
في خضم الجدل المتواصل حول ضعف العدالة الاجتماعية واتساع الفوارق الطبقية، لم يعد النقاش حول الموارد المالية للدولة ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية وأخلاقية. فالسؤال لم يعد فقط: كم نجمع من الأموال؟ بل: كيف نجمعها؟ ولمن تُصرف؟ وبأي منطق؟
ضمن هذا السياق، يبرز مقترح جريء وقابل للنقاش: إحداث صندوق وطني موحد للزكاة والموارد الاجتماعية، يضم الزكاة، وجزءاً من مداخيل الجمارك، وموارد أخرى، في إطار شفاف وخاضع للمساءلة.
أولاً: لماذا صندوق وطني للزكاة؟
الزكاة في المغرب تُؤدى بشكل فردي ومشتت، مما يجعل أثرها محدوداً رغم إمكانياتها الكبيرة. ولو تم تنظيمها ضمن مؤسسة وطنية:
سيتم تجميع موارد مالية ضخمة كانت تضيع في التشتت
يمكن توجيهها بدقة نحو الفئات المستحقة
ستتحول من عمل فردي إلى سياسة عمومية تضامنية
لكن الشرط الأساسي هو:
الثقة… ثم الثقة… ثم الثقة.
ثانياً: توسيع الصندوق ليشمل مداخيل أخرى
الجرأة الحقيقية تكمن هنا:
لماذا لا يتم توسيع هذا الصندوق ليشمل موارد أخرى ذات طابع اجتماعي؟
1. مداخيل الجمارك
جزء من الرسوم الجمركية، خاصة المرتبطة بالسلع الكمالية، يمكن توجيهه مباشرة إلى الصندوق، باعتباره مساهمة غير مباشرة من الاستهلاك الغني لصالح الفئات الهشة.
2. عائدات الثروات الطبيعية
الفوسفاط، الصيد البحري، المقالع…
أليس من حق الشعب أن يرى أثراً مباشراً لهذه الثروات على حياته اليومية؟
3. محاربة الريع والامتيازات
استرجاع الأموال الناتجة عن اقتصاد الريع والامتيازات غير المشروعة، وتوجيهها للصندوق، سيكون خطوة قوية نحو العدالة.
4. التبرعات والوقف
فتح الباب أمام المواطنين والمؤسسات للمساهمة الطوعية، ضمن إطار قانوني شفاف.
ثالثاً: كيف يُدار هذا الصندوق؟
هنا يكمن الفرق بين مشروع إصلاحي حقيقي ومجرد شعار:
هيئة مستقلة تماماً عن الحكومة التنفيذية
رقابة مزدوجة: قضائية وشعبية تقارير علنية دورية
نشر كل المعطيات المالية بشكل مفصل المداخيل والمصاريف
تدقيق سنوي إلزامي من مؤسسات مستقلة
والأهم:
لا مكان للزبونية، ولا للريع، ولا لاستغلال الفقر سياسياً.
رابعاً: في ماذا تُصرف هذه الأموال؟
بمنطق شرعي وأخلاقي وتنموي، يمكن توجيهها إلى:
دعم الفقراء والمحتاجين بشكل مباشر
تمويل العلاج للفئات الهشة
دعم التعليم ومحاربة الهدر المدرسي
خلق مشاريع مدرة للدخل بدل الاكتفاء بالمساعدات
التدخل في الأزمات كوارث، غلاء المعيشة
أي باختصار:
صرفها بما يرضي الله… ويصون كرامة الإنسان.
خامساً: التحدي الحقيقي
المشكل في المغرب ليس في غياب الأفكار، بل في غياب الإرادة السياسية.
فإنشاء صندوق كهذا سيصطدم بـ:
مصالح لوبيات مستفيدة من الوضع الحالي
غياب الشفافية في تدبير المال العام
ضعف الثقة بين المواطن والمؤسسات
لكن في المقابل، نجاحه قد يعني:
استعادة الثقة
تقليص الفوارق الاجتماعية
بناء نموذج مغربي أصيل يجمع بين القيم الإسلامية والعدالة الاجتماعية
خاتمة جريئة
إن إحداث صندوق وطني للزكاة والموارد الاجتماعية ليس مجرد فكرة دينية أو تقنية، بل هو اختبار حقيقي لصدق الدولة في خدمة شعبها.
فإما:
أن تبقى الأموال تدور في فلك الامتيازات واللوبيات…
أو أن تُوجَّه نحو الفقراء والمهمشين، كما أمر الله وكما يقتضي العدل.
لأن الكرامة لا تُمنح… بل تُبنى بالعدل.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.





