الواجهةمجتمع

الليلة الأخيرة:

عبد الصمد بن شريف يكتب:
تنويه:هذا النص كتب منذ سنوات .وهو يؤرخ ليوم الإفراج عني في مثل هذا اليوم 7 فبراير 1987 . بعد قضاء عقوبة بالسجن لمدة ثلاث سنوات ،مع مجموعة كبيرة من المناضلات والمناضلين من مختلف الفصائل والمرجعيات بالسجن المدني بوجدة. استحضار هذه المناسبة هو من باب الوفاء للذاكرة ، ولمراحل شكلت جزءا أساسيا من مساراتنا الفردية والجماعية .
الليلة الأخيرة:
كنا أربعة في ذلك الجحر.. حلقنا وجهونا ونظفنا الشعر. داخلتنا شكوك وهاجمتنا أسئلة. هل بالفعل سلخنا ثلاث سنوات في هذه الجزيرة!؟كانت الدهشة تتناثر في ذلك المربع الشاحب والكئيب لتلك الزنزانة ذات اللون الرمادي،و الذي زاده غياب أشعة الشمس خشونة وانكماشا، وأضفى عليه برودة جارحة تصطك منها العظام وإن كانت فولاذية، ويرتجف لها اللحم وإن كان حديديا.
قررنا أن نمضي الليلة في السمر والسهر، والسهر هناك يعني الانخراط في سرد وقائع ومفارقات جحيم جمعنا ردحا من الزمن، تقاسمنا فيه الحلو والمر وعشنا خلاله فصولا من الرعب والترهيب. كنا لا نكف عن الارتماء في أحضان ذكريات صارت تشكل قطعة من حياتنا وجزءا يصعب إلقاؤه جانبا. لكن رغم ذلك الإمعان في الحكي واستحضار ما عشناه، لم نستطع نبش كل اللقطات والصور التي احتلت موقعا في نقطة من نقاط ذاكرتنا. كان هناك من سيظل نزيلا في متاهات الضجر، لذلك كان الإحساس بلذة الولادة الجديدة ناقصا.. مربكا.. ومقترنا بالعبث.
كانت تلك اللحظات محشوة بكل عناصر الاستفزاز واللامعنى. هناك من سيعانق ويضم بحرارة أحبابا وأهلا وأرضا وهواء حرم منهم لفترة طويلة، بينما أفراد من رحلته المسكونة بكل الاحتمالات، سيبقون هناك. وماذا عساه فاعل؟
لم تعرف عينياي طيلة تلك الليلة شيئا إسمه النوم.ولم تعرف حالة إسمها الأرق أو السها.. كنت أغوص في لجة تفكير من نوع خاص أشبه برياضة “اليوغا”.حتى أنني في بعض الأحيان كنت أشك في وجودي، فأتحسس أعضائي لأتأكد أنني موجود فعلا. لأن الإفراط في تلك السباحة المرهقة و المملوءة بالتخمينات والتوقعات والهلوسات، كاد أن يتحول إلى نوع من الخلابة و الجنون.
فأبي الذي كان صوته تهتز له الفرائص، وطلعته التي كان يهابها الجميع، أصبح فريسة تنهبها الأمراض التي لا هوية لها أقعدته الفراش وزرعت في دماغه ألف وهم ،حتى كادت عظامه تخرج من جلده.
ذات يوم جاء ليزورني.. بدا لي نحيلا.. معروقا، عيون مبللة بالدموع.. تراجيع نحيب تناهى إلى سمعي..قصفني لحظتها.. أرداني متوترا ومرتبكا ومهزوما.. فرغم كل المحاولات التي سعيت من خلالها إلى تشجيعه وترويضه على تحمل المواقف الصعبة، إلا أنه كان يزداد من يوم لآخر سقوطا وانهيارا.. كان ينهشه هاجس الموت. إنه سيموت ولن يرى ولده الصغير إلى جنبه.أكثر من هذا، كان يتمنى فقط، أن يضمه إلى صدره ويشم رائحة محنته. إذ ذاك إن جاء الموت فلن يمانع جسمه..
كنت في مأزق حقيقي. وكان الاختيار الوحيد والوجيه أيضا،أن أنسى، أو أتناسى أبي وما آل إليه وضعه الصحي. فمن السجين هو أم أنا؟ أم نحن معا؟ هو سجين جسمه المترع بالعلل والوساوس. وأنا سجين زنزانتي التي سكنتها دون أن تسكنني. وأمي داخلني شك بشأنها.كنت أعتقد أنها فارقت الحياة لأنني لم أراها لمدة تزيد عن سنة.
الرسائل القادمة من المنزل، كانت مطمئنة وتبعث على الارتياح.. لكن من يصدق؟ فالأسوار تحاصرني من كل جهة، والأخبار قد يسهل إخفاؤها برهة من الزمن. ! أتذكر أنني كنت أباغت بعض رفاقي فأبادرهم قائلا: إنني أشك فيما إذا كانت أمي لازالت على قيد الحياة؟ وكعادة أحبتك المنصهرين معك في بوتقة الألم المدمر، يحاولون إبعاد كل الهواجس الموغلة في السوداويةعنك . على أية حال كانت تلك التخمينات تبعثر راحتي وتبدد تركيزي وتفتت توازني .وكنت ألجأ عندئذ إلى السجائر فأدخن بشراهة علني أنفلت من قبضة حيرتي وأنعم ولو لبضع دقائق باستقرار كيفما كانت نسبته وطبيعته،كي أقاوم وحش العدم في أصقاع تغلي بالتقلب والتوتر والشك وردود الفعل المزاجية. هل تغير شيء في بنية العالم؟ مسألة عادية جدا أن يتسع المجال الحضري للمدن وتنهض عمارات شاهقة، وتفتح المقاهي، والمراقص الجديدة… لكن، هي كيف علاقات الناس بعضهم ببعض؟ هل هناك من يفكر في أن أعدادا هائلة تكتوي بنار العذاب؟ هل هناك من يسأل عن أسباب غيابها أو موتها؟ والغياب قد يكون صنو الموت وشقيقه..؟ من مات؟من لازال حيا يرزق؟ من تزوج؟ من.. من..؟أجل، كنت أفكر في هذه الأشياء بجدية ولذة جامحة لا تناظرها إلا قوة الفرح حين ننجو من الموت.
رأيت أوراقك الرمادية المائلة إلى الأخضر يا شجرة الزيتون، وأنت المجاورة لمكان إقامتي، رأيتك تهتزين وترقصين، كان النسيم يداعبك وحلول الصباح يحييك. وكانت ترقص معك دقات قلبي. كنت لي آلة توقيت. فعندما كانت الشمس تداعب أغصانك ،كنت أنتفض وأتلوى لأغادر الفراش. وعندما رأيت انعكاس أشعة الشمس على أوراقك الحزينة صبيحة ولادتي الثانيةقلت :حان موعد سفري ……

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى