24 ساعةالواجهةلحظة تأمل

حكومة الوعود المؤجلة: غلاء، كوارث طبيعية، وفساد يطفو على السطح

حكومة الوعود المؤجلة: غلاء، كوارث طبيعية، وفساد يطفو على السطح

يعيش المغرب منذ سنوات على إيقاع أزمات متلاحقة، لم تعد استثنائية ولا عابرة، بل تحولت إلى واقع يومي يثقل كاهل المواطن ويقوض ثقته في السياسات العمومية، أزمات طبيعية واقتصادية واجتماعية، توازيها فضائح فساد مدوية، في وقت تبدو فيه الحكومة عاجزة عن تقديم إجابات مقنعة أو حلول ملموسة، مكتفية بلغة التبرير والتحميل المتبادل للمسؤوليات.

لم يعد الجفاف المستمر للعام السادس على التوالي مجرد ظرفية مناخية، بل أزمة بنيوية كشفت محدودية السياسات الفلاحية والمائية، فرغم التحذيرات المتكررة، ظلت الحلول آنية وردّ فعلية، بينما انهارت الفرشة المائية، وارتفعت أسعار المواد الغذائية، وتضرر الفلاح الصغير قبل غيره.

ثم جاء زلزال الحوز ليكشف هشاشة البنيات التحتية، وبطء التدخل، وارتباك آليات الدعم وإعادة الإعمار، ورغم التعاطف الشعبي الواسع، ظل المتضررون ينتظرون وعوداً طال أمدها، وسط شكاوى من الإقصاء وغياب الشفافية في توزيع المساعدات.

ولم تكد البلاد تلتقط أنفاسها حتى ضربت الفيضانات عدداً من المناطق، مخلفة خسائر مادية، أعادت طرح السؤال نفسه: أين هي سياسات الوقاية؟ وأين البنيات التحتية؟ وأين ذهبت تقارير المخاطر والدراسات الاستباقية؟ أين الحكومة واين رئيسها؟

في الجانب الاقتصادي، يواجه المواطن موجة غير مسبوقة من الغلاء، شملت المواد الأساسية، المحروقات، النقل، والسكن، ورغم الخطاب الرسمي عن “حماية القدرة الشرائية”، فإن الواقع يقول إن الطبقة المتوسطة تتآكل، والفئات الهشة تُدفع أكثر نحو الهشاشة.

قرار إلغاء أو تعليق شعيرة الأضحية بالنسبة لعدد واسع من الأسر، بسبب الغلاء ونقص القطيع، لم يكن مجرد إجراء اقتصادي أو ديني، بل لحظة رمزية مؤلمة عكست حجم الأزمة الاجتماعية، وأكدت أن كلفة الاختيارات الحكومية يدفعها المواطن وحده.

وفي موازاة هذه الأزمات، تفجرت ملفات فساد أعادت إلى الواجهة سؤال ربط المسؤولية بالمحاسبة، من فضيحة “قيلش” التي كشفت تداخل المال والنفوذ والانتخابات، إلى قضية “إسكوبار الصحراء” ذات الامتدادات السياسية والاقتصادية الخطيرة، تتكرر الصورة نفسها: شبهات ثقيلة، ومساطر قضائية بطيئة، وصمت سياسي مقلق.

هذه القضايا لا تسيء فقط إلى صورة المؤسسات، بل تعمق الإحساس العام بانعدام العدالة، حين يرى المواطن أن من يُفترض أن يدبر الشأن العام متورط في شبكات الريع والفساد، بينما يُطلب منه شد الحزام والصبر.

ما يجمع كل هذه الملفات ليس فقط ثقلها، بل أثرها العميق على ثقة المواطن في العمل السياسي؛ فالحكومة التي جاءت بوعود “الدولة الاجتماعية” و”النجاعة” تجد نفسها اليوم أمام حصيلة مثقلة بالأزمات، دون رؤية واضحة أو تواصل صادق يعترف بالإخفاق قبل الحديث عن الإنجاز.

المواطن لا يطلب المعجزات، لكنه ينتظر سياسات تحميه في الأزمات، وعدالة تطاله كما تطال غيره، ومسؤولين يتحملون نتائج قراراتهم، أما الاستمرار في إدارة الأزمات بمنطق التقنوقراط البارد، وتجاهل الغضب الاجتماعي المتراكم، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع.

في النهاية، قد تكون الأزمات قدراً، لكن طريقة تدبيرها اختيار، وبين القدر والاختيار، يظل المواطن المغربي هو من يدفع الثمن الأكبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى