أمريكا عدوة العالم

نورالدين الهادي يكتب :
! !
تنويه:
في عالم متقلب يشهد تعقيدا متسارعا نظرا لتضارب المصالح بين الكبارمن جهة، بسبب الأطماع الخارجية في خيرات بلادنا العربية والإسلامية من جهة أخرى، وحين نناقش المواضيع الدولية الشائكة خاصة التي تتعلق بقضايانا الحيوية، نؤكد أننا مع مصالحنا الوطنية فقط، ومصالح أمتنا العربية وقضايا أمتنا الإسلامية دون اصطفاف مع طرف يعادي هذه المصالح في السر أوالعلن، ولم ولن نتخندق مع أحد، خاصة وقد تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الصادقين والمتخاذلين والأعداء، ثم إننا مع الحق أينما كان لا تأخذنا في الله لومة لائم، انطلاقا من قوله تعالى (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّـٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ) المائدة/8.
.......................
بعد قيادة حلفائها إلى انتصاركبير في الحرب العالمية الثانية 1939/1945على التحالف الثلاثي المكون حينها من النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا وإمبراطورية اليابان، خرج الحلفاء الأوربيون من الحرب يحملون أثقالا وخسائر فادحة في حرب مدمرة أدت إلى وفاة حوالي سبعين مليون شخص وجرح 35 مليون، إضافة إلى الدمار الشامل الذي عم كل مدن أوربا، لكن الولايات المتحدة وجدت نفسها في وضع جد مريح، بالنظر لبعدها الجغرافي عن أثون الحرب التي جرت رحاها في أوربا وآسيا وبعض دول شمال إفريقيا (تونس وليبيا ومصر المستعمرة حينها)، ولذلك بقيت خسائر أمريكا محصورة في الجنود والعتاد الحربي، فيما بقيت مدنها بعيدة عن أي استهداف، مما أفسح لها المجال لتسبق أوربا في عدة جوانب تنموية مالية واقتصادية واجتماعية، إلى جانب بروزها كقوة عالمية استطاعت بتدخلها قلب موازين القوة لصالح أوربا في هذه الحرب العالمية، لكن أوربا الجريحة كان يلزمها وقت غير يسير لإعادة إعمار البنية التحتية وإحياء اقتصادها المدمر، وهو الشيء الذي تم عبر مخطط مارشال الأمريكي (1948) مما أدى إلى تعافي سريع ساهمت فيه اليد العاملة العربية والإفريقية.
لم يكد العالم لملمة جراح الحرب العالمية الثانية، حتى فتحت أمريكا حروبا متتالية في منطقة الهند الصينية في كل من الفيتنام ولاهوس وكمبوديا (1945-1989) ذهب ضحيتها الملايين من الأبرياء، يضاف إلى ذلك ما اقترفه الجيش الأمريكي من مآسي في هيروشما ونكزاكي باليابان عبر إلقاء قنبلتين نوويتين لم تتركا أخضرا ولا يابسا، إذ تفردت “الدولة العظمى” بهذا “الانجاز التاريخي”، لذلك نسمع منذ ستينيات القرن العشرين مقولة “أمريكا يكفينا من حروب ، أمريكا عدوة الشعوب”، وهو شعار معبر يرفعه النشطاء في جميع الفعاليات الداعمة للقضية الفلسطينية على مر السنين.
ومع استمرار الكيان الصهيوني منذ إنشائه في الاعتداء على دول المنطقة العربية ، يبقى دعم “الدولة العظمى” للدولة الهجينة بشكل فاعل في جميع الحروب المتتالية ضد الجيران العرب، سواء عبر الميزانيات السنوية الضخمة المرصودة من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، أو عبرالدعم العسكري وإرسال آخر ما أنتجته مصانع السلاح الأمريكي من صواريخ وقنابل “ذكية” لتصبه الطائرات الأمريكية نفسها على رؤوس المدنيين الفلسطينيين العزل، وما حرب الإبادة الجماعية على غزة ببعيد، وقد شاهد العالم على المباشر ما خلفته من مآسي ودمار كانت نتيجته تدمير غزة بالكامل .
صحيح أن انحياز أمريكا للصهاينة وعداوتهم للعرب والمسلمين من الثوابت في السياسة الأمريكية ولا ترى إلا مصالحها ومصالح حليفتها في المنطقة العربية، التي لا تعدو أن تكون كنزا لجباية الأموال والخيرات من قبل الإدارة الأمريكية ليس إلا، لكن مع مجيء الرئيس ترامب كشف كل مستور، بالنظر لشخصيته المزاجية النرجسية، فهو لا يرى الا مصالحه وليس مصالح أمريكا بالضرورة، لا يدلي بتصريح أو يلقي خطابا إلا وانتقص من الأمريكيين أو الأجانب خاصة الأمراء والرؤساء بشكل لا يتناسب مع رئيس للدولة “الأقوى في العالم” وينافي ماهو متعارف عليه دوليا من احترام ولباقة، لم يسلم منه حتى بابا الفاتكان الذي وصفه ترامب بأنه ضعيف و “فظيع في السياسة الخارجية” وغيرها من النعوث رغم موقع البابا ليو الرابع، ولا يتوانى ترامب في اختلاق سرديات وقصص وأحداث من خياله ليس لها أساس منطقي ولا قانوني ولا أخلاقي بعيدا عن كل القوانين والمواثيق الدولية، فالقول الصواب ما يقوله والقانون الحق ما يقرره، والعالم كله يجب أن يسمع لقوله ويذعن لرغباته، وإلا فهو غبي وفاشل وجاهل وغيرها من التوصيفات التي يطلقها يمينا وشمالا على مواطنيه وعلى رؤساء دول وحكومات بطريقة بذيئة، ولسان حاله يقول: “ماعلمت لكم من إله غيري” كالذي قاله فرعون لقومه.
مقولة “أمريكا عدوة الشعوب” صارت أكثر حضورا، تعبر عنها خطابات ترامب وتصريحاته المتكررة شبه يومية، وهو الذي طالب بضم كندا الدولة مترامية الأطراف و ضم جزيرة كرينلاند الأكبر في العالم التابعة للدانمارك، وقام بغزو فينزويلا واختطف رئيسها و”زكى” خليفته، وفي تصريحه الأمس قال أنه سيتفرغ لكوبا بعد الانتهاء من إيران، لقد قام ترامب بهدم كل المبادئ المرجعية في العالم، وتفكيك المؤسسات الدولية عبرإبطال قراراتها، و إبطال جميع القوانين الدولية ومخالفة كل تشريعاتها التي لا توافق رغباته، ترامب هو القانون الدولي ولا معنى لأي شرعية دولية، أمريكا أولا وأخيرا، لا مصلحة إلا مصلحة أمريكا، أمريكا ترامب وما بعد ذلك فليعم الطوفان، وهذا أمر جعل مواقف العقلاء في العالم خاصة الحليف الأوروبي يأخذ مسافة من ترامب ومواقفه وتصرفاته الرعناء في عدة مناطق من العالم خاصة تلك التي أشعل فيها ترامب حروبا غير مبررة.
أمريكا تؤكد أنها عدوة العالم بإشعالها حربا في الخليج وهي المنطقة الأكثر حساسية في العالم، مما أربك جميع سلاسل الإنتاج لكل دول العالم وصار يهدد بأزمات اقتصادية واجتماعية عالمية غير مسبوقة، هذه الحرب التي أشعلت زيادات كبيرة في أسعار المحروقات وخل العالم في سلسلة زيادات في الخدمات والمنتوجات… وهو ليس عدوا للعالم وحسب بهذه الحرب المجنونة، بل هو عدو للشعب الأمريكي نفسه لأن تصرفاته جلبت على أمريكا غضبا دوليا عارما، بسبب النتائج المدمرة لهذه الحرب على دول العالم، وأكبر دليل على ذلك المواقف المنددة بحرب الخليج من قبل الكثير من الساسة الأمريكيين، واستقالة العديد من الجنيرالات في المؤسسة العسكرية الأمريكية، يضاف إلى ذلك عدم قبول الدول الأوربية مشاركته في الحرب ضد الدولة الفارسية، بل رفضت دول حلف شمال الأطلسي “الناتو” الدخول في هذه الحرب رغم التزامها باتفاق الدفاع المشترك الذي ينص عليه ميثاقها، مما ترك ترامب وحيدا في حرب لم يخطط لاستمرارها، ولم يحقق النصر السريع الحاسم المزعوم وغرق في مستنقعها، وكانت نتائجها وبالا على الخزينة الأمريكية بالنظر لكلفتها المرتفعة، والأنكى من ذلك كله ضرب الهيمنة الأمريكية وهيبتها بين الدول، إذ تم إعطاب حاملتي طائرات أمريكيتين تعدان فخر الترسانة الحربية الأمريكية، ولم تستطع طيلة أربعين يوما من المواجهة من حسم المعركة بالمشاركة مع الكيان ضد دولة محاصرة منذ زمن بعيد، وحتى دول الخليج المتضررة الأولى من الحرب لم تستطع الرد على هجمات الجارة، والعالم كله يرقب باندهاش كبيرالغياب الكلي الغريب لدول الخليج وحالتها البئيسة وهي تتفرج وتنظر ما يفعل بها وبخيراتها من طرف الآخر الفارسي أو الأمريكي وترقب من بعيد ما تتفق عليه إيران الجارة وأمريكا التي تبعد بآلاف الأميال عن المنطقة، مما يجزم معه الملاحظ بالقول أن منطقة الخليج ليست إلا ولاية أمريكية وراء البحار، تعبث بها حسب مزاج ترامب؛ مرة يُدخلها إلى حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل، ومرة يفاوض من أجل اقتسام كعكة الرسوم المتوقعة من مرور الناقلات عبر مضيق هرمز، وقبلها زار المنطقة ليأخذ بضع ترليونات نظير حمايته المزعومة لهذه الدول، لكن الحرب الأخيرة أعطتهم الدليل على بطلان هذا الإدعاء إذ استقبلت معظم مدنهم ومنشآتهم الحيوية الصواريخ والطائرات المسيرة القادمة من بلاد فارس..
إن هذه الحرب فرصة سانحة جدا لدول المنطقة لتعيد حساباتها وتطلب من “الدولة العظمى” إغلاق قواعدها التي تعد بالعشرات والتي لم تحم هذه الدول من العدو المفترض، كما لم تحميها من عدوان الكيان حين قصف الوفد الفلسطيني المفاوض في عقر دار إحدى عواصمها أثناء حرب الإبادة الجماعية على غزة، و لم تحم السفن المحملة بمنتجاتها البترولية من الحصار المضروب عليها مما يحرمها من مئات الملايير من الدولارات منذ بداية الحرب، كذلك لم يسعفها السلاح المركون في مخازنها في وقف الضربات الموجهة إليها، مما يطرح السؤال الكبير حول الميزانيات الضخمة التي تخصص لهذا الغرض عوض استعمالها في التنمية الوطنية والقومية للدول العربية والإسلامية عبر الاستثمارات المنتجة، كذلك استعمالها في استرجاع الأقصى المغتصب وفلسطين السليبة، ولم تغنها اتفاقيات الدفاع المشترك بين الدول العربية والإسلامية التي لا تلزم إلا الورق الذي سطرت عليه، والحرب الأخيرة بينت بما لا يدع مجالا للشك ضرورة انسحاب أمريكا من المنطقة، في الوقت الذي يمكن لدولها إيجاد صيغ لتدبير مجال مياه الخليج، بعيدا عن التدخلات الخارجية وستكون بالتأكيد رابحة ومرتاحة من أي وصاية أجنبية من أجل تسويق ما تزخر به من خيرات إلى كل دول العالم بكل حرية وكرامة.
إن الحروب المتتالية في المنطقة العربية وإن كانت تغذيها صراعات جيوسياسية إقليمية، إلا أنها صراع للكبار يغذيه الصغار الذين تزخر بلدانهم بالخيرات، والمقصود حقا في النهاية هو التحكم في بترول وغاز الخليج برمته لخنق الخصوم، وهنا نستحضر ما قاله ترامب اليوم: “إن العالم محتاج إلى نفطنا ذو الجودة العالية ولدينا من النفط والغاز أكثر من احتياجاتنا، وأن العالم في حاجة لبترول وغاز الخليج وليس أمريكا”، لذلك لايعبأ بالمشاكل التي يخلقها الصراع في المنطقة، وخلق فوضى وحرب اقتصادية عالمية تدفع بتضاعف أسعار كل المنتوجات وتهديد الأمن الغذائي العالمي، والفاتورة العالية جدا تؤديها دول المعمور وتجار الأزمات وليست أمريكا بالضرورة.
فهل من تسوية قريبة لهذا الصراع المفتعل؟ إن التكهن بمجريات الأحداث من الصعوبة بمكان، بسبب غياب أي منطق للمصلحة بين الدول، فمع المزيد من الوقت تزداد المطالب من الأطراف، و كلما تقدم الوقت تعقد الوضع، والنوايا الحقيقة لجميع الأطراف ليست بالضرورة ما يعلن منها، وأكثر القرارات السياسية ومرجعياتها إنما تناقش في الكواليس ولا تسلط عليها الأنوار الإعلامية، وكما يقال : السياسة كجبل الاسبيرغ لا يظهر منه إلا الجزء الأصغر.
في خضم هذا الوضع تبقى غزة الجريحة على الهامش ، تعاني في صمت وسط هذه الحروب المستجدة، فهي ليست أولوية عند الساسة الكبار، أما وعود إدخال المساعدات، وإعادة الإعمار ووقف حرب الإبادة بمجرد انتهاء المرحلة الأولى التي انتهت بالإفراج الكلي عن الأسرى الصهاينة، فتلك قصة أخرى، غزة ماتزال تقصف ويقتل المدنيون بما فيهم الصحافيون وآخرهم الصحفي محمد وشاح وهو الرقم 262 من لائحة الشهداء الصحفيين الذين اغتالهم الجيش الأكثر سادية في العالم، غزة – أو ما تبقى من غزة لأن الاحتلال سيطر على نصف مساحتها وهي المناطق الفلاحية منها – غزة إذن تركت للمجهول فلا مرحلة ثانية ولا ثالثة، وحرب الإبادة ماتزال مستمرة عبر اصطياد كل الناشطين الفلسطينيين مع استمرار الحصار الشامل على الأهالي وتجويعهم، والفلسطينيون في غزة يعيشون في العراء في سجن مفتوح بين أمواج البحر من جهة وجيش سادي يحاصرهم من كل الجهات البرية، والعدو الصهيوني وحلفاءه الأمريكان انتقلوا إلى وجهات أخرى لاستكمال التوسع نحو شرق أوسط جديد تمحى فيه دول عربية لقيام دولة إسرائيل الكبرى، أما عالمنا العربي والإسلامي فقد قدم استقالة جماعية وسلم مصيره إلى العابثين بقضاياه…





