الدروش يكتب : عندما تصمت الداخلية… الوداديات تكشف عمق الفساد السياسي والانتخابي

ليس من قبيل الصدفة أن يظل ملف الوداديات والجمعيات السكنية في المغرب واحداً من أكثر الملفات تعقيداً، وأكثرها حساسية، وأشدها صمتاً من طرف وزارة الداخلية. فهذا الملف لا يختزل فقط اختلالات في التدبير العقاري أو سوء حكامة جمعوية، بل يخفي في عمقه أكبر شبكات الفساد السياسي والمالي والانتخابي التي راكمت ثروات ونفوذاً تحت غطاء “العمل الاجتماعي”.
فساد منظم تحت غطاء القانون
منذ عقود، تحولت الوداديات السكنية من آلية تضامنية لتيسير الولوج إلى السكن، إلى أدوات للاغتناء غير المشروع، وتبييض المال السياسي، وصناعة الزبونية الانتخابية.
أراضٍ عمومية أو شبه عمومية تُفَوَّت بأثمان رمزية، لوائح منخرطين تُفصَّل على المقاس، مكاتب مسيّرة لا تُنتخب ديمقراطياً، حسابات مالية غامضة، ومشاريع لا ترى النور إلا على الورق.
كل هذا يجري تحت أعين السلطات المحلية والإقليمية، وبتوقيعات رسمية، وبتقارير تُنجز ولا تُفَعَّل، وبشكايات تُركَن في الرفوف.
أين وزارة الداخلية؟
وزارة الداخلية، بحكم اختصاصها القانوني، هي الوصي المباشر على الجمعيات والوداديات، وهي الجهة التي تملك سلطة المراقبة، والتدقيق، والحل، والإحالة على القضاء.
لكن السؤال الجوهري هو:
لماذا لم تُفتح إلى اليوم تحقيقات شاملة، وطنية، مستقلة، في هذا الملف؟
هل لأن الأمر يتعلق فقط بعجز إداري؟
أم لأن الملف متشابك مع منتخبين نافذين، وأعيان انتخابيين، وموظفين كبار، وشبكات مصالح يصعب الاقتراب منها؟
وزير الداخلية والدولة العميقة
حين يُطرح اسم وزير الداخلية في هذا السياق، فإن الأمر لا يتعلق بشخص، بل بموقع سياسي يمثل قلب الدولة العميقة، حيث تتقاطع السلطة بالنفوذ، والإدارة بالسياسة، والأمن بالانتخابات.
والحقيقة المقلقة هي أن السكوت عن هذا الملف لا يمكن قراءته إلا كاختيار سياسي، لا كعجز تقني.
فكيف تُشن حملات ضد بسطاء بسبب بناء عشوائي،
بينما يُترك نهب منظم للعقار والمال العام دون مساءلة؟
كيف تُراقَب جمعيات ثقافية وحقوقية بدقة،
بينما تُمنح الوداديات المشبوهة حصانة غير معلنة؟
فساد انتخابي بامتياز
الوداديات لم تكن فقط مشاريع سكن، بل كانت ولا تزال خزانات انتخابية:
منخرط مقابل وعد بشقة،
صمت مقابل بقعة أرضية،
ولاء سياسي مقابل امتياز عقاري.
وهنا يصبح الفساد خطراً على الديمقراطية نفسها، لأنه يُفرغ الانتخابات من معناها، ويحوّل السكن إلى رشوة مقنّعة، ويجعل وزارة الداخلية شريكاً بالصمت إن لم يكن بالفعل.
الخلاصة: التحقيق ليس خياراً بل واجب دولة
إن فتح تحقيق جدي، شامل، ومستقل في ملف الوداديات والجمعيات السكنية ليس مطلباً سياسياً معارضاً، بل شرطاً من شروط دولة القانون.
وأي استمرار في الصمت، أو التردد، أو التجزئة، هو مشاركة غير مباشرة في حماية الفساد.
الدولة التي تريد استعادة ثقة المواطنين،
والوزارة التي تريد إقناع المغاربة بالحياد والنزاهة،
عليها أن تبدأ من هنا
من هذا الملف بالضبط.
لأن ما خفي في الوداديات، أعظم مما ظهر.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى
عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي





