إبحار في عوالم بعض تيمات ديوان الشاعرة سعاد الرايس “لوحات الإبحار”.

بوسلهام عميمر:
قراءة في العتبات:
يأتي العنوان على رأسها، باعتباره الواجهة الإعلامية لأي منجز أدبي أو فكري وعلمي. فعادة ما يكون العنوان وسيلة فعالة للإقبال على الكتاب أو الإحجام عنه. أعتقد أن الشاعرة سعاد الرايس توفقت في هندسة عنوان ديوانها دوالا ودلالات “لوحات الإبحار” بما تحيل عليه “لوحات” جمعا، من إشارات فنية وجمالية ودلالية. فالإبحار عادة ما يرتبط بفعل المغامرة والترحال والإقدام لاكتشاف المجهول. إنه عنوان جذاب، بإضافة الإبحار في عوالم مختلفة إلى لوحات هكذا بدون تعريف. عنوان رحب مفتوح على قراءات متعددة. فعند الاطلاع على نصوص ديوانها نجد كل نص بمثابة لوحة فنية، تفننت الشاعرة بكلماتها في رسمها، تدعونا بجمالية لنبحر معها في يم عمقها، مشكلة بحروفها لوحات بديعة. إبحار مرة في عمق ذاتها و التجوال في ثنايا غرز همومها على صهوة مراكب حروفها، ومرة في عمق هموم قومها، ومرة في هموم أمتها الإسلامية، ومرات في عمق رحلتها مع تشكيل ولادة قصائدها. لا تكتبها ليقتصر إشعاعها على ذاتها، بقدر ما تريدها لغيرها بقصد التفاعل معها. بعيدا عن نظرية الفن للفن، فهي تؤكد على ذلك بصريح العبارة في إهدائها أن “كل نص إنما هو رسائل للمتلقي ليتفاعل معها”. حتى إذا انتقلنا إلى خلفية الديوان، نجد ما هو أبلغ وأبدع في انسجام تام مع العنوان في شخص الموج المقصود والمبحرين. بجمالية تُشخْصن الحروف وتؤنسنها وتدعونا لنسارع إلى الاستجابة إلى مأدبتها. تقول “ولما الحروف ،، تدعوكم لولائمها،، لا تتاخروا،، على موائدها،، ولو على بساط الموج،، متعة لكل المبحرين”. فالموائد مستطابة وماتعة. إنه الشوق والاشتياق والحنين، تهون في سبيلها كل المصاعب، حتى لو كانت دونها أمواج عاتية، فإنها تضحى متعة للمبحرين جميعا. وما عساها تكون مأدبتها غير عمق معانيها وجمال صورها وبديع بنائها.
تقول في مقتطف من قصيدة “حياة الموج” “أمواج تدعوني الى الإبحار، فلا أتردد، على إيقاعها تمضي الحروف،، نحو كشوف جديدة،، فلا زالت تجذبني،، عوالم القصيدة،، مثلما في حياتي البعيدة،، أرتاد بحارها،، فأمواجك يا لغتي،، شروط بقاء،، علامات خصب وجمال،، في مياهك العذبة أحيا،، بها، في ربيع كل الأزمنة، تزهر سيرتي، الأمواج حياة،، دعوة للإبحار،، للتجدد باستمرار”، لتؤكد بشاعرية أن لغتها هي بحرها، فضاء حياتها العذب، تجد فيه ذاتها، وأمواجه حياة للتجدد والانبعاث. فالنص دعوة للإبحار في عوالم المعاني الراقية تتشكل من حروف نديات، مدعاة لتذوق لذة الكتابة والإبداع.
قراءة في بعض موضوعات الديوان:
على مر الأزمنة كان للمكان أثره في الإبداع عموما وفي الشعر خاصة حقيقيا أو متخيلا. فعادة ما تتلون الصور الشعرية بطبيعته، جبلا كان أو مدينة أو بادية أو واديا، برا كان أو بحرا، كما في ديوان الشاعرة سعاد الريس “لوحات الإبحار”، فبحكم شاطئية مدينتها، أكيد يصلها صدى هدير موج بحرها، مما جعلها من تقلباته تمتح استعاراتها وكناياتها، يتجاوز ذلك حتى إلى إيقاع نصوصها وموسيقاها الداخلية. فحضور البحر لافت في الديوان من مبتداه إلى منتهاه. فالبحر بالنسبة للشاعرة كما هو عند صادق الرافعي “أنثى تحمل وتلد، إنما تلد المعاني للشعراء، بينما تلد النساء البنات والأبناء، وتلد الأرض النبات والحدائق الغناء”.
فالبحر عادة ملاذ المهمومين، يفرغون على مسامعه همومهم. فبصمته واضحة في كل تجربة إبداعية. إنه كيان فاعل في تشكيل خريطة نصوص هذا الديوان في انسجام تام مع عنوانه. إنه يفتحها على آفاق واسعة. ولقد أضفى البحر على نصوص الديوان جمالية خاصة، عرفت الشاعرة كيف تمتح من قاموسه لتشكل فسيفساء نصوصها. لنتابع معها هذه الصورة من الإبحار، تقول ص15 “وسرعان ما أسعفتني الذاكرة أمام السؤال ،، أبحرت بي في خضم أسرارها”
موضوعات مختلفة تناولتها في ديوانها بفنية شعرية عالية، يمتزج فيها هموم الذات، بهموم الوطن، وبهموم الهوية وبهموم الأمة، تأتي القضية الفلسطينية في مقدمة اهتماماتها، بحوالي خمسة نصوص، أبلغ ما يمكن قراءته بخصوص نكبتها قرابة قرن من الزمان.
إنهم المغاربة على مر التاريخ حضورهم وازن فيها. حتى إنه كان يقال “لم يحج من لم يقدس”. فمن لا يعرف حارة المغاربة و باب المغاربة بالقدس، يعود تاريخه إلى زمن صلاح الدين، لما استنجد بسلطان المغرب إبان الحروب الصليبية، فأمدة بمائتي وتمانين قطعة بحرية من سفن وفنيين وعلماء وعساكر، كان لها دو رها في صد العدوان الصليبي البحري عن المدينة المقدسة.
لم يعرف المغاربة أبدا ما يروجه اليوم بعض المغرضين من أن “تازة قبل غزة”. فالمغاربة حتى وهم يناضلون ضد الاستعمار في الثلاثينيات من القرن الفائت، لم يغب عنهم دعم القضية الفلسطينية. “المناسبة شرط” اليوم و حرب الإبادة كانت على أشدها تقتيلا وتجويعا وتهجيرا، الشاعرة خصتها بنصوص توثق فيها نكبة الفلسطينيين آخرها “طوفان الأقصى” وما ترتب عليه من دمار شامل لم يبق في غزة حجرا على حجر، والقتلى بالآلاف استعمل فيها الكيان الصهيوني مدعوما بأمريكا أشد أنواع الأسلحة الفتاكة. لم تكفه كل أنواع الأسلحة الفتاكة، ليلجأ إلى القتل بالتجويع والتهجير لم يسلم من فتكها شيخا ولا امرأة ولا طفلا ولا رضيعا. تقول في قصيدة “طوفان الأقصى” ص 97 “لا جدوى،، لا طعم للكلام،، أمام تمادي العدوان،، يقصف الابرياء،، يدمر البنيان،، ،، اخوتنا في فلسطين،، بهم تعبث أيدي الطغاة،، لا لا،، كفى عبثا بالشعوب ،، ،، فلسطين عربية،، وطوفان الاقصى ،، فاضت به القلوب” وكدأبها عادة ما تختم قصائدها بالبشرى، تقول “فصبرا وصمودا أيها الابطال،، بعد الموج العالي،، تصفو الاحوال،، وبعد كل ظلم وظلام،، لابد تشرق شمس الحرية،، وينتصر النضال”. إنه السهل الممتنع. وفي قصيدة أخرى بعنوان “يا فلذه لكل العرب”30-27 تذكر فيها بلحظة استهداف الطفل محمد الدرة وهو في حضن والده في مشهد رهيب. تقول ببلاغة نادرة حين جعلت منه ابنا لكل العرب، وفجيعته فجيعة لنا جميعا، لتؤكد أن استشهاده كان بعثا للحياة “لحظة استشهادك أيها الصغير،، كل القلوب،، الى القدس كانت تطير، وورود دمائك تسقط في حضنها،،، انت يا محمد دره،، صرت ابنا لكل العرب،، نشارك فيك اباك المغدور البطل ،،،، فاسكن جناتك قرير العين،،،، يا فلذه لكل العرب ،، وأبشر،، إن دمك الغالي،، ودم كل الشهداء، بنهاية اسرائيل نذير”. وفي قصيدة تالية بعنوان “إلى متى هذا الدمار”54، تتساءل في نهايتها، وقد بلغ العدوان الوحشي على أهل غزة العزل مبلغه “فإلى متى،،،، إلى متى هذا الدمار،، إلى متى هذا الحصار ،، على شعب ينهار”، وفي نص “معك يا قدس”56، تؤكد بعدما تدعو باللطف بفلسطين عموما وبالقدس الشريف مسرى نبينا خصوصا، موجهة سهام نقدها للمواثيق الدولية والمعاهدات التي لا تأبه لها إسرائيل بما أنها محمية أمريكية تقول ” لطفك اللهم،، بفلسطين الحبيبة ،، لطفك بالقدس الشريف،، هو منا ونحن منه، فاللهم،،، لطفك بقداسة القدس،، نرجو لطفك الالهي بفلسطين ،، فاصمدي يا قدس،، صمود الواثقين،، بالنصر القريب،، نحن معك، بكل اصوات العالم متحدين، نساندك،، في حقوقك الشرعية” وعلى هذا المنوال من الدعاء لفلسطين والتأكيد على الوقوف بجانبها والفخر ببطولات أهلها في مواجهتهم لأعتى دول الاستكبار العالمي تقول في قصيدة “أنت رمز الشموخ”ص80 “يا فارسة أبية،، لا تجزعي،، لا تكسري مراياك البهية،، فانت رمز الشموخ،، ورمز الشهامة العربية،، فلا تستسلمي، لا تنهاري، انت أسطورة البطولات،، انت رهان الشهداء”.
الشاعرة بتمكن الماهر من صرة صنعته، استطاعت الإبحار بنا على بساط حروفها في عوالم مختلفة. إنها تحدد شعرا فلسفتها الحياتية من خلال قولها في حب وطنها وبيتها تقول “عشقان كبيران في حياتي ،، عشق وطني وعشق بيتي ،، كلاهما عشق كبير”، وتستدرك بالتذكير بعشقها الإلهي الأكبر، يتجاوز كل الحدود، عشق صوفي عال “عفوك يا خالقي ،، إن عشقاي جاوزا ،، في المساحات قدري ،، وإلى رحابك العليا ،، طارا بي كالطير ،، لكني في ارتفاع ،، أدرك ضعفي وضعف غيري”19.
وبحكم شغفها بالعلم والمعرفة، باعتبار طلبه أرقى ما يمكن الاشتغال به، وأنه لا سبيل لحياة لها معنى بدونه، وأنه لا أمل في أية تنمية بدون الإبحار في محيطاته، كما أنه لا أساس لكتابة بدون قراءة، لم يفتها أن تنوه في ديوانها بالمبحرين في ملكوته، والسابحين في بحره بجمالية عالية، تقول بيقين العارف في ص71 “يشرف العلم من ركب موجه ،، وشهدت لهم الدنيا الإبحار،، ويرفع راياته،، لمن كانوا له المنار ،، ،، فلا غرابة،، أن يشرف العلم من ركبوا موجه” هكذا تؤكد على كرم العلم ولطفه بمن يمتطي صهوة موجه، ويكابد صعابه بتشريفه له ومُجازاته. فالعلماء ورثة الأنبياء. من هنا كانت التفاتتها إليهم بهذا النص الشعري المائز. “من بحرك ،، من مائك العذب ،، ارو أيها الحرف كل الحقول ،، وجدد عطاءك ،، في النفوس والعقول ،، وخلد رموز العلم والأصول”71
تيمات أخرى تناولتها بهذا العمق وبهذا الجمال الفني، و بما أنها ممن عاشت حدث جائحة كورونا ونالت نصيبها من آثارها كما ناله كل من عاشها ألما وحجرا وهلعا. من الصعب أن يدرك رعبها من يقرأ عنها فقط أو يسمع بها. ف “ليس من رأى كمن سمع”. وثقت له دون أن تغفل ما تداولته مجموعة من الوسائط الاجتماعية، مما يتعلق بسببها بين كونها كارثة طبيعية، وبين من اعتبرها مؤامرة من فعل لوبيات “الغاية تبرر الوسيلة”، تطلق الأوبئة وتنتج تطعيمات لها، قيل بشأنها الكثير. لا يهمها غير ما تزود به أرصدتها. من هنا كان على عاتق الشعراء والشواعر باعتبارهم نبض مجتمعاتهم أن يتصدوا لهذه الظواهر شعرا بالتوثيق لها والكشف عن حيثياتها تصريحا أو تلميحا. تقول في قصيدة “زمن العابثين “76-77 تؤكد فيها أن الطبيعة تخشى الفراغ، فانسحاب الشرفاء بطريقة أو بأخرى يملؤوه الثعابين الماكرين بمشاريعهم المدمرة ضدا على الإنسانية جمعاء، في إشارة إلى ما تُدووِل في إبانه، من رغبة البعض للحد من عدد البشر على الكرة الأرضية “تباعا،، تفرغ الساحات الجميلة ،، يرتادها العابثون،، بقدر الانسحاب،، يتراكم العتاب ،، ،، وفي بعدهم والغياب،، تلهو الثعابين،، بالعالم والانسان،، ،، كورونا تخنق الانفاس،، تقض المضاجع،، ،، في تامر علني،، على شروط البقاء” وكدأبها في جل نصوص ديوانها تختمها بالتفاؤل والدعوة للصمود، وأنه بعد الليل البهيم لا بد أن تشرق شمس الحق والعدل فلا يصح إلا الصحيح، تقول “لكن أصواتا بداخلنا،، تبعث النداء،، لتطهير الاجواء،، ضد كل عبث واستهتار”، وتقول أيضا إشارة إلى التفاؤل الذي يطبع نهايات نصوصها ما نجده في نص “قيم العبور” ص96 “فسلام ،، سلام للمبصرين في الضباب ،، للشرفاء ،، للعابرين بسلام ،، بالصمود تهون الصعاب”
ويبقى الشعر كما كل كتابة إبداعية، لا تكفي فيه قوة موضوعاته، ولا حساسية إشاراته الاجتماعية والسياسية على أهميتها وضرورتها، بقدر ما يتطلبه من ماء الإبداع بلغته الانزياحية والانسيابية وتشكيله للصور الشعرية وبتشبيهاته وكناياته واستعاراته وجرس كلماته وتناغم إيقاعاته وغيرها من لوازم الكتابة الشعرية. ديوان الشاعرة سعاد الرايس “لوحات الإبحار”، مفعم بجمال الصور، نعرج على هذا النموذج من باب التمثيل. فمن قصيدة “إلهام” نقتطف هذه اللوحة البديعة ص73 “في مرايا الصفاء ،، من جديد ،، نلهو بعرائس المعاني ،، نزينها ،، نزفها للأحلام ،، على إيقاع نظمك والإلهام”
وفي سياق حديثها عن قصة كتابتها لنصوصها، تؤكد بإنها ليست كأية ولادة. إنها إبحار على إيقاع الموج، إنها ترجمة لأحلام في العلياء بمواقع النسور وليست من سفاسف الأمور، تصافحها الأمواج وتبارك ولادتها تقول ص7 “لحظه الإبحار،، مع سنفونيات الحرف ،، على إيقاع الموج،، ولمع الرؤى والصدف المنثور،،، أحلامي ،، تكون بمواقع النسور،، منها،، تأتيني أسراب الطيور،، ،، تمد لي فوق المياه الجسور،،، أثناءها،، تشهد كلماتي ولادتها،، ،، تصافحها الامواج،، لتبارك ميلادها،، حلولها بمركبي،، وهو يرسو،، على شاطئ قصيدة جديدة”. ولنا أن نتصور ميلاد نصوص شعرية في هذه الأجواء البحرية، من أمواج ومراكب وشواطئ و هي ترسو على إيقاع هذه السنفونيات، مستوية على عودها آتية من علياء مواقع النسور. فكل قصيدة هي عندها رحلة إبحار. وفي سياق الكتابة أيضا بمهارة المتمكن من ناصية صنعته الإبداعية، في نص واحد تحيط بكل حيثياتها وتقرنها بألم الولادة، بتعبير غاية في البلاغة والجمال في ص12 “تعبر الخطوط السوداء ،، وتضع جنينها ،، على فراش المداد ،، كذلك تنبثق أنوار الكلمات ،، رغم المسافات ،، بين البياض والسواد ،، بنورها تخترق الظلام ،، وتقطع المسافات”. فقد شكلت كتابة الشعر حيزا كبيرا في الديوان، علما فليس من اليسير الكتابة عن الشعر بالشعر وللشعر، في ص62، تقول “لذلك هي المعاني ،، تحلق بنا في الأعالي ،، حين تدور بنا ،، في فلك الكواكب والنجوم ،، تطير بنا إلى مواقعها” أكثر من نص تناولت فيه قضية الكتابة الشعرية غير ما سبق (ساحات المعاني، كلمات فاتحة، عود رواء، صداقة حروف) تقول في ص 100 مثلا “اطرق باب المعنى،، أيها الحرف العنيد،، انفض عن عتباته،، غبار الأنين،، عد إلى ساحاتك الفسيحة،، امتط صهواتك،، وطر بأحلامك،، الى حيث تريد”، وفي نص آخر تَقرِن الحروف بالغيث 102 “هي إمدادات،،، بدونها ننتهي الى الذبول،،، مشاتل الحروف، هي الاخرى تظل ظمأى،، ما لم تروها عيون المعاني،،، لتزهر الشتائل ،، وتنتعش السطور” فتلتحم الحروف بالشتائل لترسم لوحة بديعة فكما الشتائل تنتعش بما في الغيوم من مزن، تنتعش السطور بعيون المعاني. لتبلغ الذروة فتجعل للحروف ماء تحيى بها النفوس ويعود إليها ورد الخدود، تقول “وحده ماء الحرف ،، ينتشلها ،، ويطفو بها إلى صفحات الوجود ،، لإيقاعه وحده ،، تحيا النفس بعد الخمود ،، ويعود إليها ورد الخدود”60 وعن الشعر تقول أيضا في “قصيدة ربيع أدبي” ص35، “لا تكتمي بهجتك ،، يا قصيدتي الخجول ،، واحتفلي كالأزهار ،، والألوان والأطيار ،، بعيد الفصول ،،،، فلتنتعشي قصائدي ،، بالفصل الجميل” ولولعها بالحرف جعلت للكلمات سماء تمطر، وأرض تستبشر، وحروف تخضر ممتزجة بالأحلام فتنثر عطرا وعبيرا، نقتطف من قصيدتها “أيتها الكلمات” ص50 بعض دررها الوارفات “من سمائك ،، أمطريني أيتها الكلمات،، أبشري أرض الحنين،، بوعود السنين،،،، من غمامك الصافي،، لتخضر الحروف،، لتفرح المعاني،، بوقع الهطول،، لتبرعم خواطري،، بين السطور،،،، أمطريني من سمائك ايتها الكلمات،، وارفقي،، ،، امتزجي بكل أحلامي،، وانثري عطري في الاثير،، لأوقع هويتي،، بختم العبير،، على جناحك السفير”
ونختم بأجمل ما قالت في هذا السياق تبين فيه هيامها بالحروف “شروق فريد”، في ص40″تظل أوراقي،، رغم بياضها،، في ليل صقيع مديد،، قبل أن تشرق بأفقها ،، ضياء معنى جديد،، ذاك شوقي،، شوق المتيمين،، بالكلم الجميل”. وأكثر من ذلك تقول في قصيدة “لمع خيوط” ص86 ” فإن لمعن في خواطركم ،، بعض هذه الكلمات ،، فهي من تلك السنابل ،، إحدى الحبات ،، نرويها جميعا بماء الحرف ،، ورحيق الوجدان”
وفي ص20-21 ولأن الشاعر أو الشاعرة نبض مجتمعه، لم يفتها أن تحتج وتتأسف على استفحال ظاهرة هجرة شبابنا بحثا عن فضاءات أخرى، منسوب الكرامة فيها وافر. عبرت عليه بشاعرية ب”ماء الحياة”. فبدل حرص وطنهم للاستفادة منهم في رفعته وتقدمه، يهملهم ليتلقفهم الغير يستفيد من عبق علمهم، تقول “في المطارات ،، وفي شواطئ الإبحار ،، أراك ذاهلة أيتها الأفكار ،، حائرة أمام الأسفار ،، أمام فتية صغار ،، عازمين على الترحال،، يبحثون عن ماء الحياة ،، ،، محتجة على الرحيل والإقصاء ،، فوا أسفاه ،، تتفتح أزهارنا ،، ويذهب عطرها للغرباء ،، بينما تزهد فيها البلاد”. دون أن يمنعها من استحضار مجموعة من الظواهر الطبيعية لتدبيج قصائدها نسجت منها عدد من خيوط نصوصها كالعيون والمشاتل والرواء والشروق والغيوم والبوارق والارتواء تعكس حياة المعاني كما حياة النباتات في قصيدتها “وعود رواء” ص102.
وقبل الختم، لا بد من التنويه إلى تيمة لها حظوتها الكبيرة، ومكانتها بين بقية التيمات في ديوان الشاعرة “لوحات الإبحار”، باعتبارها الخيط الناظم لكل نصوصه، ويتعلق الأمر باللغة العربية عشقها الأبدي، أعلنت عنه في أكثر من قصيدة، أجمل ما يمكن قراءته بخصوصها، تذكر برائعة حافظ إبراهيم التي مطلعها:
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي وناديت قومي فاحتسبت حياتي
إلى أن يقول في بيته الشهير
أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟
تقول في إحدى دررها بعنوان “من أجلك” ص 31 “من جداولك العذبة يا لغتي،، أرتوي باستمرار،، لندائك ،، أترك زوايا الانتظار ،، وأبحث،، لمرافق شعري عن منار” إلى أن تقول في آخرها “ومن اجلك،، يا سيدة اللغات،، أرفع صوتي بافتخار،، أمينة على حروفك الأبرار،، ،، ،، أرتمي في حضنك المدرار،، لك،، أعلن وفائي،، وأتوجك في الوجود،، اشرف اللغات”، كل ذلك انسجاما مع ما ورد في إهدائها إذ جعلتها ضمن من أهدت إليهم ديوانها هذا، بقولها “كما أهدي هذا الديوان كذلك إلى لغتي الأم لغتي العربية التي منها استلهمت أسمى المعاني وبلاغة التعبير”. ومن روائعها أيضا في ديوانها هذا قصيدتها “من فيض النبع المحمدي” ص64 في مدح خير البرية، مستحضرة هديه الشريف وبعض شمائله المحمدية “إلى مشارف نبعك الصافي،، يا خير نبي،، أسعى مع الواردين،،، عساني، أروي بعض ظمئي،، من هديك الشافي،، وعند عتباتك الشريفة أجثو،، أستجدي يواقيت المعاني،، لأستلهم أجمل بياني،،،، وكم ،، تطرب المياه جذلا،، رقراقة في خاطري،،،، منها تنبجس الحروف دررا،، لألاءة بأنوار النبي،، فخري بلمع البوارق في ذكر النبي،، في ورود النبع المحمدي،، ،، فكيف لا أنضم الى الواردين، إلى نبع النبي ،، لأنهل من سيرة الهادي،، وأستلهم مددي؟”.
أؤكد في الختام أن ديوان “لوحات الإبحار” للشاعرة سعاد الرايس لغنى مضامين نصوصه وجمال مبانيها، فإنه يحتاج إلى أكثر من مقاربة من زوايا متعددة، و بوجهات نظر مختلفة، من شأنها الكشف أكثر عما بين سطوره وما خلفها.




