بين “حطين” و”بغداد” و”طهران”: قراءة استراتيجية في تحولات “الاستشراق الصدامي” والبعث الجديد للحروب الصليبية

بقلم: د. عبد اللطيف مشرف
أستاذ مساعد التاريخ السياسي – جامعة ماردين آرتوكلو.

إن المشهد الراهن في الصراع مع الدولة الإيرانية لا يمكن اختزاله في تدافع سياسي عابر، بل هو امتداد لبنية فكرية وعقائدية تضرب بجذورها في أعماق التاريخ. إن ما نشهده اليوم هو إعادة إنتاج للمركزية الغربية في مواجهة “الشرق”، بصبغة استراتيجية حديثة. ويمكن تأطير هذا التحول وفق الرؤية التاريخية والسياسية التالية:
أولاً: “البُعد العقائدي” وامتداد الروح الصليبية:
لا ينفصل العقل الاستراتيجي الصهيو-أمريكي في منطلقاته عن أدبيات “الحروب الصليبية” التي لم تكن مجرد حملات عسكرية، بل كانت محاولات لاستئصال أي “مركز قوة” إسلامي يهدد الهيمنة الغربية على الأماكن المقدسة والطرق التجارية. اليوم، يتم استدعاء ذات الروح تحت مسميات “نشر الديمقراطية” أو “مكافحة الإرهاب”، لكن الجوهر يظل “حروباً استباقية” لمنع انبعاث أي قطب إسلامي (سواء كان في بغداد سابقاً أو طهران حالياً) يمتلك القدرة على تغيير “ستاتيكو” المنطقة لصالح الشعوب الإسلامية.
ثانياً: استراتيجية “التآكل الذاتي” وإحياء فتن التاريخ:
كما استغلت الممالك الصليبية قديماً التشرذم بين السلاجقة والفاطميين للبقاء والتمدد، يعمد التحالف الغربي اليوم إلى تحويل الصراع من (إسلامي-صهيوني) إلى (إسلامي-إسلامي). إن المراهنة على الصدع السني-الشيعي، والنفخ في كير القومية (عرب وفرس)، ليس إلا تكتيكاً لاستنزاف المكون المسلم مادياً وبشرياً، مما يجعل “العدو المفترض” يسقط من الداخل بجهد أبنائه، وهو أرخص أنواع الحروب وأعلاها عائداً للغرب.
ثالثاً: تماثل “السيناريو” بين احتلال العراق وحصار إيران:
هناك تطابق بنيوي في “البروباغندا” الغربية تجاه العراق (2003) وإيران اليوم؛ فكلاهما صُنّفا كـ “محور للشر”، وكلاهما اتُّهما بامتلاك أسلحة دمار شامل (النووي الإيراني مقابل الكيماوي العراقي). الهدف الجوهري في الحالتين لم يكن السلاح بحد ذاته، بل “تفكيك الدولة المركزية القوية” التي تشكل خطراً وجودياً على أمن إسرائيل. فسقوط بغداد كان لإزاحة حارس البوابة الشرقية، ومحاولة إسقاط طهران اليوم تهدف لإنهاء “العمق الاستراتيجي” الذي يرفد المقاومة في فلسطين ولبنان.
رابعاً: “إسرائيل” كبوصلة للمحرك الاستعماري:
تثبت التجربة التاريخية أن أي نظام إقليمي يسعى لامتلاك “السيادة التكنولوجية” أو “الاستقلال العسكري” يُحكم عليه بالإعدام غريباً. فالصراع ليس على “الديمقراطية” بل على “التفوق النوعي الإسرائيلي”. لذا، يتم استخدام التحالفات الدولية كغطاء شرعي لضرب أي مشروع نهضوي إقليمي، تماماً كما كانت البابوية تمنح الشرعية لملوك أوروبا في حملاتهم لتفتيت الجغرافيا الإسلامية المتصلة.
خامساً: فلسفة “الصبر التاريخي” في مواجهة “الفوضى المدارة”:
في حين يراهن الغرب على التكنولوجيا والضربات الخاطفة، تراهن إيران على “أنطولوجيا السجاد”؛ وهي استراتيجية تعتمد على حياكة المصالح غرزة تلو الأخرى بصبر يقيني. الإيرانيون يدركون أن الجغرافيا باقية والمحتل زائل، لذا يستخدمون “الغموض النووي” كدرع ليس فقط عسكرياً، بل عقائدياً وسياسياً لمناورة “إدارة الفوضى” التي تحاول واشنطن فرضها. فامتلاك 460 كجم من اليورانيوم المخصب ليس مجرد رقم تقني، بل هو “رسالة ردع” لم تكن تمتلكها بغداد في لحظة الصدام الأخير.
سادساً: مآلات الصراع.. الجغرافيا مقابل التقنية:
إن التاريخ يعلمنا أن الحروب التي تُبنى على “أساطير عقائدية” (كالصهيونية أو الصليبية) غالباً ما تنتهي بالانكسار أمام “حقائق الأرض”. فإذا كانت التكنولوجيا الغربية تمنح التفوق في الجو، فإن “الجغرافيا والتاريخ” يمنحان السيادة على الأرض. والرهان الصهيو-أمريكي على تفتيت المكونات العرقية قد يرتد وبالاً عليه، إذا ما استطاعت القوى الإقليمية استيعاب الدرس التاريخي للعراق، وإدراك أن “الشرق الأوسط الجديد” المقترح ليس إلا زنزانة جغرافية كبرى تخدم المركز الإسرائيلي.





