24 ساعةأخبارالواجهة

​الشرق الأوسط في عين العاصفة: قراءة في جدوى الهدن تحت وطأة الضربات المتبادلة

في خضم التصعيد العسكري المتسارع الذي يشهده الشرق الأوسط، يبرز التساؤل حول الجدوى الحقيقية للهدن المقترحة في وقت تتجاوز فيه الضربات العسكرية الحدود التقليدية لتطال مواقع استراتيجية في عدة دول بالمنطقة. إن مفهوم الهدنة لم يعد يمثل مجرد توقف مؤقت للأعمال العدائية، بل أضحى أداة في صراع الإرادات، حيث يسعى كل طرف إلى إعادة تمكينه ميدانياً وتحسين شروطه التفاوضية. هذا النوع من التهدئة الهشة لا يهدف بالضرورة إلى بناء سلام مستدام، بقدر ما يعمل كصمام أمان لمنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة وخارجة عن السيطرة قد تحرق الأخضر واليابس.

​وعند النظر إلى الجغرافيا السياسية لهذا النزاع، نجد أن استهداف العمق والمراكز الحيوية يفرض معادلة جديدة تُعرف بـ “توازن الردع المتبادل”. فبينما يتم الحديث عن مسارات دبلوماسية، تظل المحركات الحقيقية مرتبطة بمدى قدرة كل طرف على تحمل كلفة الاستنزاف الطويل. الهدنة هنا تصبح “استراحة محارب” تقنية، تُستخدم لإعادة تقييم فاعلية المنظومات الدفاعية وترميم ما دمرته الصواريخ والمسيرات، كما أنها تمنح القوى الدولية فرصة لممارسة ضغوط تمنع انهيار المنظومة الاقتصادية العالمية، خاصة في قطاع الطاقة الذي يظل شديد الحساسية لأي انفجار في ممرات الملاحة الدولية.


​علاوة على ذلك، فإن تشابك الجبهات ووحدة المسارات العسكرية تجعل من الوصول إلى تهدئة شاملة أمراً بالغ التعقيد. فالتصعيد في منطقة ما يرتد صداه فوراً في مناطق أخرى، مما يحول الهدنة إلى جزئيات مشتتة يصعب تجميعها في إطار حل سياسي متكامل. إن غياب الثقة بين الأطراف الفاعلة يجعل من أي اتفاق لوقف إطلاق النار مجرد “تجميد للوضع الراهن” وليس حلاً له، حيث يظل الجميع في حالة استنفار قصوى، مما يفسر سرعة انهيار هذه التوافقات بمجرد حدوث أدنى احتكاك ميداني أو خرق لقواعد الاشتباك المتفق عليها ضمناً.
​وفي نهاية المطاف، يبقى البعد الإنساني هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، إذ تُستخدم الهدن أحياناً كغطاء لتمرير أجندات سياسية تحت ستار المساعدات الإغاثية. وبينما تنشغل مراكز القرار بتحليل موازين القوى وتأثير الضربات الجوية، تظل الشعوب في المنطقة تعيش حالة من الترقب القلق، تدرك معها أن الهدنة الحقيقية لا تُصنع بوقف مؤقت للقصف، بل بتفكيك الأسباب الهيكلية للصراع الذي حول الشرق الأوسط إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. إن استمرار الضربات المتبادلة في ظل الحديث عن التهدئة يعكس حقيقة أن المنطقة تمر بمرحلة مخاض عسير، قد لا تنتهي إلا بصياغة نظام إقليمي جديد يتجاوز منطق القوة الصرفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى