مجرد رأي

بين صرامة القانون وسمو الأخلاق: من يقود العمل الجمعوي؟

ليس العمل الجمعوي مجرد التزام قانوني تؤطره النصوص والظهائر، بل هو قبل ذلك ممارسة أخلاقية تُختبر فيها النوايا وتُقاس بها قيمة الأشخاص. فالقانون يمنح الجمعية وجودها الرسمي، لكن القيم هي التي تمنحها المصداقية والروح.

في زمن تتكاثر فيه الصراعات داخل بعض الجمعيات، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحتاج إلى مزيد من القوانين أم إلى مزيد من الحكمة؟
فالحكيم، كما يُقال، لا وقت لديه للخصومة، لأنه منشغل بالبناء وخدمة الصالح العام، بينما يضيع غيره في نزاعات وهمية حول النفوذ والملكية، ناسياً أن الجمعية ليست غنيمة بل أمانة.

العمل التطوعي، في جوهره، وعد أخلاقي قبل أن يكون صفة قانونية. ومن يقدِم عليه إنما يلتزم بخدمة الأطفال والناشئة والمجتمع، لا بخدمة مصالحه الخاصة. هنا يتجلى الفرق بين من يرى في الجمعية وسيلة، ومن يراها رسالة.

إن ظهير 1958 وغيره من القوانين لم تُوضع لحماية الأشخاص، بل لحماية الأهداف. فالرئيس خادم للمصلحة العامة، والمنشط حامل لقيم تربوية، والمسير الحقيقي هو من يحاسب نفسه قبل أن يحاسب الآخرين.

إن العمل الجمعوي في جوهره ليس مجرد نصوص قانونية جافة أو استمارات إدارية، بل هو مزيج معقد بين الالتزام الحقوقي والاستقامة الأخلاقية. فإذا كان القانون يمنح الجمعية شخصيتها الاعتبارية، فإن قيم “الحكمة” و”الوفاء” هي التي تمنحها روحها وتأثيرها في المجتمع.

إن الجمعيات لا تنهض بكثرة النصوص، بل بندرة الحكماء. أولئك الذين يزاوجون بين احترام القانون ونبل الأخلاق، ويجعلون من العمل الجمعوي فعل وفاء لا ساحة صراع.

فالجمعية الناجحة هي التي يقودها “حكماء” لا يجدون وقتاً للخصومات، و”مسؤولون” يرون في العمل التطوعي وعداً مقدساً ودَيناً واجب السداد. إنها دعوة للعودة إلى جوهر العمل السوسيوثقافي، حيث يلتقي الانضباط القانوني بصدق المشاعر ونبل الغايات.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى