24 ساعةأحزابالواجهةعالم السياسة

الدروش : ماذا لو قاد محمد السادس ثورة أخلاقية شاملة على الفساد ؟

بقلم ذ. عزيز الدروش

في لحظة فارقة من تاريخ الأمم، قد يختار القائد أن يكون حَكَمًا بين القوى المتصارعة، وقد يختار أن يكون قائدَ إصلاحٍ جذريٍّ يعيد ترتيب البيت من الداخل. فماذا لو قاد جلالة الملك محمد السادس حملة وطنية واسعة و قوية لمحاربة الفساد والاستبداد والظلم والحكرة وأشياءأخرى، وفعّل نصّ الدستور 2011 في ربط المسؤولية بالمحاسبة، وحلّ المؤسسات التي تحوّلت إلى واجهات شكلية، وأطلق يد العدالة لمحاكمة لوبيات الريع ونهب المال العام، واسترجع الأراضي والثروات المنهوبة؟
إنّ القرآن الكريم يضع قاعدة لا تتبدل:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90)
ويقول عز وجل:
﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ (الكهف: 59)
فالعدل ليس ترفًا سياسيًا، بل شرط بقاء الدول. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.

أولاً: زلزال في بنية الريع و الفساد
لو فُعِّل مبدأ المحاسبة دون استثناء، وسقطت الحصانات غير المكتوبة، فإن أول ما سيحدث هو زلزال داخل منظومة الريع و الفسادوالإستبداد. لوبيات المحروقات، اقتصاد الامتيازات، شبكات الأراضي السلالية، وكل من اغتنى من عرق الفقراء الجوعى سيجد نفسه أمام قضاء مستقل و نزيه لا يعرف الهاتف ولا التعليمات.
سيهرب بعضهم، سيتبرأ بعضهم، وسيسقط كثيرون. لكن الدولة ستستعيد هيبتها و شرعيتها ، ويستعيد للمواطن ثقته بوطنه و أمته.

ثانياً: إعادة الشرعية إلى السياسة
إذا تم حلّ مؤسسات فقدت مصداقيتها، وأُعيد تشكيل الحياة السياسية على أساس الكفاءة والاستقامة و طاعة اللهورسوله، فإن المغرب سيدخل مرحلة تأسيس سياسي جديدة. أحزاب تقوم على البرامج لا على الولاءات، نقابات تدافع عن العمال لا عن امتيازات قياداتها، إعلام حرّ لا يُباع في سوق الإشهار السياسي.
عندها فقط يصبح الفصل بين السلطة والثروة حقيقة، لا شعارًا انتخابيًا.

ثالثاً: انفراج اقتصادي واجتماعي
استرجاع الأموال المنهوبة كفيل بتمويل إصلاح عميق في التعليم والصحة والتشغيل و السكن. حين تُستعاد مليارات الريع والصفقات المشبوهة، يمكن بناء مستشفيات حقيقية لا واجهات إسمنتية، ومدارس تُخرّج أجيالًا لا جيوشًا من العاطلين.
الفساد ليس فقط سرقة مال؛ إنه سرقة فرص، وسرقة مستقبل.

رابعاً: مخاطر الانتقال
لكن، بكل جرأة، لا يمكن تجاهل أن حملة بهذا الحجم ستواجه مقاومة شرسة من شبكات المصالح. قد تحاول قوى داخلية وخارجية عرقلة المسار. الإصلاح الجذري يحتاج إلى تدرج وحكمة، حتى لا يتحول إلى فراغ مؤسساتي أو اضطراب اقتصادي.
القرآن يحذرنا من الفتنة كما يحذرنا من الظلم:
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: 25)
الإصلاح الشامل يجب أن يكون مضبوطًا بالقانون، محميًا بالقضاء، ومسنودًا بإرادة شعبية واعية.

خامساً: التحول من رعايا إلى مواطنين
إذا نجحت هذه الثورة الأخلاقية، فإن أكبر تحول لن يكون في الأرقام، بل في الوعي. سيشعر المغربي أن كرامته مصونة، وأن صوته مسموع، وأن الوطن ليس ضيعةً خاصة لأحد.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟
هذه ليست مقولة تاريخية، بل برنامج حكم.

في الأخير

لو قاد الملك محمد السادس أمير المؤمنين حملة حقيقية، عادلة، شاملة،وطنية،قوية،لا تستثني أحدًا، وربط المسؤولية بالمحاسبة فعليًا لا شكليًا، فإن المملكة المغربية ستدخل مرحلة جديدة من تاريخها:

مرحلة دولة الحق والقانون، لا دولة الامتيازات.
مرحلة الكفاءة، لا الزبونية.
مرحلة العدالة الاجتماعية، لا اقتصاد الريع.
لكن الإصلاح لا يصنعه شخص واحد مهما علا مقامه؛ تصنعه إرادة جماعية، ومؤسسات قوية، وقضاء مستقل و نزيه ومسؤول، وشعب واعٍ.

والسؤال الحقيقي ليس: ماذا سيحدث لو بدأت الحملة؟
بل: هل نحن جميعًا مستعدون لدفع ثمن العدالة؟

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى

عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى