الواجهة

أزلو محمد يكتب: ظاهرة “التشرميل” في المغرب.. بين القلق المجتمعي وضرورة الإصلاح العميق

لا تكاد تمر أيام قليلة دون أن تثير وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي النقاش حول ظاهرة “التشرميل”، تلك الظاهرة التي أصبحت تشكل هاجسًا متزايدًا للمجتمع المغربي، وأحد أبرز التحديات الأمنية والاجتماعية التي تواجه البلاد. مشاهد العنف في الشوارع، التهديد بالسلاح الأبيض، والاعتداء على المارة، كلها صور تسهم في تعميق شعور المواطنين بانعدام الأمن، وتدفع إلى التساؤل عن جدوى المنظومة العقابية الحالية، وعن السبل الأمثل لمعالجة هذه الظاهرة المتفاقمة.

طرح الدكتور رشيد بنكيران، أستاذ الفقه وأصوله، سؤالًا عميقًا يحمل في طياته همًّا وطنيًا: هل أصبحت العقوبات المطبقة بحق المتورطين في حمل السلاح الأبيض والاعتداء على الآخرين مجرد إجراءات شكلية لا تحقق الردع المطلوب؟ في ظل تصاعد معدلات الجريمة المرتبطة بالتشرميل، يبدو أن الإجابة تميل إلى التأكيد على أن العقوبات الحالية لم تعد كافية. فبدل أن تكون السجون مؤسسات تهذيبية وإصلاحية، أصبحت في نظر البعض محطة عابرة أو “تجربة مثيرة”، تزيد من تحدي الجانحين بدل كبح جماحهم.

إن فلسفة العقوبات، كما يشير بنكيران، تحتاج إلى مراجعة جذرية. فالعقوبة لا ينبغي أن تكون مجرد وسيلة للردع اللحظي، بل يجب أن تحمل في جوهرها أبعادًا إصلاحية تهدف إلى تهذيب السلوك، وإعادة دمج الجانحين داخل المجتمع بطريقة تضمن عدم عودتهم إلى نفس المسار الإجرامي. وهنا تبرز الحاجة إلى التفكير في آليات مبتكرة تتجاوز العقوبة التقليدية، لتشمل برامج تأهيلية حقيقية وفعالة.

من بين الأدوات التي يقترحها بنكيران لتأهيل الجانحين، تمكين الخطاب الديني من دخول المؤسسات السجنية بشكل منظم ومدروس. فالخطاب الديني، إذا ما أُحسن تقديمه من قبل وعاظ ودعاة ذوي خبرة، قادر على مخاطبة العقل والوجدان، وإعادة تشكيل منظومة القيم لدى الجانحين.

يُقترح، في هذا السياق، تخصيص حصتين أسبوعيتين داخل السجون، يشرف عليهما واعظان مختلفان لضمان التنويع في الطرح والاستمرارية في التأطير. هذه الحصص لا تقتصر على تقديم المواعظ الدينية فحسب، بل يمكن أن تتطرق إلى مواضيع تعزز قيم المواطنة، والتعايش، والاحترام المتبادل. فالهدف ليس فقط زرع الخوف من العقوبة الإلهية، بل بناء إنسان جديد يدرك قيمة نفسه ومجتمعه.

إلى جانب الخطاب الديني، لا يمكن إغفال أهمية التأهيل النفسي والاجتماعي. كثير من الجانحين الذين ينخرطون في ظاهرة التشرميل ينتمون إلى فئات اجتماعية هشة، يعانون من التهميش، الفقر، ونقص في التعليم. هذه الظروف تجعلهم عرضة للانحراف، وتؤدي إلى نشوء نزعة عدوانية تدفعهم للبحث عن القوة والهيمنة عبر العنف.

لذلك، من الضروري أن تتضمن برامج الإصلاح داخل السجون جلسات علاج نفسي، وورشات تعليمية وتكوينية تفتح أمام الجانحين آفاقًا جديدة. فالعقوبة وحدها، مهما كانت قاسية، لن تكون كافية لإحداث تغيير حقيقي إذا لم تُدمج مع برامج إعادة التأهيل.

لا يمكن تحميل الدولة وحدها مسؤولية محاربة هذه الظاهرة. فالمجتمع بمختلف مؤسساته، من الأسرة والمدرسة إلى الجمعيات المدنية والمنظمات الدينية، يلعب دورًا محوريًا في الوقاية من التشرميل. تبدأ الوقاية بتعزيز القيم الأخلاقية لدى الأجيال الصاعدة، وتوفير بيئة اجتماعية وصحية تعزز من فرص الشباب في تحقيق ذواتهم بعيدًا عن العنف والجريمة.

على الأسرة أن تكون الحاضن الأول للقيم، والمدرسة عليها مسؤولية بناء العقول وتنمية المهارات. أما الجمعيات المدنية، فيمكنها أن تسهم في تنظيم دورات تدريبية وبرامج ترفيهية تستهدف فئة الشباب المهمش، لتكون بديلًا إيجابيًا عن الشارع.

في عصرنا الحالي، تلعب وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي دورًا مزدوجًا. فمن ناحية، يمكن أن تكون أداة توعية تسلط الضوء على مخاطر التشرميل، وتروج لقصص النجاح التي تبين إمكانية تغيير المسار نحو الأفضل. ومن ناحية أخرى، قد تتحول هذه الوسائل إلى منصات تروج للعنف بشكل غير مباشر عبر نشر مقاطع فيديو تركز على الجرائم دون تقديم أي سياق توعوي.

لذلك، من المهم أن تتحمل وسائل الإعلام مسؤوليتها الأخلاقية، وأن تعمل على إنتاج محتوى هادف يعكس حجم المشكلة، ويطرح حلولًا عملية بدل الاكتفاء بنقل الأخبار المثيرة.

ختاما ظاهرة التشرميل ليست مجرد مشكلة أمنية، بل هي انعكاس لأزمة اجتماعية عميقة الجذور. وللتصدي لهذه الظاهرة، لا بد من تبني مقاربة شمولية تعالج الأسباب الجذرية التي تدفع الشباب نحو الجريمة، وتوفر لهم بدائل حقيقية تفتح أمامهم أبواب الأمل.

إن إعادة النظر في فلسفة العقوبات، وتمكين الخطاب الديني من لعب دوره الإصلاحي، إلى جانب تعزيز التأهيل النفسي والاجتماعي، هي خطوات ضرورية على طريق الحل. لكن النجاح في مواجهة هذه الظاهرة يتطلب أيضًا تضافر جهود الدولة والمجتمع، والعمل سويًا لبناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا. فالأمن ليس مجرد غياب الجريمة، بل هو شعور بالطمأنينة يعم كل فرد داخل المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى