الفكر بين الابداع والاستهلاك .

بقلم: عبد الرحمن بشير
………………………………………………………………
فى لحظات العيش فى زمن العولمة نلاحظ ثقافة الاستهلاك فى كل شيئ حتى فى عالم الفكر ، هناك من يجلس أمام وسائل الإعلام طويلا ، ويتصفح النت ووسائل الإعلام الحديثة فقط ليجد فكرة أنضجها إنسان آخر ، ولكنه يأخذها بسهولة ، ويستخدمها بلا أدنى مسؤولية أخلاقية ، بل هناك من يدّعى أن تلك الأفكار منه شخصيا ، ومن الناس من يأخذ جلّ معلوماته الفكرية من الصحافة والإعلام ، ويدعى بأنه صار بهذا من أهل الفكر والثقافة ، ولهذا وقعت الواقعة فى عالم الثقافة والفكر ، وهي ظهور طبقة من المثقفين ، ليست من العامة ، وهي آيضا ليست من المثقفين ، فهم أشباه مثقفين ، وكما أن الحياة الاقتصادية اختفت منها الطبقة الوسطى ، أو كادت تختفى ، فهي هكذا فى الحياة الفكرية ، فهناك طبقات من المتعلمين تكاد تختفى من الحياة ، وهما الطبقة الفكرية ( المفكرون والفلاسفة ) ، وطبقة( المثقفين ) ، ومن هنا أصبح المجتمع خاليا من صناع الفكر والثقافة ، والكل يعيش فى عالم الخواء الفكري .
فى هذه اللحظة يدّعى الجميع بأنهم علماء ، والشرط الأساسي لتكون عالم دين هو حفظ المتون ، وعلى رأس ذلك القرآن ، ووضع غترة خليجية على الرؤوس ( العمامة المعاصرة ) ، وإلقاء بعض الدروس فى المساجد ، ووسائل الإعلام الحديثة ، ومحاولة حفظ بعض الأدعية والمأثورات للتبرك ، فقط بهذا الأسلوب يكون إنسان ما عالم دين ، ويصبح كل واحد من الناس محللا فى عالم السياسة ، لأنه يستمع بشكل يومي الإذاعات ، وأصبح مدمنا للجلوس أمام القنوات ، وبهذا يستحق أن يكون محللا سياسيا ، ولدينا من يكتب الكتب ، لأنه يتقن لغة الأم ، ولماذا لا يكون مؤلفا ؟ ولماذا لا يكتب شيئا ليكون بذلك مؤلفا ومفكرا ؟
لقد انقلبت الموازين ، فالناس قبل أربعين عاما من الآن يعرفون فى عالم الفكر أنماطا من المثقفين ، هناك قارئ نهم يمثل مثقفا عاما ، ومثقفا لديه ثقافة عالية يمثل حالة وسط بين المفكر والمثقف العام ، وقد يكتب هذا مقالات فى الصحافة ، ويحاول أن يكتب شيئا فى بعض الأحيان ، ولكنه يعرف قدر نفسه ، وكان فى الساحة مفكرون عظماء ، وأدباء متميزون ، ومن هؤلاء العقاد والرافعي وطه حسين وسيد قطب وغيرهم ، ولكن ما الذى جرى فى الساحة حتى تخلو من العظماء ؟ لماذا اختفت الظواهر الفكرية ؟
فى لحظة من اللحظات برز مفكرون استثنائيون يمثلون حالة من العطاء النوعي ، وهذه النوعية من الحالات الفكرية برزت فى لحظات الأزمة ، فقد ظهر الدكتور المسيري فى الفكر الإنساني ليكون علامة جديدة فى الفكر الإسلامي ، فقد بحث ( الله ) فى الإنسان ، فوجد أن الغرب ضل الطريق ، ومنح الفكر الإسلامي روحا جديدة من التحديات ، ودرس الحالة اليهودية والصهيونية بعقلانية صارمة ، وكذلك العلمانية ، ولكن السؤال ، من هو المفكر الإستثنائي فى هذه اللحظة ؟
المبدعون فى الفكر ، رواحل فى الحياة ولكن !
…………………………………………………………
نحن نلاحظ بأن المبدع يأتى فى لحظة رفض ، فالجميع يرفضون الجديد ، ويرون فيه خطورة على الثوابت ، ويتمسكون بالقشور ، ويحسبون أن الجمود عليها جهاد ونضال ، ولهذا رأينا الناس رفضوا أفكار ابن تيمية التجديدية ، وما زال هناك من يرفضها ، لا لأنها لا تنسجم مع الدين ، ولكنها لا تنسجم مع معتقداته التى يراها هو أنها من الدين ، بل هي الدين ، ولكن ابن تيمية جادل عن فكره ، ودافع عن تجديده الفقهي ، وناقش خصومه بالفكر والفقه ، ومع هذا فقد مات الرجل فى السجن ، لأنه خالف ما عليه الناس ، فقد كان مبدعا حتى وصفه الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي بأنه هو أعظم فيلسوف أنتجته الحضارة الإسلامية .
إن المبدع لا يعيش مع الناس كالناس ، ولكنه يعيش فى الناس ، ولكنه ليس كالناس ، وهنا يبدأ المبدع قلقه الفكري ، فيطرح تساؤلاته عن المسار والمصير ، ويسأل ، لماذا نحن هنا ، ولَم لا نكون هناك ؟
لقد قرأت كتابا حول ( القدر ) للأستاذ الكبير الغنوشي ، ولكن الغنوشي بحث المسألة فى فلسفة ابن تيمية ، وطرح السؤال ، هل الإنسان هو المسؤول عن مصيره ؟ وأين الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة فى هذا المبحث ؟ وما قال ابن تيمية فى المسألة ؟ أين وضع قدماه ؟ هل هو مع الاشاعرة ؟ أم هو مع المعتزلة ؟ أم شق طريقا جديدا ؟
فى هذا الكتاب المتميز تجد فيه إبداعا من نوع جديد ، تجد التساؤلات التى طرحه الغنوشي جديدة ، ومن هنا كانت فكرة الكتاب مبدعة ( القدر عند ابن تيمية ) ، ولكن الكتاب ليس بحثا عن القدر فى فكر ابن تيمية فقط ، بل هو رحلة عميقة فى الفكر الإنساني ، وبحث حول الحرية وتجلياتها ، ونجد فى داخل الكتاب دراسة جادة حول مسألة الحرية التى تمثل العمود الفقري فى الفكر الإنساني ، ونجد كذلك فى الكتاب إبداعات ابن تيمية فى النقاش الفكري والفلسفي مع الاتجاهات ، فالكتاب مثّل لحظة ما رحلة ابداعية فى العقل الفلسفي الكبير الذى حسب الكثير من السلفيين أنه ليس فيلسوفا ، ولكنى وجدت من خلال قراءتى لكتاب نقض المنطق أن ابن تيمية لديه نظرية متكاملة فى المعرفة نستطيع أن نسميها ( فلسفة المعرفة ) عند ابن تيمية رحمه الله .
فى العصر الحديث ، وفى هذه اللحظة المأزومة يرى الدكتور أبو يعرب المرزوقي أنه حاول أن يقرأ القرآن من جديد ، ولكنه وجد أن الكتاب العزيز مثل أمامه فى لحظة ما ( فوضى ) كبيرة ، ولَم يستطع أن يتعامل معه بشكل منهجي ، فبدأ يطرح سؤالا منهجيا ، كيف أتعامل مع القرآن ؟ وأنا ارى فيه الفوضى كما قال مرة ، ومن هنا ، وبعد رحلة عميقة وطويلة عرف كيف يخرج من الحيرة الفكرية ، فتعامل مع القرآن وكأنه ( ظاهرة طبيعية ) ومن هنا بدأ يبحث عن النظام الموجود وراء النص القرآني ، فأبدع نظرية شبه متكاملة مع النص لفهم النظام الموجود فى القرآن ، وما زال الرجل يكتب هذه التجربة التى وجدها أثناء وجوده فى ماليزيا ليخرج من الحيرة الفلسفية أمام القرآن إلى الطمأنينية النفسية والفلسفية ، وهذه رحلة غير عادية ، ومن هنا فهو ليس مستهلكا ،بل هو مبدع فى عالم الفكرة ،ويمثل بهذا واحدا من أهم الرواحل فى عالم الفكر والفلسفة .
فى المغرب العربي حالة استثنائية إسلامية من الابداع ، ويمثل هذه الحالة خير تمثيل الدكتور سعد الدين العثماني ، المفكر السياسي ، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ، ورئيس الحكومة السابق ولديه مؤلفات نوعية تدل على عمق الفكر من جانب ، وعلى التجديد والإبداع من جانب آخر ، فقد أضاف إلى المكتبة الإسلامية كتبا فيها خصوبة فكرية ، وثراء معرفي ومن هذه الكتب ( فقه المشاركة السياسية عند شيخ الإسلام ابن تيمية ) ، وفى ( فقه الحوار ) ، ومن أهم ما أنتجه الرجل فى هذا الإطار كتابه القيم فى فقه السياسة ( تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالإمامة : الدلالات المنهجية والتشريعية ) ، وهو عندى يمثل ظاهرة القرافى ، صاحب الفروق فى العصر الحديث ، ونجد إلى جانب ذلك المفكر الفقيه ، والمقاصدي الكبير الدكتور الريسوني ، صاحب كتاب ( نظرية المقاصد عند الشاطبي ) ، ونظرية ( التقريب والتغليب وتطبيقاتها فى العلوم الإسلامية ) ، وهو بحق يعتبر ظاهرة فريدة فى هذا العصر ، ومجدد حقيقي للمقاصد كفكرة ، ولا نستطيع أن ننسى المفكر والمتخصص فى اللسانيات الدكتور ابو زيد المقرئ الإدريسي ، وغيرهم من المفكرين فى المغرب .
إن المغرب كمنطقة ما زالت تمثل رافدا جديدا للفكر الإسلامي ، وبهذا تقوم هذه المنطقة تعاند التصحر الفكري ، والتحجر العقلي ، ومن المفكرين الذين يمثلون حالات نادرة فى الإبداع فى هذه المرحلة الدكتور محمد المختار الشنقيطي ، ويعيش فى هذه المرحلة حالة من التألق الفكري ، وقد أنتج كتبا عدة يمثل كتابه ( الأزمة الدستورية فى الحضارة الإسلامية ) من أعظم إنتاجاته وإبداعاته ، ولدينا أيضا مفكرون من المدرسة السلفية المعاصرة أنتجوا وأضافوا ، ومن هؤلاء المفكر الكويتي الدكتور حاكم المطيري ، صاحب كتاب ( الحرية أو الطوفان ) ، ويمثل هذا الكتاب قراءة جديدة للفقه السياسي الإسلامي ، وله كتاب جليل ، وقريب من الأول ، ولكنه أكثر عمقا فى بعض الجوانب وهو ( تحرير الإنسان ، وتجريد الطغيان ) ، ولديه كتاب مبدع فى باب الحرية ( عبيد بلا أغلال ) .
فى الفكر السلفي كذلك تجديد وإبداع ، إضافة وتجاوز ، ومن القراءات الجادة والواعدة ما كتبه المفكران الشابان ، الأستاذ أحمد سالم ، وعمرو بسيوني فى كتابهما القيم ( ما بعد السلفية ) ويعتبر هذا الكتاب قراءة نقدية للخطاب السلفي المعاصر ، وهذه القراءة النقدية أتت من الداخل ، وتحمل فى طياتها مشروعا واعدا يتجاوز الأزمة الفكرية التى تعاني المدرسة السلفية بعقلية سلفية منهجية ومبدعة .
لا حل لمشكلة الاستهلاك الفكري إلا من خلال ممارسة اجتهاد حقيقي يقوم على النقد ، ولكن ليس لأجل النقد فقط ، بل لأجل الإصلاح ، وهذا يتطلب إلى إيجاد منهجية صارمة فى التعامل مع الموجود بعقلية نقدية ، ولكن النقد الموضوعي ، والذى يساعد فى تطوير الفكر ، وتحديث آليات الاجتهاد ، وتفعيل الابداع ، حينها تبدأ الأمة تتحرر من القيود والأغلال ، وتنطلق إلى فتح الآفاق من جديد .
إن الخوف من الجديد كالخوف من القديم ، فلا قداسة للقديم إلا ما كان نصا قرآنيا ، أو نبويا صحيحا ، ولا قداسة للجديد إلا ما كان رؤية علمية ثابتة ، أو فكرا صائبا ، ولهذا فلا بد من إعمال العقل كما دعا سابقا إلى ذلك الدكتور لؤى صافي .
فى الفكر السياسي الإسلامي مدارس مهمة لم يستفد منها العقل المسلم بعد بالشكل الصحيح والمطلوب ، وخاصة فى زمن الصمت والتراجع ، ومن هذه المدارس مدرسة الإمام عبد السلام ياسين في المغرب ، والتى تجمع بين اليقظة الروحية ، والفكر التنظيمي ، والاستعداد للمستقبل ، والخروج من عالم المادة إلي عالم الروح والفكر ، وهذه المدرسة مهمة في هذه اللحظة الخطيرة من العمل الإسلامي المعاصر ، وكذلك نحن بحاجة إلى قراءة نوعية لتراث الإمام بعيدا عن الصراعات الفكرية التي قد تشوش علي القارئ فى معرفة الحقائق .
فى هذه اللحظة الصعبة من تاريخ اليقظة الإسلامية نحتاج إلي ثلاثة أمور ، القراءة الواسعة والعميقة للفقه والفكر معا ، وإلي تجاوز مطبات التراث بعقل مرن ومنهجي ، وإلي استيعاب الفكر الغربي بعيدا عن التبني والتجاوز ، فالذين لا يملكون القراءة الواسعة والعميقة للفقه والفكر يكررون ذواتهم بدون معرفة موضوعية ، والذين يعيشون في التراث وحده ، يبقون فى التاريخ بلا وعي ، والذين لا يستوعبون الفكر الغربي بوعي يغتربون عن الذات ، ويعيشون فى المكان الخطأ ، والغربة دوما تكمن في العيش فى المكان الخطأ ، وفى الزمان الخطأ .
يقول نعومي تشومسكي : عامة الشعب لا يعرفون ما يحدث ، ولايعرفون حتى أنهم لا يعرفون ، وأقول : إن بعض المتعلمين في هذا الزمن لا يعرفون ما الذي يجري ؟ بل لا يعرفون أنهم لا يعرفون ، وأخطر من ذلك أن بعض صانعي العقول يعيشون في جهالة كاملة ، ومع هذا يظنون أنهم يعرفون ، والمشكلة ليست في المعرفة ، بل هي في الوعي





