بين شرعية النص وشرعية القبول العدول في مواجهة منطق الفرض


في لحظة مفصلية من مسار تنظيم مهنة العدول، برزت وقفة الرباط الأخيرة بوصفها تعبيراً مكثفاً عن أزمة أعمق من مجرد اختلاف حول مقتضيات قانونية. فقد تحولت هذه الوقفة، التي شارك فيها عدول من مختلف جهات المملكة، من بينهم عدول العيون، إلى فعل احتجاجي يحمل أبعاداً مهنية ومؤسساتية، ويطرح بإلحاح سؤال الشرعية: هل يكفي أن يُصادق على القانون ليكون مشروعاً، أم أن قبوله من قبل المعنيين شرط لا يقل أهمية؟
إن القراءة المتأنية لهذا الحراك تكشف أنه لا يتعلق برفض جزئي لبنود تقنية، بل برفض منهجي لمقاربة تشريعية وُصفت بالإقصائية. فإقصاء الفاعلين المهنيين من مراحل إعداد النص القانوني لا يفرغ فقط مبدأ التشاركية من مضمونه، بل يُضعف أيضاً قابلية هذا النص للتنزيل الفعلي.
ذلك أن القاعدة القانونية، في بعدها السوسيومهني، لا تكتسب فعاليتها من قوتها الإلزامية فحسب، بل من درجة انخراط المعنيين بها في صياغتها وقبولها.
وقد عكس حضور عدول العيون في هذه الوقفة بُعداً دالاً، يتجاوز الجغرافيا نحو وحدة الموقف المهني. فالمسألة لم تعد ترتبط بتمثيلية جهة دون أخرى، بل باتت تعبيراً عن وعي جماعي بأن مسار الإصلاح، حين يُبنى خارج منطق التشاور، يتحول إلى مصدر توتر بدل أن يكون أداة تحديث.
وفي هذا السياق، تبرز مفارقة لافتة: استمرار المسار التشريعي، بعد مصادقة مجلس النواب، في مقابل تصاعد الرفض داخل الجسم المهني. هذه المفارقة تطرح إشكالية التوازن بين الشرعية المؤسساتية والشرعية التوافقية، خاصة في القطاعات التي تتطلب درجة عالية من الانخراط المهني لضمان حسن التطبيق.
إن التلويح بخيارات تصعيدية من قبل العدول لا ينبغي قراءته كتصعيد ظرفي، بل كمؤشر على انسداد قنوات الوساطة والحوار. فالتجارب المقارنة في إصلاح المهن القانونية تؤكد أن غياب المقاربة التشاركية غالباً ما يؤدي إلى تعثر الإصلاحات، أو إلى إنتاج نصوص تظل محدودة الأثر رغم قوتها القانونية.
وعليه، فإن الرهان الحقيقي في هذه المرحلة لا يكمن فقط في استكمال المسطرة التشريعية، بل في إعادة بناء الثقة بين السلطة التنظيمية والفاعل المهني. وهو ما يقتضي الانتقال من منطق “تمرير النص” إلى منطق “إنتاج التوافق”، باعتباره المدخل الأساسي لأي إصلاح مستدام.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن ما يجري اليوم ليس مجرد لحظة احتجاج، بل اختبار فعلي لمدى قدرة السياسات العمومية على استيعاب الفاعلين وإدماجهم في دينامية الإصلاح. فإما أن يُعاد تصحيح المسار عبر حوار جاد ومسؤول، أو أن يستمر التوتر كعنوان لمرحلة يُفترض أنها مرحلة تحديث.





