24 ساعةأحزابأخبار وطنيةالواجهةحقوق الإنسانعالم السياسة

الدروش :حين يزداد الأثرياء غنى والشعب فقراً فمن يحكم المغرب إذن السياسة أم المال؟

بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

في المغرب اليوم تتكرس معادلة صادمة : أقلية صغيرة من الأثرياء تزداد ثراءً ونفوذاً، بينما تتدهور أوضاع ملايين المغاربة يوماً بعد يوم. الأسعار ترتفع، القدرة الشرائية تنهار، البطالة تتسع، والطبقة الوسطى تتآكل… وفي المقابل تتضخم ثروات كبار رجال المال بشكل غير مسبوق.

هذه ليست مجرد صدفة اقتصادية، بل هي نتيجة نظام اقتصادي-سياسي مختل يقوم على تحالف غير معلن بين السلطة السياسية ورأس المال الكبير.
ثلاثة وجوه لثروة تتضخم
عندما نتأمل خريطة الثروة في المغرب، نجد أن عدداً محدوداً من الأسماء يتحكم في قطاعات حيوية من الاقتصاد. من بين أبرز هذه الأسماء:
عثمان بنجلون، أحد أكبر رجال المال في المغرب، الذي بنى إمبراطورية مالية ضخمة في القطاع البنكي والتأمينات، وأصبح تأثيره يتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والإعلام.
عزيز أخنوش، الذي يجسد بشكل واضح ظاهرة زواج السلطة بالمال، إذ يجمع بين رئاسة الحكومة وإمبراطورية اقتصادية واسعة في قطاع المحروقات والطاقة والتوزيع.
أنس الصفريوي، أحد كبار أباطرة العقار، الذي راكم ثروة هائلة في قطاع السكن والعقار في بلد يعاني فيه ملايين الشباب من صعوبة الحصول على سكن لائق.
وجود رجال أعمال كبار ليس مشكلة في حد ذاته؛ فكل اقتصاد يحتاج إلى الاستثمار والرساميل. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هؤلاء إلى قوى تتحكم في السوق والسياسة معاً.
اقتصاد الاحتكار لا اقتصاد المنافسة
ما يميز الاقتصاد المغربي اليوم هو انتشار ما يسميه الاقتصاديون اقتصاد الريع والاحتكار. فبدل أن تقوم السوق على المنافسة الحرة، أصبحت قطاعات كاملة خاضعة لنفوذ مجموعات اقتصادية محدودة تتحكم في الأسعار وهوامش الربح.
قطاع المحروقات مثال واضح: فبعد تحرير الأسعار ارتفعت أرباح الشركات بشكل كبير، بينما دفع المواطن المغربي الثمن من جيبه.
وفي قطاع العقار، تضاعفت الأسعار بشكل جعل السكن حلماً بعيد المنال بالنسبة لآلاف الأسر، بينما تتراكم الأرباح في حسابات كبار المنعشين العقاريين.
حين تصبح السياسة خادمة للمال
في الدول الديمقراطية الحقيقية توجد مسافة واضحة بين السلطة السياسية ورجال الأعمال، لأن الجمع بين الاثنين يهدد العدالة الاقتصادية.
لكن في المغرب، يبدو أن هذه الحدود أصبحت ضبابية. فحين يصبح رجل الأعمال رئيساً للحكومة، أو حين يمتلك كبار رجال المال نفوذاً واسعاً داخل مراكز القرار، فإن السؤال المشروع يصبح:
هل الدولة تخدم المصلحة العامة أم مصالح الأقلية الغنية؟
هذا الوضع يخلق ما يسميه علماء الاقتصاد السياسي رأسمالية المحاسيب، حيث يحصل المقربون من السلطة على امتيازات وتسهيلات لا يحصل عليها الآخرون.
صمت الأحزاب والنقابات والإعلام
الأخطر في هذه المعادلة ليس فقط قوة الأثرياء، بل صمت القوى التي يفترض أن تدافع عن المجتمع.
فالكثير من الأحزاب السياسية تحولت إلى مؤسسات انتخابية تبحث عن المقاعد والمناصب أكثر مما تبحث عن الدفاع عن العدالة الاجتماعية.
أما النقابات، التي يفترض أن تكون صوت العمال والطبقات الشعبية، فقد دخل بعضها في مساومات سياسية أضعفت قدرتها على المواجهة.
والإعلام بدوره لم يسلم من هذه المعادلة، إذ أصبحت أجزاء منه مرتبطة بالإعلانات أو بالمصالح الاقتصادية الكبرى، مما يجعله متردداً في فتح ملفات الثروة والاحتكار والفساد الاقتصادي.
ثروة القلة… ومعاناة الأغلبية
نتيجة هذا الوضع هي مجتمع يسير في اتجاهين متناقضين:
أقلية صغيرة تتضخم ثروتها بسرعة كبيرة.
وأغلبية واسعة تكافح من أجل العيش الكريم.
هذه الفوارق ليست مجرد أرقام اقتصادية؛ إنها قنبلة اجتماعية صامتة يمكن أن تهدد الاستقرار إذا استمرت في الاتساع.
معركة العدالة الاقتصادية
إن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه المغاربة اليوم ليس فقط لماذا يوجد أثرياء، بل كيف تُصنع هذه الثروات، ومن يدفع ثمنها؟
فالدولة التي تريد الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن تسمح بتحول الاقتصاد إلى غابة يزداد فيها القوي قوة ويزداد فيها الضعيف ضعفاً.
المعركة الحقيقية ليست ضد الثروة، بل ضد احتكار الثروة والسلطة معاً.
وهي معركة تحتاج إلى أحزاب قوية، ونقابات مستقلة، وإعلام حر، وقوانين صارمة تحمي المنافسة وتمنع تغول المال على السياسة.
أما إذا استمرت المعادلة الحالية كما هي، فإن المغرب سيظل يعيش مفارقة مؤلمة:
بلد غني بثرواته… لكن شعبه يزداد فقراً يوماً بعد يوم.

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.

 

عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى