المجانين، ولا أظنني سوف أكون الأخير، اسمي الشخصي هو عبد الكريم، و العبد هو أنا ولا فخر، والكريم هو رب العالمين ورب الناس أجمعين، أما الذي سماني بهذا الاسم فهو الوالد الحاج المصطفى البكاوي الوكيلي الإدريسي.. وكان في ذهنه ساعة تسميتي صورة المجاهد بن علد الكريم الخطابي)
أبي من مدينة أبركان العامرة، وأمي من مدينة وجدة السعيدة، وجدتي لأمي من فاس الخالدة، أما أنا، ولأن الانتساب إلى مدينة واحدة لا تكفيني، فإنني أقول ما يلي، أنا من كوكب الأرض، وأنا مواطن كوني.. أقول هذا ولا أزيد، وفي كل المدن المغربية والعربية والعالمية لدي جذور تنزل بي إلى أعمق أعماق هذه الأرض، ولدي جذوع صامدة، ولدي فروع متفرعة في الجهات الأربع، ولدي أغصان تتمدد في هذه السماوات العالية جدا..
أمي فاطمة بنت محمد الوالي، وهي وحيدة والديها جدي المرحوم وجدتي المرحومة للا خدوج لحلو..
أنتم جمهوري، وأنتم قرائي، وأنتم رفاقي في رحلتي، وإنني أدعوكم لأن تصحبوني في رحلتي نحو عالمي الذي شيدته بخيالي، وأعليت أسواره بكلماتي وعباراتي، فهل تقبلون؟
أفترض أنكم قلتم نعم، و أنكم قبلتم دعوتي، لأنني لا أرى سببا لرفض دعوتي الكريمة، ولهذا فإنني سوف آخذكم معي إلى كوني وعالمي وإلى مدينتي التي لا تشبهها أية مدينة..
من حقكم أن تختاروا، وأن يكون لكم رأي، وأظنكم قد اخترتم صحبتي، واقتنعتم أن تكونوا معي، والدليل هو أنكم الآن أمامي، تقرأون الكلمات التي كتبت، وتشاهدون المشاهد التي صورت وتصورت، وتتأملون الأفكار التي اقترحت أنا، أو التي اقترحت هي نفسها علي وعليكم وعلى الناس أجمعين..
هما اختياران أساسيان اثنان، أو هما شرطان لابد منهما في أية رحلة، فإما أن نختار الرفيق قبل الطريق، أو أن نختار الطريق قبل الرفيق، فماذا اخترتم أنتم؟ (صمت)
بإمكانكم أن تختاروا الطريق و الرفيق معا، كما أفعل أنا دائما..)
وهذا الاحتفالي، هو المنتمي و اللامنتمي في نفس الآن، وهو ينتمي إلى القيم الإنسانية الخالدة، ولا ينتمي إلى الأصنام و الأوثان التي يمثلها الشيخ و الزعيم و الدجال والداعية والنبي المزبف
ولعل اهم ما يميز الكاتب الاحتفالي المسافر، هو انه متحرك في عالم متحرك، وانه ليس أحادي الانتماء، وليس احادي العين، وليس احادي ااهوية، وليس احادي اللغة، وليس احادي الطريق، وانه الواحد المتعدد، وانه سندباد بحري وأرضي وجوي، وان اسفاره تتم في الزمان وفي اللامكان، و تتم في الزمان وخارج كل الأزمان.
هذا الاحتفالي المسافر هو الذي قال لقرائه، في نفس رحلته البرشيدية ؛
(لقد فضلت أن أخاطبكم هذه المرة بضمير المتكلم، وكان من الممكن أن أختار اسما من الأسماء، وأن أضع على وجهي قناعا من الأقنعة، وأن أخاطبكم من ورائه، ولكنني لم أفعل، لأنني أعرف أنكم ستعرفون اسمي الحقيقي، وبهذا فقد اخترت أن أختصر الطريق إلى قلوبكم و عقولكم، وأن أذهب إليكم عبر الطريق المستقيم، إيمانا مني بأن الخط المستقيم هو أقرب الخطوط بين نقطتين، أليس هذا هو ما يقوله الرياضيون المحترمون؟
هذه المرة لن أقول لكم قال عبد السميع أو الخامسة، أو قال ابن الرومي أو المتنبي، أو قال الحكواتي أو المهرج، أو قال الوالي أو البهلول، أو قال فاوست أو الشيطان، أو قال جحا أو جحجوح، أو قال الحلاج أو ابن رشد.. ولن أحدثكم إلا عني، ولن أحكي لكم إلا عن رحلتي العجيبة في مدينتي الغريبة والعجيبة
رحلتنا اليوم يا رفاقي هي رحلة افتراضية
و سفرنا هو سفر افتراضي
والمدينة التي أدعوكم إليها هي مدينتنا الممكنة، وهي مدينة افتراضية، وكل ما فيها افتراضي أيضا..
ولقد سألتني نفسي وقالت: لماذا تسافر وترحل؟ وبحثا عن أي شيء؟ وهروبا ممن، أو من أي شيء؟
وأقول لنفسي إنني أبحث عن مدينة بحجم مسرح، وأبحث عن مسرح بحجم مدينة، و أبحث عن مدينة بحجم الدنيا، و أبحث عن دنيا أخرى، غير هذه، تكون أرحب و أوسع، وتكون أنبل وأجمل، وتكون أروع وأبدع، وأن تكون أيضا ـ بجمالها و كمالها ـ أهلا لهذا الحب الذي نهديه لها، وأن تكون في مستوى عشقنا المجنون بها..
في هذه الرحلة كثير من الفراغات ومن البياضات، وفيها كثير من لحظات الصمت الغني، والممتلئ، لقد ( اقترفت) هذا الصمت عن قصد وتعمد، لأنني أثق في ذكاء إخوتي و رفاقي القراء و المستمعين والمشاهدين، و لأنني أعرف أن بعض الصمت خير من بعض الكلام، و لأنني أومن بأن خير الصمت ما كان صمتا ناطقا، وأن خير الكلام ما كان كلاما صامتا..
و لأنني أعرف ـ تماما كما تعرفون ـ أن الأحمال الثقيلة تبطئ المشي عادة، وأنها تعطل السير أيضا، فقد سافرت بلا حقائب.. أنظروا .. أو تصوروا، إنه لا شيء معي الآن، لا شيء ولا أحد إلا ظلي المشاكس، والذي هو امتدادي الوهمي على الأرض، والذي اختار أن يكون معي، ولم أختر أن أكون معه، والذي فرض علي فرضا، لحكمة لا أعرفها..، ولا أحد يمكن أن يعرفها.. )
مدينة الأزياء و الأقنعة هل هي مدينة فاضلة؟
هو البحث عن المدينة الفاضلة إذن، حيث يفترض أن يكون الجمال فيها موجودا في النفوس وفي العقول وفي العلاقات الإنسانية السليمة، قبل وجوده في البنايات العالية وفي الواجهات الزجاجية وفي الألوان و الاضواء وفي الأشياء الساحرة و المبهرة، ولقد ظل هذا الإنسان الذي تنتمي إليه، وعبر التاريخ، يسعى باتجاه المدينة الفاضلة، في حلمه و يفظته، ولم يكن يعلم ان هذه المدينة هي ايها تبحث عن الإنسان الفاضل، وتبحث عن المواطن الفاضل
وبخصوص كيف ومتى دخل هذا المسافر الاحتفالي مدينته الافتراضية، يقول لنا ما يلي
(لقد دخلت هذه المدينة يوما، ولم يكن لذلك اليوم اسما، فلا هو الأحد ولا هو الاثنين ولا هو الثلاثاء ولا هو الأربعاء ولا هو الخميس ولا هو الجمعة ولا هو السبت، وأكون شاكرا لكم لو تعطوه اسما أو أسماء من عندكم، فهل تفعلون؟ ( صمت)
أظنني سمعت كلمة نعم.. لقد كنت وحدي في رحلتي، ولم يكن معي إلا ظلي و أفكاري و أحلامي وأوهامي و فضولي المباح.. لقد قلت دخلت، والصحيح أن أقول غير هذا.. أن أقول ـ مثلا ـ بأنني قد أغمضت عيني فوجدتها موجودة، و بأنني قد كلمت نفسي فوجدتها داخل نفسي، و بأنني قد قلبت أوراقي فوجدتها مكتوبة و مرسومة فيها، و بأنني دخلت إلى ما وراء المرآة فوجدتها هناك.. أو وجدتها هنا.. هنا أين؟ لست أدري أين، ربما في اللا أين.. ( صمت)
ولست اليوم في هذه المدينة وحدي، ولا يليق بي أن أكون وحدي، ولا أحد يمكن أن يكون وحده إلا في قبره و موته..
تسألون من معي الآن؟
معي ظلي، وهو رسم ليس له اسم، وليس له عنوان ولا بطاقة تعريف، و إقامته في هذا الوجود هي إقامة غير شرعية، وهجرته إلى عالم الناس، هي أيضا هجرة غير شرعية، وهو يعيش معي بلا أوراق ثبوتية، و يقيم معي في كل البلدان والمدن بدون أوراق الإقامة، وهو يسافر معي بدون جواز سفر، وبدون تأشيرة، وبدون تصريح، فما أسعده أو.. ما أشقاه.. لست أدري ..
ولقد اخترت ظلي ليرافقني في رحلتي، لأنه خفيف و شفاف، ولأنه مخلص ووفي، ولأنه لا يمكن أن يخونني، كما خانني كثير من الأصحاب و الرفاق، و لأنني أعرف أنه لا يمكن أن يتخلى عني، ولا يمكن أن يبيعني لهذا أو لذاك، أو لأية جهة من الجهات، فهو دائما هو، تماما كما هو، لا يمكن أن يغير معطفه أبدا، وهل تعرفون لماذا؟ لأنه لا يرتدي إلا لونه، وهو بلا معطف دائما، وهو بلا قميص وبلا بنطلون، كما أنه لا يمكن أن يغير وجهه ولا قناعه، وذلك لسبب بسيط جدا، وهو أنه بلا وجه أصلا، و الوجوه التي يمكن أن توضع عليها المساحيق و الأصباغ لا تعنيني ولا تلزمني، ولا تقول لي أي شيء.. )
يقول الاحتفالي في مسرحية ( فاوست والأميرة الصلعاء) بان هذا الوجود ما هو إلا كرنفال بسعة الحياة وبسعة التاريخ وبسعة الوجود، وكل جسد في هذا الكرنفال مهيا لأن يرتدي زيا من الأزياء، وكل زي نرتديه هو مجرد عنوان، قد يكون صادقا وقد يكون كاذبا، وكل وجه من الوجوه مهيا لأن يضع قناعا من الأقنعة، وقد يكون هذا ا الوجه او ذاك ـ ومن حيث يدري او لا يدري ،ـ هو نفسه القناع، مما يعني في النهاية ان هذا الذي نسميه وجهنا ما هو إلا قناعزقد يكون قناعا فوق قناع فوق قناع فوق قناع إلى ما لا نهاية، وهذه هي الخلاصة التي انتهى إليها المسافر الاحتفالي في بحثه عن المدينة الفاضلة، ذلك انه كان مطلوبا منه أن يبحث عن الإنسان الفاصل قبل أن يبحث عن المدينة الفاضلة
عن حكاية تحكي نفسها:
وفي كتاب (الرحلة البرشيدية) يأخذنا الاحتفالي المسافر والمخاطر إلى عوالم افتراضية بعيدة وغريبة، ويسافر بنا داخل وجدانه وداخل مخيلته وداخل عقله الظاهر وعقله الباطن معا، وفي فاتحة الكتاب او فاتحة الرحلة يقدم لنا الكاتب صاحب الرحلة، ان من يحكي هذا الحكي ليس هو، وان الكاتب الحقيقي ليس هو، ولهذا يقدم لنا التوضيح التالي:
(أولا، لابد من التوضيح التالي، إن من سيحكي هذا الحكي لكم ليس أنا، ولكنه هو.. وهو غير أنا، وأنا غير هو .. فأنا لست كاتب هذا الكتاب، ولا أنا هو صاحب هذه الرحلة الغريبة والعجيبة، ودوري أنا في هذه االكتابة هو أن أقدم لكم الكاتب الحقيقي ثم أنسحب، ولكم بعد ذلك أن تتصوروا ما سأقول لكم عنه، وأن تفهموه، وأن تتذوقوه، وأن تعيشوا جده وهزله، وأن تتفهموا عقله و جنونه، و واقعه و حلمه، و فكره و جماله)
هو حكي واقعي حينا، وهو حكي ما فوق واقعي او ما وراء واقعي في اغلب الأحيان، والأمر يتعلق برحلة باتجاه المجهول، اما المعلوم القريب، فما اظن انه يحتاج لأن نسافر إليه، فهل يتعلق الأمر بحلم حالم؟ ممكن جدا، وقد يكون سفرا باتجاه الأفكار والمعاني البعيدة جددت.. وفي هذا المعنى يقول الكاتب الذي لم يكتب كلمة
(وفي البدء ـ مرة أخرى ـ أرى من الضروري أن أعطيكم تعريفا أوليا عن هذا الكاتب الرحالة، وأن قول أقول لكم عنه الكلمة التالية:
هو رجل من الناس، ليس من بني الجن ولا من بني الشياطين، رجل من بني الإنسان، هو اليوم في العقد السابع ( الثامن) من عمره، ولقد أدرك هذا العمر بعد نضال مرير مع الأيام والليالي، ومع التماسيح والأشباح، ومع الكائنات الحقيقية والخرافية أيضا، اسمه .. لمن يهمه معرفة اسمه، هو عبد الكريم برشيد، ويمكن أن تلاحظوا بأن هذا الاسم مكتوب بخط مغربي جميل على جبته المغربية، وقبل هذا هو مكتوب على جبهته، ومكتوب في السماء في اللوح المحفوظ، ومكتوب في ضمير الزمن)
ومن بعد هذا التقديم العام، ستعرفون، وستكتشفون عنه أشياء كثيرة جدا، وستعرفون أنه رجل ينتمي إلى وطن من الأوطان، وأن هذا الوطن تسهر فيه الشمس مساء كل يوم، وأنها ـ يوما بعد يوم، وشهرا بعد شهر، وعاما بعد عام، وقرنا بعد قرن ـ تبقى به حتى مطلع الفجر، ولهذا فقد سمينا هذا الوطن باسم المغرب، ولأنه بعيد جدا، فقد سميناه المغرب الأقصى.
صاحب هذه الرحلة ينتمي أيضا إلى كوكب كبير وخطير يسمى الأرض، وستعرفون إن شاء الله أنه يتحدث اللغة العربية مثلكم، وأنه بهذه اللغة يحيا ويعيش، وأنه يحلم بها، ويفكر بها، ويأنه قد كتب بها أجمل ما كتب، وأصدق ما كتب، وأنه قد رسم بها شخصيات من الواقع ومن التاريخ ومن الأسطورة ومن الحكايات ومن الخرافات ومن العوالم الخيالية الممكنة الوجود، وأنه ينوي ـ بعد نهاية الرحلة ـ أن يلقى الله بها)
هذا الكاتب له هواية واحدة، وهذه الهواية هي المسرح، وستعرفون أن هذا المسرح هو كل الوجود، وهو كل الدنيا، وهو كل التاريخ، والمسرح عنده هو اللعب الجاد، وهو الضحك الباكي، وهو المأساة الضاحكة، وهو كل عالمه اللامحدود، وستعرفون أنه يمتهن أم الصناعات، وأن هذه الصناعة الأم هي الحكي والمحاكاة، وهي الاحتفال والفرح، وهي الحلم والسفر، وستعلمون أن هذا الحاكي المحاكي هو مواطن بسيط، مثلي ومثلكم ومثل كل الناس البسطاء، ولكن ما قام به، وما يقوم به، من فعل مركب و دقيق و معقد و عجيب، ليس بسيطا أبدا، ومصيبة هذا الكاتب الرحالة أنه كائن عاقل، وأنه ( يقترف ) التفكير جهرا وعلانية وفي واضحة النهار، إنه يمارس التفكير في زمن التكفير، ومصيبته أيضا أنه يدعو ف للعيد في الزمن المأتمي والجنائزي، وأنه يدعو للتجديد في الزمن الساكن والمحنط، وتلك هي خطاياه التي سيحدثكم عنها بنفسه في ثنايا هذه الرحلة الافتراضية)
كاتب بيته كتب و رفاقه صناع كتب.
وهذا المسافر الاحتفالي، والذي وصل في رحلته إلى أبعد مكان في الأرض ، ووصل إلى أبعد فكرة في عالم الأفكار، ووصل إلى اصدق الحالات و اجملها في وجدانه، هذا الاحتفالي، و لمعلوماتكم الخاصة، لم يغادر بيته من اجل ان يقوم بهذه الرحلة، ولم يغادر مدينته ايضا، ولم يغادر وطنه، والذي هو بيته الذي تسكنه روحه قبل جسده، كما لم يغادر مكتبته، وبذلك فهو لم يبتعد عن رفاقه الكتاب سكان مكتبته، والذين يقتسمون معه الزمان والمكان والفكرة و الحالة والرؤية والرؤيا والحلم بوجود عالم يكون اجمل واكمل، والذين يؤمنون معه بوجود مدينة فاضلة حقيقية، مدينة يسكنها السادة الفضلاء، و يحكمها الشعراء والحكماء
وفي بداية الرحلة، يفترض حكواتي الرحلة وجود من يسأله من القراء، اين هو هذا المسافر الرحالة الآن، ليكون جوابه هو
(وأقول لكم: هو الآن في بيته بمدينة الدار البيضاء، إنه يقف وحده، ولا أحد معه إلا ظله الممدد على الأرض، والذي له نفس حجمه، وله نفس طوله، ولكنه بغير عمق نفسي، وبغير عمق فكري ووجداني وروحي، وبغير جبة مغربية مطرزة، وبغير اسم مكتوب على هذه الجبة، وبغير عيون في وجهه، وبغير وجه في وجهه، وبغير نظارات على عينيه التي لا وجود لها.
هو الآن داخل بقعة ضوء، بقعة باتساع حجمه العادي، ولا أحد يعرف من أين يأتي هذا الضوء، وقد يكون آتيا من مكان ما، أو من اللامكان، وعلم هذا وغير هذا عند الله وحده، هو يزعم بأن هذا الضوء آت من عقله ومن روحه ومن خياله، وقد يكون هذا الضوء ضوء الحقيقة، أو يكون ضوء الجمال أو ضوء الكمال، والمهم هو أنه يقف دائما في الضوء، ويمشي في الضوء، ويفكر في الضوء، ويحلم في الضوء
هو الآن في بيته الغريب والعجيب، وجدران بيته كتب، وسقف بيته كتب، وأثاث بيته كتب، وكل الأشياء حوله كتب، و أغلب أصدقائه و رفاقه من سكان هذه الكتب، وله في رأسه كتب، وله في روحه كتب، وكل هذه الدنيا هي في فكره مجرد كتاب بحجم الدنيا..
إنه يجلس الآن على حزمة كتب، هي وحدها كرسيه، وهي عرشه و سريره، ولكم أن تتصوروه الآن واقفا أمام كومة كبيرة من الكتب ومن المجلات ومن الأوراق المسودة بالحبر المغربي، والمكتوبة بكل الخطوط وبكل الأبجديات الكائنة والممكنة.
هو يأخذ الآن من بين هذه الكتب الكثيرة كتابا واحدا يفتحه ويتأمله، ويقرأه قراءة صامتة، يحرك فيها شفتيه من غير أن يصدر عنه أي صوت، وعلى غلاف هذا الكتاب يمكن أن نقرأ العنوان التالي (الرحلة البرشيدية).







