24 ساعةالواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

إصدار ورقي جديد: «الجسد اليقظان» قراءة في مسارات الجسد بين التأمل والممارسة

إصدار ورقي جديد: «الجسد اليقظان» قراءة في مسارات الجسد بين التأمل والممارسة

في زمنٍ تتكاثر فيه الإصدارات التي تُعيد النظر في علاقة الإنسان بجسده، يطلّ علينا كتاب «الجسد اليقظان» كعملٍ مختلف، لا يسعى إلى التنظير المجرد بقدر ما يحاول اقتراح طريقٍ لفهم الجسد ككائنٍ واعٍ، يتنفس المعرفة ويتفاعل مع الوجود من موقعٍ مركزي لا تابع.

يضع الكاتب ذ. نور الدين حنيف القارئ منذ الصفحات الأولى أمام إشكاليةٍ دقيقة: كيف يمكن مقاربة الجسد في ثقافة الأيكيدو — تلك الفلسفة الشرقية التي تمزج بين الحركة والتأمل — دون أن نسقط في فخ الخطاب الرومانسي أو النزعة التقنية البحتة؟

يُجيب المؤلف عبر مسار مزدوج: تأملي وتجريبي.

فالأول لا يخضع للقياس، لأنه نابع من عمق الوعي التأملي، حيث يُستحضر الجسد لا كأداةٍ بل كمرآةٍ للكينونة.

أما الثاني، فهو حصيلة سنوات من الممارسة الفعلية للأيكيدو، بما تحمله من عَرَق الجسد ودهشة الإدراك واشتباك الحسّ بالعقل.

يرى الكاتب أن موقعة الجسد في هذا السياق ليست مفروشة بالورد، بل هي مغامرة محفوفة بالمطبات والانزلاقات، لأنها تتطلب إعادة ترتيب العلاقة بين ما هو محسوس وما هو متخيل، بين ما يُرى وما يُدرَك.

فالتأمل – كما يقول – ليس سلوكاً مدرسياً، بل تجربة داخلية يصعب إخضاعها لمقاييس علمية، في حين أن الملاحظة الميدانية للممارسة تمنحنا مادةً خاماً يمكن البناء عليها لتوليد المعنى.

من هذا التوتر الخلاق بين التجربة والفكر، يولد «الجسد اليقظان» كوثيقةٍ فلسفية ورياضية في آنٍ واحد، تحاول أن تُعيد للجسد كرامته في زمنٍ غلب عليه التنميط والاستهلاك.

ولعل أهم ما يميز الكتاب هو لغته: لغةٌ تمزج بين صفاء الخطاب الفلسفي ودفء البوح الشخصي، فيغدو النص نفسه جسداً نابضاً بالحياة، يتنفس كلما قلب القارئ صفحة.

إن هذا الإصدار لا يقدّم أجوبةً نهائية، بل يدعو القارئ إلى مشاركةٍ في التأمل، إلى اختبار الجسد كأفقٍ للفهم، لا كموضوعٍ للفحص. وربما في ذلك تكمن قيمته الكبرى: أنه يفتح باب التساؤل بدل أن يغلقه.

«ليس الجسد وعاءً للروح، بل هو طريقها إلى العالم»، هكذا يختم المؤلف أحد فصوله، وكأنه يدعونا لأن نعيد الإنصات إلى أجسادنا بوصفها نصوصاً يقظة، لا تهدأ في سعيها نحو توازنٍ جديد بين الحركة والمعنى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى