الواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

الاحتفالية بين ربيع المسرح وربيع الحياة

عبد الكريم برشيد

             

فاتحة الكلام

افلاطون هو الذي قال (الحكماء يتكلمون فقط عندما يكون لديهم ما يقولون) نعم، وماذا يمكن للمرء ان يقول، إذا لم يكن له ما يقول؟
وانا اليوم اكتب كثيرا، لأنني افكر كثيرا، ولأنني اسال واتساءل كثيرا، ولأن المسالة الاحتفالية مازالت تحرضني على المزيد من التفكير، وتحرضني على المزيد من البحث وعلى المزيد من الشغب الفكري، الجميل والنبيل
وفي ذلك التقديم الذي كتبته منذ يومين فقط، والذي هو تقديم للكتاب الجماعي التكريمي للدكتور محمد ابو العلا، والذي انجزته مجموعة من الأساتذة بجامعة مولاي سليمان بمدينة بني ملال، يقول الاحتفالي الكلمة المختزلة التالية
( من لا يفهم كلامي لا يمكن ان يفهم صمتي)
والاحتفالية ضد الصمت الذي لا ينطق، وضد الصمت الخائف والجبان، تماما كما هي ضد الغياب، وضد فعل التغييب، وضد فعل التغريب، ولكنها مع ذلك فهي تؤكد على ان هناك ما هو أسوأ من الغياب ومن التغييب، وهو ان تكون انت وحدك الذي يبصر، وان ترى وحدك، وان تحدث كل الناس بما ترى، وان لا يصدقك اي واحد منهم، وان تكون بهذا حاضرا مع الغائبين، وانت لا تدري، ولعل هذا هو ما يجعل الاحتفالي يقول :
(لا شيء أسوأ من الغياب سوى الحضور في المكان الخطا ومع الإنسان الخطا، وفي الموعد الخطأ وفي السياق الخطأ )
وفي زمن غربة الاحتفالية و غربة الاحتفاليين، شعرنا نحن الاحتفاليين أننا قد جئنا قبل الموعد، وان ساعي البريد الاحتفالي قد اخطا العنوان، وانه قد طرق الباب الخطا، ولعل هذا هو ما جعلنا نردد مع ابي العلاء قوله
اتى الزمان بنوه في شبيبته فسرهم وأتيناه على الهرم
وانا اليوم لا اقول نفس هذا القول، لأنه من المنطقي ان نشبخ نحن، وان تشبخ اجسادنا وارواحنا معا، او ان تشيخ اجسادنا فقط، ولكن عقولنا لا تشيخ، وافكارنا لا تشيخ و احلامنا لا تشيخ، كما ان مولانا الزمان لا يمكن ان يشيخ ايضا، وفي كل دورة فلكية يعود جديدا كما كان، او احسن مما
وبالنسبة للاحتفالي فإن العمر خطوات، وان خطوة واحدة الى الأمام، هي خير من الف خطوة إلى الخلف، وأن فكرة واحدة صحيحة قد تكون احسن وافيد من الف فكرة خاطئة، وان ساعة فرح احتفالي وعيدي واحدة، قد تعادل اعمارا طويلة في التراحيديا، وفي مسرحية (مجنون ليلى) لأحمد شوقي يقول قيس ( جمعتنا ساعة تفضل العمر) وعن هذه الساعة التي تفصل العمر يبحث الاحتفالي، في حياته وفي حياة فكره وفنه وعلمه،
وبيانات الاحتفالية الأولى كان لها موعد كل سنة مع فصل الربيع الاحتفالي، وكانت احتفالية الزمان تلتقي فيها مع احتفالية المكان، وذلك من خلال المدن الاحتفالية التي كانت تصدر منها تلك البيانات
(واليوم، بماذا جئت أحبابك و أصحابك يا ساعي البريد ؟)
هكذا سالت ساعي البريد في ( الرحلة البرشيدية) وهكذا كان جوابه:
(جئتهم بكلمات في أوراق، وهي كلمات جديدة، لا تشبه ما يعرف الناس من الكلمات، أما هذه الأوراق الأخرى التي ترى، فهي أوراق لا تقبل الاحتراق ..
ــ وماذا تقول لنا عن مضمون هذه الرسائل الجديدة ؟
ــ أقول لكم ما يلي، إن كانت هذه الرسائل مفرحة، فمن عندي أنا ذلك الفرح ..
ــ وإن كانت ـ لا قدر الله ـ سيئة، فماذا تقول ؟
ــ أقول إن ذلك من عند كتابها السيئين، أو من عند قرائها المؤولين، أو من عند هذا الوقت الأغبر، أو هو من عند وزارة البريد والمواصلات، وإذا أردت أن أريح وأستريح، فسوف أقول لك ما يلي، هو من عند الشيطان الرجيم، أو هو من عند السيدة زوجته، أو من عند السيدة حماته، أقول هذا ولا أزيد حرفا ولا كلمة.. )
هذا الاحتفالي الذي اختار ان يكون في دور ساعي البريد هو نفسه الذي قال في نفس ( الرحلة البرشيدية)
(فأنا لا أحمل إلا الأخبار السارة، أما الأخبار الضارة، فهي ليست من اختصاصي
ــ وما هذا الذي بيدك يا صاحبي؟
ــ هذه بشرى، و سأحملها لمن هو أهل لها ..
ــ و الرسالة الأخرى ؟
ــ هذه دعوة إلى عرس، أو إلى مأدبة فكرية و روحية، وهي موجهة إلى كل المؤمنين بالبهجة، وبالحق في الفرح .. وهذه رسائل أخرى، أنظر إليها، إنها ممتلئة لحد التخمة بالأفكار الحية، وبالصور الجميلة، وبالعبارات النبيلة، ولابد أنها سوف تجد أصحابها الحقيقيين)
بين احتفالية الطبيعة و احتفالية الانسان:
وبالنسبة للإنسان، ولكل الكائنات الحية في الحياة، فإن ربيع الحياة لا يمكن ياتي إلا مرة واحدة في العمر الواحد، ولكن ربيع الطبيعة يمكن ان يذهب ثم يعود، وان يعد بالعودة ولا يخلف وعده، وهو يعود في كل سنة بعد خريف وبعد شتاء ليعيد للأرض شبابها، وان يعيد للطبيعة الوانها واصباغها، وان يعيد لها أضواءها وظلالها، وان يعيد لها انغامها وعطرها وسحرها وشعريتها، وان يستعيد النهار شيئا من طوله الحقيقي، حتى يعطي الإنسان مجالا أوسع للعيش والحياة، وذلك في مقابل ذلك الشتاء الذي يطول ليله بلا معنى، والذي يعطي مجالا اكبر للنوم، وماذا يمكن ان يكون هذا النوم سوى انه اخو الموت الأصغر؟
هذا الربيع هو الذي تغنى به ملك الاحساس فريد الأطرش في ملحمته الغناىية ( الربيع) وهو نفس الربيع الذي أتى عند الشاعر العباسي البحتري ( ضاحكا من الحسن حتى كاد أ ان يتكلم) وهو نفس الربيع الذي قال فيه شاعر الملحون سيدي قدور العلمي في السرابة المشهورة قولا شعريا جميلا، لقد قال :
(فصل الربيع قبل ( أقبل) والوقت زيان
وعلامات الخير للورى بانو
جاد الزمان وضحك ثغر السلوان
والنكد تفاجى وزالت احزانو
بطايح الزهر على كل الوان
واليوم هزني مولاي الغيوان
ونطق سلطان الربيع بلسانو
دوا وقال لي عول يا انسان
تقطف ورد رياضنا وسوسانو)
مما يعني ان الربيع يعني الاحتفال، و يعني الاحتفالية، ويغني العيد، ويعني العيدية، ويعني عودة الشباب إلى الطبيعة، و يعني عودة الحياة وعودة الحيوية، وهو في نفس الوقت يعني عودة الشباب إلى الإنسان ايضا، وفي هذا المعنى يقول الاحتفالي (وكيف يمكن للإنسان أن لا يحتفل وأن لا يعيّد، وذلك داخل هذه الطبيعة المحتفلة والمعيدة بألوانها وأضوائها وظلالها وعطورها وصورها وأنغامها وسحرها وشعريتها ؟)
وفي حواري الافتراضي مع شخصية الاحتفالي الافتراضية، وذلك في رحلتي الافتراضية في كتاب (الرحلة البرشيدية) في ذلك الحوار يدور بيني وبينه الحوار التالي، وذلك بخصوص العرس والعريس والعروس وصاحب العرس:
( ــ يا شريكي في العيد و التعييدـ إن هذا العرس ليس عرسي أنا
ــ وعرس من هو؟
ــ هو عرس مولانا الوجود ومولاتنا الحياة)
الوجود اذن يحتفل، والحياة تحتفل، والطبيعة تحتفل، ولماذا لا يمكن للانسان ان يحتفل، وكل ما في الطبيعة يحرضه على ان يحتفل، على ان يكون صادقا في احتفاله وفي احتفاليته؟
ويقول الاحتفالي في مسودة كتاب ( الرؤية الاحتفالية بين العيدية والماتمية) ما يلي :
(الإنسان كائن احتفالي، نستقبله في المولد باحتفال، ونودعه ساعة الرحيل باحتفال آخر، وأجمل كل الساعات واللحظات والمحطات في مسيرة هذا الإنسان العمرية ما هي إلا احتفالات وأعياد، يتبع بعضها البعض، والباقي كله أيام متشابهة، وكأنها يوم واحد)
وفي عين الاحتفالي دائما، فإن هذا الوجود، بكل من فيه وما فيه، من تعدد وتجدد وتنوع ومن امتلاء ومن غنى، وبكل ما فيه من مسافات وامتدادات، وبكل ما فيه من ألوان وظلال ومن أضواء وأصوات، ومن أنغام وإيقاعات، ومن حالات ومقامات، ومن مستويات ودرجات، هذا الوجود الساحر والمبهر، والمتعدد والمتفرد والمتجدد والمتمدد بشكل دائم، هذا الوجود الاحتفالي ألا يستحق الاحتفاء به وفيه؟ وأن يشمل هذا الاحتفاء عبقريته وعظمته وكل جوانبه الظاهرة و الخفية و الكائنة والممكنة و الحاضرة و الغائبة و القريبة و البعيدة)
ويؤكد الاحتفالي على ان فصل الربيع هو شباب الزمان المتجدد، وهو الجديد وهو التجديد وهو التجدد، وهو بهذا سلطان كل الفصول
وفي هذا الربيع تستعيد الأيام الباردة شيئا من الدفء ومن الحرارة،. وانا الذي سبق وقلت اكثر من من مرة، وكتبت في اكثر من كتابة بانني في كل حياتي لا اخاف إلا من شيئين اثنين هما ( لسعة البرد و عضة الكلب)
ان فصل الخريف يعري الأشجار من أوراقها، ويجعلها اكثر عرضة للبرد والريح و الأمطار، اما ارض الربيع، فهي ارض طاووسية، فيها كل الألوان تعدد الوانها، وفي هذا الربيع قال امير الشعراء احمد شوقي
(آذار اقبل قم بنا يا صاح
نحيي الربيع حديقة الأرواح)
وقال غيره ( من لم يبتهج بالربيع و يتمنع بنسيمه، فهو فاسد المزاج ويحتاج إلى علاج)
عرس الطبيعة وعريس الوجود:
وهذا الوجود الساحر و المبهر ( يراه الاحتفاليون عرسا وجوديا بسعة الأيام والأعوام وبعمق التاريخ والجغرافيا، وهو عندهم عرس الطبيعة أولا، تماما كما هو عرس الإنسان الحي في المجتمعات الحية، وإن من واجب هذا الاحتفالي العاشق والمبصر والمدرك لجمال هذا العرس الوجودي، أن يراه وأن يدركه بكل الحواس، وأن يقبض على لحظاته و ساعاته العابرة و الطائرة في الفراغ، وأن يتجدد فيها دائما، فكرا وروحا ووجدانا، بفعل جديد هذا الاحتفال، وأن يكون من واجبه أن يجعل فعل الفرح يتجدد به وفيه ومن خلاله أيضا، وأن يكون هذا الاحتفال مناسبة يومية وأسبوعية وسنوية يتجدد فيها فعل التلاقي بين الأجساد والنفوس والأرواح الحية، وأن يتم فيه اقتسام كل شيء، موضوع الاحتفال ولحظته ومناخه وفرحه، وبحسب الاحتفالي دائما، فإن هذا الوجود الاحتفالي، في صورته الصادقة والناطقة، قد يراه الآخرون مأتما للتباكي، وذلك حقهم، تماما كما أن من حق الاحتفاليين أن يعيدوا فيه، وأن يحتفلوا في مناسباته، وأن يفرحوا بالقدر الذي يستطيعون، وأن يقولوا بأن الأصل في الوجود هو الفرح، وأن أهم وأخطر كل حقوق الإنسان هو الحق في الفرح، وبأنه ما وجد الإنسان في هذا الوجود ليشقى، ولكن ليسعد بما أعطته أمه الطبيعة من خيرات، وبما أعطته أخته الحياة من جماليات حسية ومعنوية
وأعتقد أن من حق الاحتفاليين، في هذا الوجود الاحتفالي، أن يروا اللون الأسود وبداخله اللون الأبيض، وأن يروا معهما كل الألوان الأخرى، وأن يروا الفوضى الكائنة، وأن يروا بداخلها ذلك النظام الممكن الوجود
إنني انا الاحتفالي (في هذا النفس الجديد من أنفاس كتاباتي المتأملة والمفكرة، أقدم الرؤية العيدية والاحتفالية في صورتها الحقيقية، أي كما أعيشها وأحياها وأتمثلها؛ فكريا وجماليا وأخلاقيا ووجدانيا، وهذه الرؤية لها نظامها الداخلي بكل تأكيد، ولها فلسفتها، ولها بلاغتها، ولها شعريّتها، ولها مناخها وطقسها، ولها أأسباب نزولها إلى الواقع التاريخي الحديث والمعاصر، ولعل أهم ما يميزها اليوم، وبشكل خاص، هو أنها رؤية واقعية حالمة، وأنها رؤية سعيدة وعالمة وجميلة ومنظمة ومرتبة وشفافة ومتفائلة ومتسلطنة، وذلك في مقابل الرؤية الأخرى، والتي قد تكون رؤية مأتمية أو رؤية جنائزية، وتكون ساكنة ومحدودة ومغلقة، ونقول الرؤية الاحتفالية أيضا، وذلك في مقابل الرؤية الأخرى العبثية والعدمية، وفي مقابل الرؤية الظلامية والفوضوية كذلك، وفي مقابل الرؤية المتشائمة والقيامية والتي لا توحي بشيء، ولا تعد بشيء، وبهذا فقد كان الأصل في الرؤية الاحتفالية أنها رؤية إنسانية حية، في مقابل الرؤية الوحشية والرؤية الآلية والميكانيكية، وهي رؤية كونية في مقابل الرؤية العشائرية والحزبية و الشعوبية و الفئوية الضيقة و المحدودة، وبهذا فهي لا تسعى من أجل أن يكون لها موقع محدد ومحدود في الوجود، و يكفيها أن يكون لها موقف مبدئي ثابت من الوجود و الموجودات)
وبعد وجود كل هذه الاحتفالية في الوجود. في الطبيعة وفي الحياة، ياتي من يتساءل :
تحتفل او لا نحتفل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى