تشريد أسر في عز الشتاء… حين تتحول الحداثة إلى قسوة إجتماعية

بقلم ذ. بوشعيب منتاجي
في مشهد لاإنساني مؤلم، وجدت عائلات بالمدينة القديمة بالدار البيضاء خاصة درب بوطويل ودرب كاشبار و… نفسها، خلال ليالٍ باردة وتحت أمطار غزيرة، خارج بيوتها دون سابق إنذار، في واقعة تعيد إلى الواجهة سؤال التوازن بين متطلبات التهيئة الحضرية وحق المواطنين في السكن الآمن.
ففي ظرف زمني وجيز، إنهارت ذاكرة أسر بأكملها ،منازل كانت تختزن سنوات من العيش المشترك، دفاتر مدرسية لم تستكمل صفحاتها، وصور عائلية توثق لحظات دافئة أصبحت اليوم مجرد ذكريات ضائعة. أما الأطفال، فقد وجدوا أنفسهم فجأة خارج فضاء الأمان، محرومين من أبسط حقوقهم، وعلى رأسها الإستقرار النفسي والإجتماعي.
وتزداد حدة المأساة لكون هذه الأحداث تزامنت مع منتصف الموسم الدراسي، حيث تحول أطفال الأمس من تلاميذ داخل الفصول الدراسية إلى أطفال عرضة للتشرد، في ظل غياب مأوى يقيهم برد الشتاء، وواقع قاسٍ يطرح تساؤلات عميقة حول قدرتهم على الإستمرار في التحصيل الدراسي وهم يجهلون أين سيقضون ليلتهم.
وفي ظل الإرتفاع المهول لأسعار الإيجار، تضيق الخيارات أمام هذه الأسر الهشة، التي تجد نفسها محاصَرة بين واقع إقتصادي خانق وغياب بدائل تحمي كرامتها. فلا مأوى يضمن الحد الأدنى من العيش الكريم، ولا دعم كاف يخفف من حدة الصدمة، ما يجعل الفئات الضعيفة أول من يدفع ثمن التوسع العمراني .
ولا يختلف إثنان على أن التغيير والتحديث ضرورة ملحة، غير أن من حقنا أن نتساءل : أي تنمية تلك التي تنجز على حساب الفئات الهشة ؟ وأيُّ تقدم يقصي الأطفال والأسر الضعيفة من معادلة العدالة الإجتماعية ؟
إن بناء الوطن لا يقاس فقط بما يشيد من إسمنت وحديد، بل بقدرته على حماية أضعف مكوناته، وضمان كرامة مواطنيه، خاصة في لحظات الشدة … فالوطن الذي يترك أبناءه يواجهون البرد والتشرد، مهما بلغت مظاهر حداثته، إنما يرسم ملامح مستقبل يفتقر إلى الدفئ وإلى الأمل.





