“جمعيات الآباء بين الدعم والمساس بالاختصاصات… أين تنتهي الشراكة وتبدأ السلطة؟”

في المشهد التربوي بالمغرب، تبرز جمعيات آباء وأمهات وأولياء التلاميذ كأحد أبرز مكونات الحياة المدرسية، باعتبارها حلقة وصل بين الأسرة والإدارة التربوية، وصوتًا معبرًا عن تطلعات أولياء الأمور وانتظاراتهم. لكن، ومع أهمية هذا الدور، يطفو على السطح سؤال محوري: إلى أي حد يمكن لهذه الجمعيات التدخل في شؤون المدرسة؟ ومتى يتحول الدعم إلى تجاوز للصلاحيات؟
هذا التساؤل يعود إلى الواجهة مع تزايد الشكاوى في عدد من المؤسسات التعليمية، حيث يتحدث بعض الآباء والتلاميذ عن تدخل جمعيات الآباء في التسجيل أو الطرد أو حتى القرارات التربوية، وهي أمور يصفها المربون والخبراء بأنها تجاوز للقوانين المنظمة ومساس بسلطة الإدارة التربوية.
من أولى الإشكالات التي تُثار، مسألة تسجيل التلاميذ أو منع تسجيلهم.
القوانين المنظمة واضحة في هذا الباب: الجمعية لا تمتلك أي سلطة قانونية لتسجيل أو منع تسجيل أي تلميذ.… التسجيل… صلاحية حصرية للإدارة
فالتسجيل والإشراف على الانتقال بين المؤسسات التعليمية هو اختصاص حصري للإدارة التربوية تحت إشراف المديرية الإقليمية.
ورغم ذلك، قد تقوم بعض الجمعيات بدور مساند أو وسيط، كتشجيع الأسر على تسجيل بناتهم في العالم القروي، أو مرافقة بعض الحالات الاجتماعية الهشة، مثل الأيتام أو أبناء الأسر المعوزة. لكن هذا الدور يبقى استشارياً وتحفيزياً، وليس قرارياً أو تنفيذياً.
فالإدارة، بمقتضى القوانين، هي صاحبة الكلمة الأخيرة، وأي تدخل مباشر من الجمعية في التسجيل يعد خرقًا للقانون ومصدرًا للفوضى والنزاع.
فالجمعيات، مهما كان رأيها أو حرصها على مصلحة المدرسة، لا يحق لها قانونياً إصدار قرار بطرد أي تلميذ، فذلك شأن داخلي محكوم بمساطر دقيقة تحددها المذكرات الوزارية.
ويصدر قرار الطرد، إذا اقتضى الأمر، عن:
- مجلس القسم أو مجلس التدبير بعد دراسة الحالة.
- مدير المؤسسة في حالات محددة وبعد استشارة السلطات التربوية.
أما الجمعية، فدورها ينحصر في:
- حضور اجتماعات المجالس بصفتها ممثلاً للأسر.
- التعبير عن رأيها والدفاع عن مصلحة التلميذ.
لكن دون أن تتحول إلى سلطة إدارية تصدر القرارات أو تنفذها.
للتوضيح، فالجمعية ليست كيانًا شكليًا، بل لها أدوار مهمة وحيوية، أبرزها:
- التواصل والدعم التربوي
- تعزيز جسور الحوار بين الأسر والإدارة.
- مواكبة التلاميذ وحل بعض مشاكلهم الاجتماعية.
- المشاركة في أنشطة ثقافية وتربوية ورياضية.
- الدعم المادي واللوجستيكي
- المساهمة في تجهيز وصيانة المدرسة.
- دعم الأنشطة والمبادرات المدرسية.
- جلب شراكات وموارد إضافية للمؤسسة.
- المرافعة عن مصلحة التلاميذ
- الدفاع عن حقوق التلاميذ لدى السلطات المحلية والجهوية.
- العمل كقوة اقتراح وشريك في مجالس التدبير.
هذه المهام تجعل الجمعية عنصرًا أساسيًا في المنظومة التعليمية، لكنها في المقابل مطالبة بالالتزام بحدود دورها، حتى لا تتحول الشراكة إلى صراع نفوذ.
خطوط حمراء يجب احترامها
القوانين المنظمة حددت بوضوح ما لا يجب على الجمعية التدخل فيه، ومن ذلك:
- قرارات التسجيل والانتقال بين المؤسسات.
- إصدار عقوبات تأديبية أو قرارات طرد.
- التدخل في جداول الحصص أو تكليفات الأساتذة.
- تسيير الشؤون المالية والإدارية للمؤسسة بشكل مباشر.
فالجمعية شريك، وليست بديلاً عن الإدارة. وأي تجاوز لهذه الحدود يُدخل الأطراف في صراعات ويؤثر سلبًا على مصلحة التلاميذ.
بين الواقع والمأمول
واقع بعض المدارس اليوم يكشف عن فجوة بين النصوص القانونية والممارسات اليومية.
في حالات كثيرة، تتحول الجمعيات إلى قوة ضغط، بل أحيانًا إلى سلطة موازية، ما يخلق احتقانًا داخل المؤسسة، ويزرع الشك بين الأسر والإدارة.
هذا الوضع يستدعي تكوين أعضاء الجمعيات بشكل منتظم حول أدوارهم الحقيقية، إلى جانب تفعيل آليات المراقبة والمحاسبة لضمان شفافية العمل الجمعوي داخل المؤسسات التعليمية.
إن نجاح المدرسة العمومية رهين بتعاون جميع الأطراف: إدارة، هيئة تدريس، أسر، ومجتمع مدني.
لكن هذا التعاون لن يثمر إلا إذا كان مبنيًا على وضوح الأدوار واحترام الحدود القانونية.
فالجمعية التي تلتزم بدورها في الدعم والمرافعة تكون سندًا حقيقيًا للمؤسسة، أما حين تتجاوز اختصاصاتها، فإنها تعطل مسار التربية وتفتح الباب أمام الفوضى.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نملك الإرادة والوعي لتحويل هذه الجمعيات إلى رافعة للنهوض بالمدرسة، بدل أن تكون طرفًا في نزاعات تقوّض رسالتها النبيلة؟




