العمل الجمعوي بإقليم الجديدة: بين وفرة الهياكل وندرة الأثر

العمل الجمعوي بإقليم الجديدة: بين فوضى التأسيس، تعثر التدبير، وسؤال الأثر المفتقد
كان من المفترض أن يشكل العمل الجمعوي بمدينة الجديدة وإقليمها رافعة أساسية للتنمية المحلية، وفضاءً حيويًا لتجديد الذاكرة الثقافية والاجتماعية لعاصمة دكالة. غير أن الواقع يكشف عن مفارقة لافتة: تضاعف مستمر في عدد الجمعيات المسجلة، يقابله حضور باهت في الميدان وأثر محدود لا يرقى إلى حجم الانتظارات.
لقد تحوّل تأسيس الجمعيات، في كثير من الحالات، إلى غاية في حد ذاته بدل أن يكون وسيلة لخدمة مشروع مجتمعي واضح. ففي ظل ما يمكن وصفه بـ”حمّى التأسيس”، تتوالد الهياكل دون رؤية استراتيجية أو إعداد قانوني وتدبيري محكم. ينطلق الحماس سريعًا، لكن دون تخطيط يضمن الاستمرارية أو يحدد الأولويات التنموية للإقليم. وهكذا تتحول بعض الجمعيات إلى مجرد أرقام في السجلات الإدارية، بلا امتداد فعلي في الواقع.
إلى جانب ذلك، برزت ظاهرة الجمعيات ذات الطابع الموسمي أو النفعي، التي تظهر في مناسبات معينة وتغيب بعدها، أو تُستثمر كواجهة اجتماعية لتحقيق مكاسب شخصية أو رمزية. هذا النمط من الممارسة يُضعف روح التطوع، ويفرغ العمل المدني من قيمته الأخلاقية، ويزرع الشك في جدواه. فالعمل الجمعوي، حين ينفصل عن المصلحة العامة، يفقد مشروعيته المعنوية ويغدو نشاطًا شكليًا بلا مضمون.
وتتعاظم الإشكالات حين يتعلق الأمر بالتدبير. فبعد لحظة التأسيس، تواجه العديد من الجمعيات تحديات إعداد المشاريع، وضبط الحكامة الداخلية، وبناء شراكات حقيقية مع الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات الكبرى التي يزخر بها الإقليم. ضعف الخبرة في التخطيط والتواصل وتدبير الموارد يؤدي في كثير من الأحيان إلى تعثر البرامج، بل وإلى نشوب صراعات داخلية حول القيادة والتمثيلية، فتتحول المبادرات من مشاريع واعدة إلى خلافات مستنزِفة.
كما أن غياب المعايير الواضحة في بعض التجارب، سواء في طرق البحث عن التمويل أو في تنفيذ أنشطة لا تتجاوز الطابع الشكلي، ينعكس سلبًا على صورة المجتمع المدني محليًا. وعندما تتآكل الثقة بين الجمعيات والجهات الداعمة، يصبح الخاسر الأول هو الساكنة التي تنتظر خدمات ومبادرات نوعية تمس حاجياتها الحقيقية.
النتيجة أن حصيلة العمل الجمعوي، رغم كثافة العناوين، تظل دون مستوى الطموح. فمدينة بتاريخ مازاغان العريق وإقليم غني بإمكاناته البشرية والاقتصادية يستحقان دينامية مدنية أكثر نجاعة وتأثيرًا. لا يكفي تنظيم أنشطة متفرقة أو تظاهرات عابرة؛ المطلوب هو مشاريع مستدامة، تلامس قضايا الثقافة والشباب والهشاشة والتنمية المحلية بعمق ومسؤولية.
إن تجديد العمل الجمعوي بإقليم الجديدة لا يمر عبر الإكثار من التأسيس، بل عبر ترسيخ ثقافة التكوين المستمر، وتعزيز مبادئ الحكامة والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما يقتضي الأمر تشجيع الشراكات الحقيقية، والانفتاح على الخبرات، وبناء مشاريع قائمة على تشخيص دقيق لحاجيات الساكنة.
فالجديدة لا تحتاج إلى مزيد من اللافتات، بل إلى مبادرات نوعية تصنع الفرق. تحتاج إلى وعي جمعوي يعتبر الجمعية أداة لخدمة الصالح العام لا وسيلة لتحقيق الامتيازات. حينها فقط يمكن أن يتحول العمل الجمعوي إلى شريان حقيقي للتنمية، وإلى قوة اقتراحية تسهم في بناء إقليم يليق بتاريخه وإمكاناته.





