الارتزاق الموسمي… عندما يتحول موسم مولاي عبد الله إلى غنيمة للانتهازيين

موسم مولاي عبد الله بين التقاليد المنسية واحتكار الواجهة
في زمن تُفترض فيه المواسم والمهرجانات التراثية، مثل موسم مولاي عبد الله أمغار، أن تكون لحظات روحانية وثقافية تحتفي بالهوية، وتعيد الوصل مع الذاكرة الجماعية، تحوّل بعضها إلى مطية للارتزاق، ومنصة لبعض الانتهازيين لاقتناص فرص التكسب والاستفادة الريعية تحت عباءة “التراث” و”التنظيم“.
تحوّل الموسم، في بعض زواياه، من فضاء للفرجة والتعبير الشعبي الأصيل إلى ساحة تُقسم فيها “الكعكة” بين أصحاب المصالح، وتُقصى منها الطاقات الصادقة والمبادرات الجادة التي لا تعرف فن التملق ولا تجيد لغة “الجيوب المفتوحة“.
إن أخطر ما يُفرغ المواسم من مضمونها الروحي والثقافي هو تسلل سماسرة العمل الموسمي، أولئك الذين لا نراهم طيلة العام، وفجأة يظهرون مع قرب الموسم: يُكوّنون “جمعيات” وهمية، ينسجون علاقات مصلحية، يوزعون الولاءات، ويقتاتون على حساب ذاكرة جماعية صنعها الأجداد بعرقهم وإيمانهم.
هؤلاء لا يعنيهم الموروث ولا الطابع الديني أو الاجتماعي للموسم، بل كل ما يهمهم هو “من يدفع؟”، و”من يُدر الربح؟”، و”أين توجد فرص التمويل؟”. همهم الأكبر الظهور في الصور، وركوب المنصات، والاصطفاف خلف المسؤولين لأجل لقطة أو لايف.
لقد شاهدنا كيف يُقصى الفاعلون الحقيقيون من فضاء الموسم، وكيف تُدار الأمور بالولاءات بدل الكفاءات، وبالقرابة بدل الكفاءة. حتى الفنون التقليدية كـ”التبوريدة”، و”المديح”، و”الحلقة”، لم تسلم من عبثهم… إذ باتت تُستغل لجني المال، لا لإحياء الذاكرة أو ترسيخ الانتماء.
تخيل أن أحدهم يكتب باسم شيخ أو فارس أو فنان في طلب دعم، ثم يطلب منه مقابلا ماديا: “أدفع لأخدمك”. إنها قمة الابتزاز والانحدار الأخلاقي! إنهم يتاجرون بسمعة أشخاص بسطاء، ويبيعون القيم باسم “خدمة التراث“.
بل إن بعضهم لا يتردد في الإساءة لموسم مولاي عبد الله أمغار من حيث لا يدري، عندما يحوله إلى “بازار” للريع والتسويق الشخصي، لا إلى لحظة رمزية تُحيي تاريخ “أمغار” وتجمع قبائل المنطقة في ساحة فروسية، أو حضرة، أو دعاء جماعي يليق بالمقام.
الأسوأ أن هؤلاء يهاجمون كل من يقف في وجههم: إن كتبت نقدًا اتهموك بالحقد، وإن اقترحت بديلًا اتهموك بالغيرة، وإن طالبت بالشفافية قالوا إنك تعرقل “العمل الجمعوي الموسمي”… وكأن هذا العمل صار حكرًا عليهم!
لكن دعونا نكون واضحين:
موسم مولاي عبد الله أسمى من أن يُختزل في صفقات ظرفية أو تواطؤات خفية، وأغلى من أن يُباع على الأرصفة. إنه موسم للهوية، للتصوف، للفروسية، للذاكرة، للقبائل، وليس موسما لـ”التسول الجمعوي” ولا “الكاميرا الثقافية“.
الرهان اليوم هو استرجاع هيبة هذه المناسبات، ورد الاعتبار لمن يُعطي ولا يأخذ، لمن يُؤمن بالموروث لا بمن يستنزفه، لمن يعمل بصمت لا لمن يصرخ ليتلقى المقابل….
وسط هذه الفوضى التنظيمية التي تطبع بعض فعاليات موسم مولاي عبد الله أمغار، لا يسعنا إلا أن نُسجل بأسف شديد تغييب فن الملحون عن سهرات هذا الحدث الذي يُفترض أنه مرآة لتراث المنطقة بكل روافده.
هل يُعقل أن تُخصص السهرات الكبرى لأسماء مستوردة من خارج الإقليم – بعضها بلا هوية فنية حقيقية – في حين يُقصى فن الملحون، هذا اللون الأصيل المتجذر في الثقافة المغربية، والذي لطالما صدح من جنبات دكاكين الزاوية والمجالس الروحية المرتبطة بالموسم منذ عقود؟
والأدهى أن إقليم الجديدة يزخر بفنانين كبار في فن الملحون، من بينهم الفنانة المرموقة شيهاء الرداف، ابنة المنطقة، وصاحبة الصوت المميز والحضور البهي، والتي تمثل جيلًا جديدًا يدمج الأصالة بالتجديد، وتكاد تكون واحدة من قلائل يحملن مشعل الملحون النسوي في المغرب.
لكن بدل أن تحتفي بها المنصات، وتُمنح لها ولأمثالها المساحة التي يستحقون، نجد أن الأمور تُدار بمنطق الولاءات الشخصية، والمكالمات الهاتفية، وتوزيع الفُرص حسب خريطة المصالح… وليس حسب الجودة أو الانتماء الفني الأصيل.
كيف نفسر هذا التهميش الممنهج لفن راقٍ مثل الملحون، ولفنانين حقيقيين مثل شيهاء الرداف؟ أليس الأجدر بموسم بحجم “مولاي عبد الله أمغار” أن يُنصف أبناء منطقته، لا أن يُقصيهم في صمت؟
الملحون ليس مجرد غناء؛ إنه وثيقة شفوية لتاريخنا، ومرآة لغنى وجداننا الشعبي، وتغييبه عن سهرات الموسم هو تغييـب لهويتنا ذاتها… فما قيمة موسم بلا ذاكرة؟ بلا صوت يروي الحكاية؟ بلا نَفَسٍ ثقافي أصيل؟
إننا لا نرفض الانفتاح، ولا نناهض التنوع، ولكن نطالب بالعدل والاعتراف، فالمنصات لا يجب أن تكون حكرًا، ولا ذاكرة الموسم يجب أن تُسلخ من عناصرها النابضة.
نقول لهؤلاء: الموسم للجميع، وأولهم أولئك الذين عاشوا في ترابه، وغنوا له، وكتبوا عنه، ورفضوا المتاجرة به.
الموسم ليس لكم، بل لكل من أحب هذا التراث بصدق، وخدمه دون أن يحوله إلى سوق نخاسة. فالموروث لا يُستغل، بل يُصان… والتاريخ لا ينسى من كان أمينًا على الذاكرة، ومن باعها في أول مزاد.





