ذ. حسن المولوع : من أجل الحق والكرامة..نختار الجوع لا الخنوع..

والله ما كنت أرغب أن أبلغ هذا المقام، ولا أن أكتب هذه الكلمات. لكن الحزن إذا تراكم تفجّر، والوجع إذا ضاق به الصدر نطق، والظلم إذا طال أمده، صار السكوت عليه جريمة.
حين أعلن الأستاذ حميد المهدوي عن دخوله في إضراب عن الطعام، كان من الواجب أن أقول له: “لا تفعل يا أخي… صحتك أولى، والجسد أمانة، ولا يجوز أن تُتلف روحك من أجل مَن لا يسمع ولا يُبصر.”
لكن، ماذا أقول وأنا أذوق من نفس الكأس تقريبا، وأعيش نفس المرارة؟ بل وجدتني منخرطا معه في هذه المبادرة، متحمّسا لها، بل مستعدًّا للمضي فيها حتى النهاية، حتى الموت، إن لزم الأمر.
اتصلت بحميد، وكان حماسي كبيرا، وقلت له بصدق: “نبدأ الإضراب يوم الإثنين، وندخل إلى جلسة محاكمتك ونحن مضربون، فربما يسمعنا مَن لا يسمع…”
فجاءني رده، مملوءا نبلا ورفعة: “يا حسن، لا أريد أن يُفهم الأمر كأنه ضغط على القضاء، ولا أن يُقال إنني لا أتوفر على وسائل الدفاع في قضيتي مع وهبي. سأذهب يوم الإثنين بعد أن أتناول وجبة دسمة، وسأرافع في قضيتي كما ينبغي، احتراما للقاضي، ولجمهوري، وللتاريخ، ولأنني مؤمن ببراءتي.”
قلت في نفسي: هذا هو حميد كما عرفته دائما…
يواجه السهام مرفوع الرأس، ويتلقى الضربات بقلب لا يعرف الحقد، ويُستهدف في عرضه وأسرته، فلا ينتقم، ولا يساوم، ولا يطلب إلا شيئا واحدا: العدل.
قال لي: “من الأفضل أن نؤجل الإضراب إلى ما بعد الإثنين، بعد انتهاء الجلسة”، وأضاف: “الغرض ليس المطالبة بحق شخصي، بل أن نمنع سقوط ضحايا جدد للشطط في استعمال السلطة واستغلال النفوذ. فهناك من لا يستطيع أن يتكلم، ونحن سنفتح هذا النقاش المسكوت عنه.”
أما أنا، فقراري بخوض الإضراب المفتوح لم يكن بدافع العاطفة أو المجاملة، بل لأنني أعيش بدوري ظلما مريرا من نفس الجهة: اللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر.
هذه اللجنة لم تُستعمل لتقويم القطاع، بل لمعاقبة كل من رفض الركوع، وامتنع عن التصفيق، ورفض الدخول إلى “بيت الطاعة”.
أنا أيضًا ضحية لهذا العبث المقنّع باسم “التنظيم”، إلى درجة أنني مُنعت من تجديد بطاقتي المهنية دون أي سند قانوني، في استغلال صارخ للنفوذ وشطط واضح في استعمال السلطة.
وقد تقدّمت بشكاية رسمية لدى الوكيل العام للملك بمدينة الرباط، إلى جانب دعوى أمام القضاء الإداري.
ثم… ويا للعجب! تقدّم ضدي يونس مجاهد بشكاية يتّهمني فيها بانتحال صفة كرد فعل انتقامي ، فقط لأني توجهت للقضاء
فتم استدعائي من طرف الشرطة، وكان الغرض واضحا: ترهيبي وتخويفي.
وما زاد الطين بلّة، أن الشكاية أُودعت لدى المحكمة الابتدائية الزجرية بمدينة الدار البيضاء، تلك المحكمة التي يرأسها عضو المجلس الأعلى للسلطة القضائية داخل المجلس الوطني للصحافة نفسه!
أعرف هذا الرجل، وأعرف سمعته، وكنت أتمنى أن ينصح يونس مجاهد بأن ما يقوم به لا يمت للقانون بصلة، وأن ما يمارسه لا علاقة له بتنظيم المهنة، بل بإقصاء ممنهج لكل من لا يسير على هواه. لكن للأسف لا أراه يفعل شيئا أمام هذه الاعتداءات .
أي منطق هذا؟ وأي عدالة هذه؟
أهكذا يُستعمل القضاء؟ لتصفية الحسابات؟!
وما زاد الجراح عمقا، هو ما تعرّض له الزميل حميد من حملات تشهير خسيسة طالت أسرته الصغيرة، وتحول إلى مادة يومية للابتذال على منصات التواصل، دون أن تتحرك “جهات حماية القانون” لتطبيق القانون!
ما يتعرض له حميد المهدوي لا يمسه وحده، بل هو مؤشر على التوجّه العام الذي يستهدف كل صحافي يختار أن يسير عكس التيار.
لقد بلغ الأمر حدًّا صار معه رئيس اللجنة المؤقتة لتسيير القطاع يتصرّف كما لو كان جهازا أمنيا، يُطالب بكشف مصادر أموال الشركات الصحفية، في تدخل سافر في اختصاصات مديرية الضرائب، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والنيابة العامة.
مع أن دوره، حسب القانون، يقتصر على منح البطاقة المهنية وتتبع احترام أخلاقيات المهنة.
لكن هذا الرجل خلط بين العمل النقابي والعمل الحزبي، وابتعد عن فلسفة التنظيم الذاتي، التي كان من المفروض أن تكون جوهر هذا الإطار المهني.
هذا هو السبب الحقيقي للإضراب.
فنحن لا نبحث عن شهرة، ولا نهوى الضجيج.
نحن فقط نريد أن نُعامل كبشر…
أن يُطبّق علينا القانون، لا أن يُستخدم ضدّنا سيفا وسوطا.
قررنا أن يكون الإضراب أمام مقر المجلس الوطني لحقوق الإنسان، باعتباره الجهة الممثلة داخل المجلس الوطني للصحافة، الذي تُديره اليوم لجنة مؤقتة تمارس سلطتها بلا مراقبة.
قررنا أن نخوض هذا الإضراب باسم مَن لا صوت لهم، وأن نرفع وجعنا إلى أعلى سلطة في البلاد:
إلى جلالة الملك، الحامي الأول للدستور، والراعي الأول للعدل.
نُناشده أن يُنصف أبناء الوطن الذين ضاقت بهم الأرض، وضاقت بهم المؤسسات، وضاقت بهم “اللجان المؤقتة” التي تحكم كما تشاء، بلا حسيب أو رقيب.
نحن لا نهدّد، لا نبتز، لا نساوم…
نحن فقط نقول: طبّقوا القانون، وسنكون أول من يُصفّق.
لكن إن استمرّ الصمت، وإن ظلت المؤسسات تتفرج، فليكن الجوع لغتنا الأخيرة، والجسد ورقة الاحتجاج الأخيرة، حين تُكمّم الأفواه، وتُغلق الأبواب.
مُكرَهٌ أخوك لا بطل…
#حسن_المولوع
العميد حسن المولوع





