
مسرور المراكشي :
_ هدم مساكن (المساكين )في المدينة القديمة :
في وقت انشغال كل الشعب المغربي من الشمال إلى الجنوب، بمتابعة ” الكان” تقوم سلطات البيضاء بـ( تسلل) مفضوح و واضح، حيث شرعت في هدم بيوت ساكنة المدينة القديمة، دون مراعاة للظروف الجوية من مطر وبرد، ولم تعر اهتماما لمن يتابع دراسته ونحن في عز الموسم الدراسي، تكتفي السلطات مشكورة بتسليم ورقة لمن هدمت منازلهم، و تعطيهم و عدا يمنحهم سكنا لائقا في المستقبل”القريب”، و نحن نعيش هذه الأيام ياحسرة ذكرى تسليم وثيقة المطالبة بالاستقلال، فهل هذا هو جزاء أبناء المدينة القديمة معقل الوطنيين الشرفاء؟ الذين ضحى أسلافهم بالدماء و النفوس، من أجل أن ينعم هذا الشعب بالحرية و الاستقلال، لقد كانت دروب المدينة القديمة وأزقتها الضيقة مصيدة للخونة، و كمائن محكمة لضباط جيش الاحتلال الفرنسي، في باب مراكش المدينة القديمة توجد زنقة موحا و سعيد، مهددة هي كذلك بالهدم وهي تحمل اسم المقاوم موحا و سعيد، و يذكرنا هذا الإسم بأيقونة الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي، في جبال الأطلس الشامخة موحا و حمو الزياني، أكيد أن الشعب يذكر هؤلاء المقاومين بكل خير، والسؤال المطروح هو هل تذكرهم سلطات البيضاء أم نسيتهم..؟ ويكفي فقط العودة إلى أرشيف التلفزة المغربية، زمن التصوير بالأبيض والأسود لتشاهدوا فرحة ساكنة المدينة القديمة، بعد عودة السلطان محمد الخامس بطل التحرير رحمه الله من المنفى، واليوم تدوس سلطات البيضاء على هذا التاريخ المجيد بالأحذيه، كان عليهم إيجاد حل معقول قبل الشروع في مباشرة أعمال الهدم، صونا لكرامة سكان أحياء المدينة القديمة المجاهدة، لأن مسألة الهدم شيء سهل يكفي فقط بضع جرافات، مع حشد قوات عمومية ثم عملية ( اضرب طيح)، بعد ذلك تكون المهمة قد أنجزت بالتمام و الكمال ولله الحمد، و كونوا على يقين أن بالمعطي يبيت هذه الليلة في العراء، لأن السلطات في مثل هذه المهام لا تمزح ولا تماطل كما هي العادة..!! لكن سرعة الهدم يجب أن تقابلها سرعة البناء، وهذا هو الامتحان الذي تفشل فيه دائما السلطات و هنا المشكل، حيث تلعب عندها السلطة مع المواطنين فصولا من المسرحية الهزلية ( سير حتى تجي )… بعد أن تسلم ورقة و وعدا شفويا بمنحهم سكنا لائقا في أقرب الآجال…على رأي الجمهور سير.. سير… سير حتى تتجي…
_ تفعيل قضية” الحيلة احسن من العار” :
كنت دائما أدخل في نقاش حاد مع بعض الأصدقاء، و في الغالب يتحول إلى جدال من نوع ( شد لي نقطع ليك )، حول موضوع كرة القدم والسياسة فهل هي مجرد لعبة بريئة، أم مسكن سياسي واجتماعي يستعمل لأغراض تتجاوز الرياضة..؟ وتنتهي معركة النقاش كالعادة بالتعادل لا غالب ولا مغلوب، دون أن يستطيع الأصدقاء إقناعي بأنها مخدر، حيث كنت أدافع بشراسة عن وجهة النظر الرسمية، بأنها مجرد لعبة بعيدة عن السياسة، وأنها تساهم في إنعاش السياحة و تقوية اللحمة الوطنية..، لكن ما قامت به سلطات الدار البيضاء غير قناعاتي إلى الأبد، وأصبحت على قناعة بأن كرة القدم فيها الكثير من السياسة، بل هي السياسة بعينها لكن تمارس بطرق ملتوية، الحكاية ابتدأت عندما قررت السلطات هدم أحياء من المدينة القديمة، التي تغنى بها الفنان الرائع نعمان لحلو ( واش اعقلتي على ذاك الدار اللي فالمدينة القديمة)، المهم أن السلطة (ما عقلاتش عليها) و خططت لهدم ديك الدار أو زادت حتى لمدينة لقديمة، في رأيي الخطة المحبوكة أو”الحيلة” كما يقول المغاربة ( القالب )، هي استغلال انشغال الجماهير بـمتابعة مباريات كأس إفريقيا، بعد أن نصبت لهم السلطات مشكورة أربع شاشات عملاقة، في مناطق استراتيجية ليتمتع الجمهور بمتابعة مباريات “الكان”، ثم قامت بـ( تسلل) غادر لهدم مساكن المساكين دون استحياء، في تناقض عجيب مضحك ومبكي في نفس الوقت، بين مشهد فرح و ابتهاج قرب ساحة لحمام، و مشهد حزين كئيب في أحياء المدينة القديمة بباب مراكش، فكلما سجل المنتخب الوطني هدفا إلا و تعالت صيحات الفرح، حيث يكون عناق حار بين الجماهير ودموع الفرح بعد الفوز، في حين يكون في المقابل بكاء و عويل كلما سقط منزل، ويكون كذلك عناق بين الجيران أقرب إلى العزاء والمواساة، هكذا نجد صورتان في قمة التناقض بمدينة الدار البيضاء الكبرى….
_ خلاصة :
بداية إن استغلال السلطات مباريات “الكان” لتسريع عملية الهدم، أمر غير مقبول لأن استعمال القوة و الحيل بدل إيجاد الحلول، يعد انتهازية تضر بسمعة الكرة وبالضبط تأييد المنتخب الوطني، في نظري لو سألت من هدمت داره و تشردت عائلته، عن رأيه في مباريات ” الكان ” لقال لك : ( ليذهب المنتخب و الكأس إلى الجحيم)، ناهيك عن رأيه في تنظيم مونديال 2030 ببلادنا، إن الدول التي تحترم شعبها و تحترم نفسها تحافظ على ثراتها، سواء المادي أو المعنوي ولا تسمح بتدمير الأماكن التاريخية مهما كان، هل نريد مدينة البيضاء بلا هوية وبلا تاريخ، فقط مطاعم و حانات و مراقص و حدائق وطرق التفافية وغير ذلك، لتأتي” الدرون ” من فوق و تأخذ مشاهد جوية تدعم ملف التنظيم، لنقول بعد ذلك للعالم أننا نستحق تنظيم كأس العالم، طيب السلطات حرة في تنظيم ما تشاء من تظاهرات، لكن عليها مراعاة حقوق المواطنين أولا وإيجاد حلول معقولة لهم، بدل هدم المنازل و ترك الناس يتدبرون أمورهم كيفما اتفق، يقول المثل المغربي 🙁 إلى طلقتها لا توريها دار اباها )، لقد تغير اليوم هذا المثل بسبب التصرف الأرعن لسلطات البيضاء، بعد هدم منزل العائلة وأصبح المثل هو : ( إلى طلقتها بني ليها دار اباها)…





