
عبد العزيز بن صالح يكتب :
بالاحمر
سعد الدين العثماني… الفقيه الذي امتحنه التاريخ
…………………………………………..
يبدو سعد الدين العثماني، في الذاكرة السياسية المغربية، شخصية ملتبسة بقدر ما هي واضحة. فهو الفقيه الهادئ الذي جاء من هوامش العلم الشرعي والطب النفسي، حاملاً طباعاً لا تُرى كثيراً في عالم السياسة: تهذيب في السلوك، نظافة في اليد، وبرودة أعصاب تجعل خصومه قبل أنصاره يقرّون بأنه رجل قليل الشبه برجال زمنه.
لكن مسار العثماني لم يكن يوماً مسار زعيم صدامي أو مُنظّر لإيديولوجيا ثورية. كان على الدوام مهندس تسويات، ووسيطاً بين التيارات، وعقلاً يقترح الاتفاق حين يفضّل الآخرون الصراع. وهذا ما جعله لاحقاً جزءاً من العقل الإداري للدولة أكثر منه تعبيراً عن “روح” الإسلام السياسي داخل الحكومة.
من الطب النفسي إلى رئاسة الحكومة:
تشكّلت شخصية العثماني في مدرسة مزدوجة:
علم النفس الذي يعالج اضطراب الفرد، وأصول الفقه التي تهذب اضطراب النص. هذا الجمع منح الرجل قدرة على قراءة الأشياء بهدوء، لكنه في الوقت نفسه حرمه من الجرأة التي تتطلبها اللحظات السياسية الفارقة. لذلك، حين صعد إلى رئاسة الحكومة سنة 2017 بعد إعفاء بنكيران، بدا كمن جاء ليُسَيّر أكثر مما جاء ليُغَيّر.
لقد دخل العثماني إلى رئاسة الحكومة في زمن سياسي مضطرب: تراجع الثقة، صعود الاحتجاجات، وتوازنات دقيقة في بيت السلطة. وكان كل شيء يوحي بأن الرجل سيجد نفسه أمام امتحانات لم يُعِد نفسه لها.
عاصفة التطبيع: عندما يتحوّل التوقيع الإداري إلى عبء رمزي
في دجنبر 2020، كان المغرب يعيش مرحلة دولية دقيقة. ملف الصحراء على طاولة إدارة أميركية تغادر، وإقليم يعيد رسم خرائطه، ودولة تبحث عن مكاسب دبلوماسية كبيرة. في هذا السياق، اتُّخذ قرار التطبيع مع إسرائيل في أعلى مستويات الدولة، لتبدأ الإجراءات القانونية التي تستلزم توقيع رئيس الحكومة.
لم يكن أمام العثماني، من موقعه الدستوري، حق الرفض ولا إمكانية المناورة. فالتطبيع – في هندسة القرار – كان قرار دولة لا قرار حزب. لكنه، وهو يمسك القلم لتوقيع الاتفاق، كان يدرك أنه يوقّع على جملة سياسية ستطارده أكثر مما ستخدم حكومته. فالرجل الذي قضى سنوات يخطب في مركزية فلسطين، وجد نفسه يضع ختمه على خطوة تناقض رمزية تاريخه.
وهكذا، تحوّل التوقيع من إجراء بروتوكولي إلى خطيئة سياسية في نظر الكثيرين، رغم أن القرار لم يكن من صنعه، بل مجرد واجب إداري أسند إليه ضمن المسطرة.
الرجل الذي عاقبه الهدوء أكثر مما عاقبته الأحداث
اللافت أن العثماني لم يسقط لأنه خان مبادئه، بل لأنه ظل وفياً لطباعه: الانضباط، والتماسك، والهدوء.
هذه الصفات نفسها هي التي جعلته يتحمل وزر قرار لم يصنعه، ويقف في وجه موجة اللوم وحده. خصوم العدالة والتنمية وجدوا في التوقيع فرصة لتعليق جرس التطبيع في عنقه، متناسين أن الرجل لم يكن سوى موظف سامٍ ينفذ إرادة دولة، لا صانعاً لسياسة خارجية.
ولعل المفارقة الأبرز أن بنكيران – الأكثر صخباً وتأثيراً – خرج من العاصفة نظيفاً، بينما العثماني – الأكثر هدوءاً ونزاهة – غرق في وحلها الرمزي.
يبقى سعد الدين العثماني نموذجاً لسياسي يتمتع بصفات شخصية لا يختلف حولها اثنان، لكنه واجه لحظة لم تتوافق فيها أخلاق الفقيه مع ضرورات الدولة.
فوجد نفسه معلّقاً بين ولاءين:
ولاء الدولة الذي لا يُناقَش
وولاء الفكرة الذي لا يُمسّ
وفي تلك المنطقة الرمادية، خسر الرجل رمزيته داخل حزبه، دون أن يكسب رمزية داخل السلطة، ليخرج من المشهد كما دخل إليه: هادئاً، نظيف اليد، لكنه مثقلاً بأعباء قرار لم يكن يشبهه.





