الواجهة

جورج عبد الله.. 41 عاما في السجن وبقي يهتف للمقاومة

علي سعادة.

بعد 41 عاما في سجون فرنسا، خرج من المعتقل ولا يزال مؤمنا بالمقاومة قائلا: “ننحني أمام شهداء المقاومة إلى الأبد، فهم القاعدة الأساسية لأي فكرة تحرر”.
ناشط سياسي لبناني ماروني، أحد رموز الكفاح المسلح، اللبناني والفلسطيني، في حقبة الثمانينيات من القرن الماضي.
كان يعد أقدم سجين سياسي في أوروبا وفي السجون الغربية.
بلحيته الكثة التي غزاها الشيب، عاش في زنزانة في سجن “لانميزان” تتصدرها صورة تشي غيفارا وعلمه الأحمر وصحف ورسائل تراكمت طيلة سنوات اعتقاله التي يبدو بأنها كانت عالقة بفيتو “أمريكي” على القضاء الفرنسي.
ولد جورج عبد الله، واسمه الحركي عبد القادر سعدي، في عام 1951 ببلدة القبيات اللبنانية في محافظة الشمال في قضاء عكا، لأسرة مسيحية مارونية.
تابع دراسته في دار المعلمين في الأشرفية ببيروت، وتخرج منها في عام 1970. وبدأ حياته المهنية مدرسا في مدرسة بمنطقة أكروم بعكار.
انخرط في النشاط السياسي في سن مبكرة، ودعم القضايا اليسارية والقومية، ومنذ سن الخامسة عشرة، نشط في الحزب “القومي السوري الاجتماعي”.
وانضم إلى الفصائل الفلسطينية في مقاومة الاحتلال وفي صفوف الحركة الوطنية اللبنانية، ثم التحق مع قائده وديع حداد في صفوف “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” بزعامة جورج حبش.
وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان وحصار بيروت عام 1982 أصبح عبد الله قائدا لـ”الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية”، المجموعة الماركسية اللينينية، التي شنت هجمات ضد أهداف غربية وإسرائيلية خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وهذه الحركة تبنت خمس هجمات ما بين عامي 1981 و1982.
وتبنت الفصائل نفسها هجوما فاشلا في 1981 في باريس استهدف الدبلوماسي الأمريكي كريستيان شابمان، وتفجير سيارة مفخخة في عام 1982 في باريس مستهدفة المستشار التجاري للسفارة الأمريكية روديريك غرانت.
اعتقل عبد الله في مدينة ليون بفرنسا عام 1984 بتهمة حيازة أوراق مزورة وحكم عليه بالسجن 4 سنوات في سجن “لانميزان”.
وردا على اعتقاله، اختطفت مجموعته الثورية الدبلوماسي الفرنسي سيدني جيل بيرول في عام 1985، ووافقت فرنسا على تبادل المعتقلين عبر الجزائر، غير أنها لم تف بوعدها بإطلاق سراح عبد الله.
ففي ذلك الوقت، كشفت الشرطة الفرنسية عن عثورها على ما قالت إنها متفجرات وأسلحة في شقته وقت الصفقة، بما في ذلك المسدس الذي زعمت الشرطة الفرنسية أنه استخدم في قتل تشارلز راي، نائب الملحق العسكري في السفارة الأمريكية بفرنسا، ويعقوب بارسيمانتوف المستشار الثاني في السفارة الإسرائيلية في باريس، الذي كان يعد رئيس “الموساد” في فرنسا.
هذا، بالإضافة إلى محاولة اغتيال القنصل العام الأمريكي روبرت أوم، في ستراسبورغ عام 1984.
وأثناء محاكمته بفرنسا قال جورج مقولته المشهورة: “أنا مقاتل عربي ولست مجرما”، وأضاف: “إن المسار الذي سلكته، أملته عليّ الإساءات لحقوق الإنسان التي ترتكب ضد فلسطين”.
وبدت قاعة المحكمة أشبه بمعسكر محصن خوفا من أي هجمات محتملة، إذ إنه كان يشتبه وقتها بوقوفه وراء موجة من الهجمات القاتلة في باريس، إلا أنها في الواقع كانت من تنفيذ أفراد مؤيدين لإيران.
ورغم نفيه ضلوعه باغتيال الدبلوماسيَين في باريس إلا أن الحكم صدر بحقه بالسجن المؤبد وذلك في عام 1987.
ورغم أنه أصبح مؤهلاً للإفراج المشروط منذ عام 1999، إلا أن السلطات الفرنسية رفضت الإفراج عنه، تحت ضغط سياسي كبير من الولايات المتحدة ودولة الاحتلال. وحين حصل على حكم بالإفراج المشروط عام 2003، قامت السلطات الفرنسية باستئناف القرار وألغي في العام التالي.
وفي عام 2013 قرر القضاء الفرنسي الإفراج عنه بشرط ترحيله من الأراضي الفرنسية.
وطلب محاميه، جاك فيرغيس من القضاء الفرنسي أن يتوقف عن “التصرف مثل العاهرة أمام القواد الأمريكي”.
وفي اليوم التالي، وكما كشفت وثائق ويكيليكس، قالت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون لنظيرها الفرنسي لوران فابيوس في اتصال هاتفي، إنها تأمل أن تجد الحكومة “أساسا آخر للطعن بقانونية القرار”.
وبقي عبد الله بالسجن بعد امتناع وزير الداخلية الفرنسي يومها، مانويل فالس، عن توقيع القرار.
وفي تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أمرت محكمة فرنسية بالإفراج عنه بعد 40 سنة من الاعتقال شرط المغادرة وعدم العودة إلى فرنسا.
لكن محكمة الاستئناف في باريس أرجأت قبل أيام النظر في طلب إطلاق سراحه حتى حزيران/ يونيو القادم. ووفقا لقرار المحكمة فإن ذلك “حتى يتمكن المحكوم عليه من إبراز إثباتات على التعويض للأطراف المدنية”، وهو ما يرفضه عبد الله حتى الآن.
لكن النيابة العامة المتخصصة في قضايا مكافحة الإرهاب استأنفت القرار، مبررة رفضها بالقول إن عبد الله “لم يتطور” وأن قناعاته “بقيت كما كانت”. وأعربت “نيابة مكافحة الإرهاب” عن قلقها من أن عبد الله “يمثل رمزا للقضية الفلسطينية”.
محامي عبد الله، جان لوي شالانسيه قال إن موكله أصبح “استثناء”، في حين أُطلق سراح “سجناء سياسيين” رئيسيين في البلاد.
وأضاف: “إنهم يعترفون بذلك، ولكنهم يريدون الاستسلام للولايات المتحدة مرة أخرى”، وتابع: “لكنه قال دائما، وأنا معه، إنه لن يعوض أبدا الولايات المتحدة التي ترسل القنابل لإلقائها على الأطفال الفلسطينيين واللبنانيين”.
الموقف الفرنسي الرسمي من عبد الله لا يرتبط فقط بالخضوع لضغوط أمريكية وإسرائيلية، لكنه يخضع أيضا لتحولات في داخل النخب السياسية الحاكمة في فرنسا، حيث يتعاظم ويترسخ النفوذ الصهيوني في أوساطها لدرجة أنه يمكن مقارنتها مع الحالة السائدة في أوساط النخب الحاكمة في الولايات المتحدة.
وكانت محكمة الاستئناف في باريس قد أصدرت الأسبوع الماضي قرارا بالإفراج المشروط عن عبد الله، بشرط مغادرته الأراضي الفرنسية وعدم العودة إليها، وذلك بعد 25 عاماً من استحقاقه للإفراج المشروط، ورفض 12 طلباً متتالياً تقدم بها محاموه.
ورغم تقديم النيابة العامة الفرنسية طعناً في القرار أمام محكمة التمييز، إلا أن هذا الطعن لا يجمد تنفيذ قرار الإفراج، ما سمح بعودة عبد الله إلى لبنان.
في تصريحاته لدى وصوله إلى بيروت، أكد عبد الله أن “إسرائيل تعيش آخر فصول نفوذها”، معتبراً أن “التحرير قادم، طالما أن المقاومة باقية وتشتد بشهدائها ودماء أبنائها”، مشدداً على أن “العودة إلى الوطن تتحقق بفضل المقاومة، وأن الاستمرار في مواجهة العدو هو الخيار الوحيد حتى النصر”.
سنوات الاعتقال لم تغير من قناعاته ي مساندة المقاومة وبقي الرجل رمزا للنضال الصمود والثبات لذلك استقباله العالم العربي بكل حفاوة وتأثر كرمز مقاوم لا يلين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى