
مفارقة غريبة تعيشها المدرسة المغربية في السنوات الأخيرة ، فمن جهة ارتفاع معدلات النجاح سيما على مستوى السلك الثانوي ، ومن جهة أخرى انخفاض معدلات الوعي ومهارات الإبداع الثقافي والأدبي والابتكار العلمي ؛ وكأن الأرقام التي تعلنها وزارة التربية الوطنية في معدلات النجاح الدراسية عند نهاية كل سنة دراسية لاتعكس المستوى الحقيقي للناشئين سواء تعلق الأمر بنسب عدد الناجحين أو ارتفاع هذه المعدلات لحد الامتياز والكمال…
في الحقبة السابقة وأقصد هنا جيل الستينات إلى جيل التسعينات كانت معدلات النجاح ضعيفة إلى متوسطة وأعلاها بالكاد يصل إلى التميز والتفرد في حدود معقولة ، ومع ذلك كنا نشهد تميزا واضحا على مستوى الكفايات والمهارات على جميع المستويات الأدبية والعلمية بل وحتى على المستوى الإبداعي والتميز النوعي …اليوم ورغم الارتفاع المهول في نسب التميز بالكاد تجد تلميذا أو تلميذة لها قدر كاف من الإبداع اللغوي أو الأدبي أو النبوغ العلمي في ميدان الابتكار والاكتشاف…
للأسف انتقلت المقاربة التي تنهجها الوزارة الوصية مع الناشئة من المقاربة النوعية التي تعتمد الجودة والنبوغ ، إلى المقاربة الكمية التي تعتمد على ارتفاع النسب والأرقام بدل تحصيل الكفايات والمهارات ، في السابق كانت نسبة النجاح في المرور من السلك الإعدادي إلى السلك الثانوي لاتتعدى %40 ، سواء تخطت نسبة النجاح حدود المعدل 10/20 أم لا ، وفي الغالب كنا نجد العديد من التلاميذ والتلميذات في خانة الرسوب رغم تخطيهم عتبة المعدل المطلوب 10/20…
انعكاس المقاربة الكمية على مستوى جودة التعليم للأسف كان سلبيا في العديد من الجوانب :
1- المقاربة الكمية حولت التلاميذ والتلميذات من جيل باحث عن التميز والتفرد وتحصيل الكفايات والمهارات اللازمة للاندماج في المجتمع ، إلى جيل باحث عن النجاح وتحصيل الشواهد الدراسية والوظائف الرسمية ، بغض النظر عن تحصيل الكفايات والمهارات التي تؤهله في الاندماج داخل مجتمعه…
2- دخول العالم الرقمي بعثر كل الأوراق في تحديد مفهوم النجاح والتميز ، فمن التميز الإبداعي الفردي انتقلنا إلى التميز الكمي الذي يعتمد على نسب المشاهدة والإثارة ، فكان الانتقال من الكلمة والمعنى إلى الرقم والنسبة مما أتاح المجال للتفاهة والسطحية….
3- عجز الدولة عن استيعاب ديمغرافية مواطنيها من الناحية الاقتصادية فسح المجال للبحث عن مصادر متنوعة للاسترزاق كانت إلى عهد قريب ثانوية لا أهمية لها ، مثل المجال الرياضي والمجال الفني ، فطغى الجانب المادي الكمي على الجانب الإبداعي النوعي ، مما يفسر التهافت المهول نحو النجومية والتميز داخل هذه المجالات التي هي في الأصل إبداعية ، لكن للأسف تحولت إلى مجالات مادية نفعية بفعل السياسات الكمية للمجتمعات الحديثة…
4 – مع هذا الزخم الجارف في البحث عن النجومية والشهرة بغض النظر عن المعنى للأسف حتى دور الدولة انتقل من التوجيه وترسيخ القيم إلى دور الراعي للمقاربة الكمية للتفاهة والسطحية كملجأ آمن للتنفيس وتدبير الواقع ولو على حساب الثوابت الراسخة التي تجمع مكونات المجتمع…
5 – شيوع التفاهة والسطحية يرتبط ارتباطا وثيقا بالجوانب المادية الربحية السريعة التي لاتؤمن بقيم الاجتهاد والمنافسة والإبداع …وهي وإن كانت ربحية لصاحبها ترفعه لدرجة النجومية السريعة ، فإنها مدمرة للمجتمع ؛ لأنها تقتل المعنى الذي من أجله وجد الإنسان ألا وهو التكريم والتميز النوعي…
6 – منطق الكم لم يكن يوما منطقا للتفاضل بين الحق والباطل ، فالباطل يظل كذلك مهما كثر أتباعه، والحق هو كذلك مهما قل مريدوه…فلا الكثرة تفيد أصحابها، ولا القلة تمحي أشياعها… وصدق الله عزو وجل : ” وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله”…
عصر التفاهة زائل لا محالة فهو كعصر الجاهلية انتهى ببلوغ مداه من الإخلال الخلقي والقيمي والتربوي والحضاري، فكذلك عصر التفاهة سينتهي ببلوغ مداه من العبث والتصنع والكذب والتغول والهيمنة المادية…فقيمة الشيء لاتعرف إلا بنقيضه ، فالتفاهة والعبث هو من سيعطي مرة أخرى قيمة للفكرة وللمعنى الجميل الذي وإن قل مريدوه فإنهم باقون ببقاء هذا الوجود…





