الدروش يكتب : كأس إفريقيا في المغرب بلا روح ولا شعب

بقلم عزيز الدروش
حين تغيب الدولة والمجتمع معًا عن لحظة قارية مفصلية
وأنت تتجول اليوم في شوارع وأحياء الرباط، العاصمة السياسية للمملكة، لا شيء يوحي بأن المغرب يحتضن تظاهرة إفريقية كبرى بحجم كأس إفريقيا للأمم.
لا ملصقات، لا لافتات، لا جداريات، لا أنشطة موازية، لا حضور رمزي ولا تعبئة شعبية.
فراغ بصري، وصمت مؤسساتي، وبرودة غير مفهومة تجاه حدث كان من المفترض أن يتحول إلى عرس إفريقي شعبي.
هذا الغياب ليس تفصيلاً عابرًا، بل مؤشر فشل جماعي تتحمل مسؤوليته جهات متعددة، في مقدمتها: المجتمع المدني، الأحزاب السياسية، منظماتها الشبيبية، الحكومة، والإعلام.
أين المجتمع المدني؟
أليس هذا هو المجال الطبيعي و الحيوي لما يسمى المجتمع المدني؟
أين الجمعيات الثقافية، الرياضية، الشبابية، الأحياء، الفنون، المسرح، الموسيقى، الجداريات، النقاشات العمومية؟
أم أن المجتمع المدني في المغرب لا يتحرك إلا حين تكون هناك منح، مشاريع ممولة، أو تعليمات فوقية؟
لقد أثبتت هذه المناسبة أن جزءًا كبيرًا مما يسمى مجتمعًا مدنيًا مجرد هياكل ورقية، موسمية، انتهازية، غائبة عن قضايا الفرح الجماعي كما هي غائبة عن قضايا النضال الحقيقي للشعب المغربي.
أين المنظمات الشبيبية للأحزاب؟
أين شبيبة الأحزاب التي تملأ خطاباتها بالكلام عن الشباب والهوية والانفتاح الإفريقي؟
أين المخيمات الحضرية، القوافل، الأنشطة الرمزية، حملات التعبئة، التطوع، النقاشات، الاحتفالات؟
الحقيقة المؤلمة أن هذه المنظمات مفرغة من الروح، بلا استقلالية، بلا مبادرة، وبلا خيال.
وجودها مرتبط بالمواعيد الانتخابية فقط و في خدمة الزعيمالأبدي، أما الوطن حين يحتفل، فهي في عطلة دائمة.
أين الحكومة؟
كيف يعقل أن تستضيف الدولة حدثًا قاريًا بهذا الحجم، دون استراتيجية تواصل شعبي؟
أين وزارة الشباب؟
أين وزارة الثقافة؟
أين وزارة الاتصال؟
أين الجماعات الترابية والعاصمة الإدارية للبلاد؟
هل تنظيم التظاهرات الكبرى يقتصر فقط على الملاعب والكاميرات والبروتوكول، أم أن الرهان الحقيقي هو إشراك المواطن وجعل الحدث ملكًا للشعب؟
ما يقع يؤكد مرة أخرى أن الحكومة الحالية تدبر بلا رؤية، وبلا حس رمزي، وبلا وعي بأهمية القوة الناعمة.
وأين الإعلام؟
الإعلام العمومي والخاص، المكتوب والمرئي، غارق في التفاهة، وفي النقاشات العقيمة، وفي تسويق الرداءة.
لم نرَّ حملات تحسيسية، ولا برامج ميدانية، ولا مواكبة شعبية حقيقية تعكس عمق الحدث الإفريقي.
إعلام بلا رسالة، وبلا انتماء، وبلا طموح وطني.
الخلاصة
ما نعيشه اليوم في الرباط و ربما يعمم على باقي مدن و القرى المغربية ليس فقط غياب ملصقات ولافتات، بل غياب مشروع مجتمعي.
غياب الإحساس بالحدث.
غياب الثقة بين الدولة والمجتمع.
وغياب النخب القادرة على تحويل المناسبات الكبرى إلى لحظات وحدة وطنية ووعي واعتزاز جماعي بالمغربو الانتماءالإفريقي.
كأس إفريقيا كان فرصة لإعادة ربط المغرب بعمقه الإفريقي شعبيًا، لا رسميًا فقط.
لكن الفرصة ضاعت لأن من أوكلت إليهم مهمة التأطير والتعبئة غائبون، عاجزون، أو غير معنيين او خائف من الاحتكاك بالجماهير الشعبية .
وهو فشل لا يجب السكوت عنه.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى
عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي





