
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان، نحمده سبحانه ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل العدل أساس الملك، وجعل الظلم سبب الهلاك.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، قال: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة».
أما بعد، عباد الله،
يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾،
ويقول سبحانه:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾.
ومن العدل الذي أمر الله به أن تُراعى مصالح الناس وأحوالهم، وأن تُرفع عنهم المشقة والضرر. لأن السلطة في الإسلام أمانة، والمسؤولية تكليف لا تشريف.
أيها المؤمنون،
من القضايا التي أثارت ولا تزال تثير معاناة واسعة بين المواطنين في بلادنا مسألة استمرار الساعة الإضافية التي فُرضت على المغاربة طوال السنة.
هذه الساعة التي قد تبدو في نظر بعض المسؤولين مجرد إجراء إداري بسيط، لكنها في الواقع أصبحت عبئاً يومياً على ملايين المواطنين.
فكروا معي عباد الله:
أطفال صغار يخرجون إلى المدارس في ظلام دامس.
أسر تستيقظ قبل الفجر بساعات طويلة في الشتاء.
عمال وموظفون يعانون اضطراب النوم والتعب.
حياة اجتماعية ونفسية اختل توازنها.
والسؤال المشروع الذي يطرحه الناس:
لمن تخدم هذه الساعة؟
هل تخدم المواطن البسيط؟
أم تخدم حسابات اقتصادية ضيقة مرتبطة بمصالح معينة؟
إن القرارات التي تمس حياة الناس اليومية يجب أن تُتخذ بروح المسؤولية والإنصات للمجتمع، لا بفرض الأمر الواقع.
إن الإسلام عندما يتحدث عن العدل، لا يتحدث عنه كشعار، بل كممارسة تحمي الناس من الظلم الإداري والاجتماعي.
فلا يعقل أن يشتكي شعب كامل من قرار معين، ثم يستمر دون مراجعة أو نقاش حقيقي.
وقد قال الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
“متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.”
أيها المسلمون،
ليس من الحكمة أن تُتخذ قرارات تمس حياة ملايين المواطنين دون حوار واسع مع المجتمع: مع الأسر، والمدرسين، والأطباء، والعمال، وكل الفئات المتضررة.
فالحكم الرشيد هو الذي يستمع للناس، ويصحح أخطاءه إذا تبين أن القرار لم يكن في صالح المجتمع.
إن رفع الضرر عن الناس من أعظم مقاصد الشريعة.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«لا ضرر ولا ضرار».
فكل قرار يسبب ضرراً عاماً يجب مراجعته وتصحيحه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه.
عباد الله،
إن الحديث عن الساعة الإضافية ليس مجرد نقاش حول التوقيت، بل هو حديث عن احترام حياة الناس وكرامتهم وراحتهم.
فالمجتمع القوي هو الذي تُصنع قراراته بالتشاور والإنصات، لا بالفرض والتجاهل.
ومن حق المواطنين أن تُؤخذ معاناتهم بعين الاعتبار، وأن تُراجع السياسات إذا ثبت أنها تسبب ضرراً واسعاً.
إننا لا نطلب المستحيل، بل نطلب العدل والإنصاف.
نطلب أن يكون الإنسان في قلب القرار السياسي والاقتصادي.
فالدولة القوية ليست التي تفرض قراراتها على الناس، بل التي تكسب ثقة الناس بعدلها وحكمتها.
نسأل الله أن يلهم المسؤولين الحكمة، وأن يوفقهم لرفع الظلم والمشقة عن الناس.
اللهم أصلح أحوال بلادنا، وارزقها العدل والحكمة.
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
عباد الله،
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.
اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
عزيز الدروش





