رائحة ملح البحر

بقلم ذ. عبد الرؤوف مجد
وا أسفاه على آسفي ! في تمانينيات القرن الماضي إلتحقت بهذه المدينة الجميلة قديما ، المنكوبة حديثا ، كان سني لم يتجاوز بعد عقده الثاني ، و لا اخفيكم أنني لا زلت أذكر جيدا ، رائحة أول شهقة هواء ولجت قصبتي ، رائحة لا تشمها إلا في آسفي القديم ، قدم التاريخ و قدم البحر .
كنا طلبة علم ، شعبة الصناعة الميكانيكية بثانوية الشريف الإدريسي ، لم نكن نتجاوز الستة عشر طالبا بالفصل الواحد ، لكل منا طاولته الخاصة بهندسة الرسم التقني ، أستاذتنا ، كلهم أجانب ، اذكر منهم الروماني : الاستاذ VISCO و التونسي : الأستاذ التايري و الفرنسي استاذ الرياضيات و البلجيكي استاذ اللغة الانجليزية و كثير من الجنسيات ، نعم ، كلهم كانوا أساتذة اكفاء ، مواضبين و أذكياء ! و كنا نحن أو كما تخيلنا أنفسنا ، نخبة من النجباء ، آتين من كل فج عميق . لكن للأسف ، و هذا الأمر لم افطن إليه إلا بعد حين غير قصير ، أننا كنا فئران تجارب لمعالي وزير التربية و التعليم اذاك ، عز الدين العراقي و ما أدراك ما عز الدين العراقي . جيل الستينات خطط له جيدا ، بمكر مدروس بعناية ، بين من كان توجيهه علميا تقنيا أو ادبيا اقتصاديا .
التقنيون بالأخص كانوا مشروع عبيد أقنان بالمكتب الشريف للفوسفاط المملوك حينها للعمراني و أزلامه ، البقية في قطاع التعليم و ما شابه ، إنه إغتصاب الذكاء و فض بكارة الفهم ، هذا ما تعرضنا له في واضحة الوطن !
لنعد إلى تلك الرائحة الفريدة لهواء آسفي الحبيب ، غريب أمر الذاكرة ، كيف تشم رائحة منبعثة من خيالك ؟ و أنا أخط هذه الحروف ، اشمها ، نعم ، اشمها كأني الآن ، لفضتني حافلة في محطة آسفي العزيز ، رائحة من خليط الملح و السمك و الكثير ، الكثير من سخاء و كرم سكان هذه المدينة الندية .
اليوم ، ليس كالأمس البعيد ، تبخر هذا العطر الفواح ، و حلت مكانه رائحة الموت المنبعثة من فواهات معامل الحامض الفوسفوري و الكبريتي الممزوج بما لا يحصى من انواع السموم القاتلة !
فيضان آسفي و الأرواح التي ازهقت كانا آخر صرخة من جسد يأن تحت سكرات الموت !





