24 ساعةالواجهةمجرد رأي

بين التعزية عن بُعد والحضور الميداني: حين تُقاس المسؤولية السياسية بالمسافة من الشعب

بين التعزية عن بُعد والحضور الميداني: حين تُقاس المسؤولية السياسية بالمسافة من الشعب

يعبّر هذا المقال عن إحساس آخذ في الاتساع لدى فئات واسعة من المغاربة، إحساس بوجود مسافة متنامية بين المواطن ومن يفترض أنه يمثله سياسياً ويدافع عن مصالحه في لحظات الرخاء كما في أوقات الشدة. هذا الإحساس تجدد بقوة مع طريقة تفاعل رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش مع إحدى الفواجع، حيث اكتفى بتقديم التعازي من الرباط، في مقابل مشهد مغاير تماماً لرئيس حكومة إسبانيا الذي شدّ الرحال إلى فالنسيا، نزل إلى الميدان وسط الفيضانات، ووقف بين المتضررين مواسياً ومتضامناً.

ليست هذه المقارنة شكلية أو بحثاً عن الإثارة الإعلامية، بل هي مقارنة في جوهر الفعل السياسي ومعناه الإنساني. ففي لحظات الأزمات، لا ينتظر المواطن بلاغات رسمية مصاغة بعناية بقدر ما ينتظر إشارة إنسانية تؤكد له أن الدولة حاضرة، قريبة، تشعر بآلامه ولا تكتفي بإدارتها من خلف المكاتب؛ حضور المسؤول إلى عين المكان، حتى وإن كان رمزياً، يحمل رسالة قوية مفادها أن المواطنين ليسوا مجرد أرقام في تقارير، بل بشر لهم كرامة ومعاناة تستحق الإنصات والمواساة.

غياب هذا الحضور يُفسَّر لدى كثيرين على أنه شكل من أشكال القطيعة بين الحاكم والمحكوم، أو على الأقل لا مبالاة تُغذّي الشعور بانفصال النخبة السياسية عن واقع الناس اليومي، وهو ما يعمّق الإحساس بالهشاشة السياسية والاجتماعية، ويجعل المواطن يشعر وكأنه متروك لمصيره، يعيش على الهامش، في صورة عبّر عنها المثل الشعبي القاسي: “كعيشة الذبانة في البطانة”.

إن مثل هذا النقد لا يهدف إلى الهدم أو تبني خطاب عدمي، بقدر ما هو دعوة صريحة إلى إعادة التفكير في معنى المسؤولية السياسية وحدودها، فالحكم ليس فقط تدبيراً تقنياً أو أرقاماً اقتصادية، بل هو قبل كل شيء علاقة ثقة تُبنى بالفعل والحضور، وبالقدرة على مشاركة الشعب أفراحه وأحزانه، فالثقة، كما يثبت الواقع، لا تُصنع من وراء المكاتب، بل تُصاغ في الميدان، بين الناس، حيث تُختبر إنسانية السياسة قبل فعاليتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى