الدافع وراء هذا التواصل المكثّف لعبد الإله بن كيران

يوسف خليل السباعي
رغم ما يعلنه عبد الإله بن كيران من تعب وإرهاق، فإن خروجه المتكرر خلال الأشهر الأخيرة للقاء قواعد حزبه والتفاعل مع فاعلين سياسيين ومجتمعيين يطرح سؤالًا بارزًا حول خلفيات هذا الحضور المكثف. في الواقع، يمكن قراءة هذا السلوك كجزء من عملية تواصلية واعية تتجاوز مجرد الظهور الاعتيادي لزعيم حزبي، لتتحول إلى استراتيجية متعددة الأبعاد يسعى من خلالها إلى إعادة التموضع داخل الساحة السياسية، وترميم العلاقة بين الحزب وقواعده، وتوجيه الرسائل إلى خصومه ومتابعيه على حد سواء. فبعد فترة من الانكماش التي عاشها حزب العدالة والتنمية إثر نتائج الانتخابات السابقة وما خلّفته من ارتباك داخلي، يبدو أن بن كيران يحاول استعادة زمام المبادرة عبر إعادة بناء الثقة وتأكيد حضوره الرمزي باعتباره إحدى الشخصيات الأكثر ارتباطًا بالهوية السياسية للحزب.
يتحدث بن كيران في لقاءاته بلغة تجمع بين البساطة والحدة، وهو أسلوب لطالما شكل مصدر قوة بالنسبة له، إذ يمنحه القدرة على مخاطبة الجمهور الواسع بلغة قريبة منهم، وفي الوقت نفسه تمرير رسائل سياسية مركبة دون الحاجة إلى خطاب تقني أو مؤسساتي. هذا النوع من التواصل يساهم في تعزيز حضوره شعبياً ويعيد تجميع الأنصار حول شخصية يرون فيها مرجعية سياسية وأخلاقية لمشروعهم الحزبي. كما يتيح له الاستمرار في لعب دور “الضمير السياسي” الذي ينتقد، يعلّق، ويوجّه، حتى وهو خارج دوائر السلطة التنفيذية، وهو موقع يبدو أنه يجد فيه مساحة أكبر ليخاطب الرأي العام دون قيود.
من جهة أخرى، يمكن فهم هذا التواصل على أنه محاولة لإعادة تفعيل الدينامية الداخلية للحزب بعد مرحلة من الارتباك التنظيمي. فخروج بن كيران المتكرر يمنح القواعد إحساسًا بالحيوية ويعيد الاعتبار للبعد المعنوي داخل التنظيم، خاصة في لحظة تحتاج فيها قيادة العدالة والتنمية إلى ترميم الثقة واستعادة زمام المبادرة. كما أن حديثه المتكرر في القضايا الكبرى يمنح الحزب مادة سياسية يعيد عبرها التموضع في النقاش العمومي، خصوصًا في ظل مشهد سياسي يتسم بالتعقيد والتغيرات السريعة.

أما على مستوى الرسائل الموجهة إلى الخصوم والفاعلين السياسيين الآخرين، فإن حضور بن كيران الدائم يحمل بعدًا مهمًا؛ فهو يذكّر بأن الحزب لا يزال حاضرًا في الساحة رغم تراجعه الانتخابي، وأن قيادته لا تزال قادرة على التأثير في الرأي العام. هذه الرسالة قد تكون جزءًا من استراتيجية لتنظيم عودة تدريجية للحزب في المستقبل، أو على الأقل لضمان عدم انطفاء تأثيره الرمزي والسياسي.
في النهاية، يمكن القول إن هذا التواصل المكثف ليس نتيجة فراغ سياسي أو مجرد مبادرة شخصية معزولة، بل هو جزء من رؤية يسعى من خلالها بن كيران إلى إعادة بناء الهوية السياسية لحزب العدالة والتنمية بعد سنوات من التحولات العميقة. فسواء كان الهدف هو استعادة المبادرة، أو تجديد الروح الداخلية، أو تحسين شروط العودة السياسية، فإن حضوره الحالي يعكس رغبة واضحة في ألا يُترك المجال فارغًا أمام إعادة تشكيل المشهد السياسي دون أن يكون للحزب ولرمزه الأبرز دور فيه.





