الواجهة

ردا على رواية المحجوب ولد السالك

محمد اقديم يكتب
عودة إلى رواية المحجوب السالك زعيم خط الشهيد في جبهة البوليساريو، والتي يردّّدها الكثيرون، ومفادها أن مجموعة الشباب الصحراوي بقيادة الوالي مصطفى السيّد سبق  لهم أن قاموا ، قبل الاقدام على تأسيس جبهة البوليساريو  و المطالبة بالانفصال و إعلان الحرب على  المغرب، بداية بالاتصال بقيادات سياسية وحزبية مغربية( علال الفاسي – عبد الرحيم بوعبيد- علي يعتة..) طلبا للدعم والتنسيق من أجل تحرير الآقاليم الصحراوية من الاستعمار الاسباني،  و قوبل طلب الاتصال بعدم الاكتراث وعدم اهتمام تلك القيادات الحزبية بمطالب أؤلئك الشبان مما  دفع بهم إلى تأسيس جبهة البوليساريو واللجوء إلى المطالبة بالانفصال وطلب الدعم من ليبيا ثم من الجزائر.
رواية سادَجَة أو”سَدّاجَة”(إن صحّ التعبير بما يعني أنها تَعتَبِرُ المُتَلَقّي سادَجا)، فهي رواية مُغالِطَة للمتلقي، بما فيها من الثغرات، وبما تحمل من المغالطات، وبما تغيّب من الحقائق وبما تُغَطّي عليه من المعطيات ومن الأهداف، التي كانت بالفعل وراء تأسيس البوليساريو المطالبة بالانفصال،ثم الحرب في الصحراء، وهي رواية تريد أن تبين بأن لا أحد سبق البوليساريو إلى العمل على تحرير الصحراء الغربية من الاحتلال الاسباني، وأن الهدف الاول والأساسي لتأسيس البوليساريو هو فقط تحرير الصحراء من الاسبان بداية ثم من المغرب بعد ذلك، ولا يدخل في حسابات منظّريها إسقاط النظام المغربي بالرباط كهدف استراتيجي، من خلال خلق بؤر ثورية في الصحراء والانطلاق منها في حرب تحرير شعبية تشمل المغرب برمته.
وهي أخيرا رواية تسعى إلى تبرير الانفصال أكثر ممّا تريد أن تفسّره، حيث تُخْرِج نشأة مشكل الصحراء من سياقاته الوطنية والدولية والايديولوجية.
و بتفكيكها و وضعها في سياقات الوقائع و التفاعلات السياسية و الايديولوجية التي عرفها المغرب خلال تلك الفترة، يُمكن تفنيذها ونقضها.
فالعمل على تحرير أقاليمنا الصحراوية بالعمل المسلح كان فضل السّبق فيه للزعيم علال الفاسي وحزب الاستقلال الذي عبّر عن الرغبة و وأكدّ على السعي إلى تحرير الأراضي الجنوبية والشرقية للمغرب في ما يسمى ”الكتاب الأبيض لحزب الاستقلال” لسنة 1955، الذي أكد فيه من خلال الوثائق والخرائط على مغربية الأراضي الصحراوية، من نهر السينيغال إلى تيندوف وبشار والساورة بالصحراء الشرقية.
ونفس الرغبة تقريبا قد عبّر عنها الملك محمد الخامس في خطابه التاريخي المعروف بمحاميد الغزلان في 25 فبراير 1958، و بحضور معظم شيوخ وأعيان قبائل الصحراء، حيث أشار إلى ضرورة تحرير الأقاليم الصحراوية(بما فيها موريطانيا والصحراء الغربية والصحراء الشرقية وتيندوف)
كما أن ذلك كان أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت قيادات من جيش التحرير، (محمد بنسعيد أيت إيدر – الفقيه البصري – وابراهيم التيزنيتي..) ترفض حلّ هذا الجيش والالتحاق بالقوات المسلحة الملكية، وهذا ما استجاب له فعلا الملك محمد الخامس، حيث شرعت مجموعات من جيش التحرير(من هذه المجموعات الكثير من الصحراويين) تتجمع في معسكرات بأسني في الاطلس الكبير، جنوب مراكش وفي تيزنيت و بويزاكارن بالاطلس الصغير، وبدأت تتسلّل إلى الأقاليم الصحراوية، بمساعدة واحتضان من طرف القبائل الصحراوية، التي انخرط الكثير من أبناءها في كتائب جيش التحرير، وتجذر الإشارة إلى أن الكثير من هؤلاء الصحراوين المنخرطين في جيش التحرير المغربي هم آباء وأجداد هؤلاء العناصر المؤسّسين لجبهة البوليساريو، وبعضهم التحق فيما بعد سنة 1975 بجبهة البوليساريو وشكلوا النواة الصلبة لما يسمى ب”الجيش الشعبي الصحراوي)”.
وقد نفّذ جيش التحرير المغربي بالجنوب العديد من العمليات المسلحة ضد القوات الاسبانية في السمارة والعيون وبوجذور وطرفاية وسيدي افني، كما نفذ عمليات أخرى ضد القوات الفرنسية في تندوف وفي الشمال الموريطاني، وهذا مادفع بالقوتين الاستعماريتين(اسبانيا وفرنسا) إلى بحث سُبل التنسيق والتعاون بينهما لأول مرّة، لمواجة جيش التحرير المغربي في الجنوب، وهذا ما وقع بالفعل في 10 فبراير عندما تعاونا في أكبر عملية عسكرية سنة 1958، المعروفة بعملية المكنسة(opération ecouvillon)
هذه العملية العسكرية، التي شمل فيها قصف الطيران العسكري الفرنسي والاسباني مدن الداخلة العيون والسمارة وتيندوف وطرفاية وسيدي افني، أي المناطق التي نفّذ فيها جيش تحرير الجنوب عمليات عسكرية ضد الاسبان والفرنسيين، ولذلك عُرفَت تلك السنة ب”عام خبيط الطيايير”، وقد تم القضاء فيها على مجموعات كاملة من جيش تحرير الجنوب، كما قضى فيها الطيران العسكري الاستعماري الاسباني والفرنسي على الكثير من مقاتلي قبائل الصحراء الذين ساندوا مجموعات جيش التحرير، وقد انطلقت هذه العملية في يناير 1958، أي قبيل انسحاب اسبانيا من مدينة طرفاية في 15 أبريل 1958، ففي الوقت الذي كانت في الطيران الفرنسي والاسباني لازال ينفذان عملياتهما الآخيرة ضد ما تبقى من مجموعات جيش التحرير والمقاتلين من قبائل الصحراء، كان الجنيرال أفقير يشرف على عملية تنصيب بوعيدة عاملا على إقليم طرفاية. وهذا ما جعل الكثير من قيادات جيش التحرير و المقاتلين  يتحدثون عن امكانية التواطؤ بين الاسبان والفرنسيين من جهة و بين أطراف من الدولة المغربية الناشئة .
عملية “إكوفيون” سنة 1958م، خلّفت جرحا غائرا في نفوس الناجين منها من عناصر جيش التحرير، وخاصة من ذوي الأصول الصحراوية، وهم الذين سيشكلون النواة الصلبة لما يسمى فيما بعد ”الجيش الشعبي الصحراوي” بعد اندلاع الحرب في الصحراء، وكذلك على الأخص اليتامى من أبناء شهداء هذه العملية، الذين بادر الفقيه البصري وبعض قيادات من جيش التحرير إلى جمعهم ونقلهم وإلحاقهم بعدد من دور الاطفال(الخيريات) في كل من تارودانت بويزاكرن وأكادير ومراكش وعين الشق بالدار البيضاء، حيث تابعوا دراستهم الابتدائية فالثانوية، ثم التحقوا بالجامعة في الرباط مع بداية السبعينيات الماضية، وحيث سيحتضن مُعظمَهم التيار الماركسي اللينيني، الذي كان مهيمنا على الساحة الطلابية أنذاك، وفي مقدمة هؤلاء مؤسس البوليساريو الوالي مصطفى السيد.
وبذلك تضاعف حقدهم على النظام وعلى الدولة المغربيين، وصار مؤدلجا بالماركسية اللينينية ومؤطّرا ضمن الصراع مع الامبريالية ووكلاءها المحليين.
في الوقت الذي كانت في التنظيمات الماركسية اللينينية تبحث على فتح بؤر ثورية في الصحراء لاستنزاف النظام المغربي بها، مما قد يساعدها على إطلاق حرب شعبية بالمغرب.
في هذا السياق انتقلت مجموعات من هؤلاء الطلبة الصحراويون إلى المدن الصحراوية (طان طان – العيون ..) لإعطاء الشرارة لمجموعة من التظاهرات الاحتجاجية ضد الاسبان وضد المغرب.
وقد كان أبراهام السرفاتي القائد المؤسس لتنظيم ” إلى الأمام” قد سبق له أن فكّر، وربّما دبّر كذلك، في تنظيم حرب العصابات ضد النظام الملكي انطلاقا من الصحراء، حسب ما أورده عبد السلام الجّبلي في مذكراته. ”جاءني السرفاتي إلى الجزائر، و عرض علي مؤازرته في تنظيم حرب العصابات ضد النظام المغربي ، مُرْتئيا أن يكون منطلقها من الصحراء، أعرضتُ على فكرته، ونبهته إلى أنّ سكان الصحراء ليسوا مستعدين للخوض في مثل هذه المغامرات. كنتُ صارحتُهُ بذلك، قائلا: ” لم تكُنْ صائبا، في مساندتك للجزائر.“(انظر أوراق من ساحة المقاومة المغربية- ص :199-200).. لقد شكّلت عناصر جيش التحرير النواة العسكرية الصلبة لجبهة البوليساريو ، في الوقت الذي تشكّلت قياداتها السياسية من العناصر الماركسية اللينينية. و هذا ما ستستغلّه الجزائر لتوظّفه ضد المغرب، حيث ستراهن على التيار اليساري الماركسي اللينيني هذه المرة في شخص امتداده في الصحراء و هو جبهة البوليساريو ، حيث ستدعمه بالمال و السلاح، و التخطيط والدبلوماسية.
هذا ما يبين أن فضل السبق والمبادرة إلى العمل على تحرير الأقاليم الصحراوية من الاحتلال الاسباني والفرنسي كذلك ، كان فيه :
– أولا: لحزب الاستقلال(كما أكد على ذلك في كتابه الأبيض) سنة 1955.
– ثانيا: للدولة المغربية(عما عبر عن ذلك الملك محمد الخامس).
– ثالثا: لجيش التحرير المغربي ومن التحق به من رجال قبائل الصحراء، بين سنتي 1957 و1958.
-رابعا: كما كانت الرغبة في خلق بؤر ثورية بالصحراء الغربية المغربية لليسار الجديد الماركسي منذ منتصف الستينيات الماضية(السرفاتي).
وليس لجبهة البوليساريو التي لم تشرع في ذلك إلا انطلاقا من سنة 1973.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى