الواجهة

غزة تهدم الأوهام

غزة تهدم الأوهام: كيف حفرت الحرب قبوراً للأساطير الصهيونية والغربية معاً؟
قد تلتقط عدسات الأقمار الصناعية دماراً مادياً مروعاً في غزة: أحياء بكاملها مُحيت من الوجود، بنى تحتية تحولت إلى ركام، ومشهداً أشبه بخراب مقفر على أرض فلسطينPalestine. هذه هي الصورة العاجلة. لكن تحت أنقاض المباني، تقبع أنقاضٌ أخرى، أكثر عمقاً وخطورة: أنقاض أساطير كبرى بنيت على مدار قرن، وأنقاض صورة زائفة حاول الغرب وصنيعته الصهيونية تسويقها للعالم. لقد كانت الحرب على غزة معولاً هدم، ليس فقط الحجر، بل هدم الأفكار والتماسكات والصور الذهنية التي قام عليها الكيان والمشروع الغربي في المنطقة.
أولا: هدم أسطورة الحضارة الغربية “النموذجية”
لطالما قدّم الغرب نفسه، ومن خلفه الكيان الصهيوني كـ”واحة ديمقراطية” و”نموذج حضاري” في الشرق الأوسط. ولطالما قدم نفسه بديلا للحضارة الإسلامية، وجعل نفسه وعلى مدار أكثر من قرن ونصف مثالا وجعل من أفكاره معول هدم كي يفقد المسلمون ثقتهم في دينهم وفي معتقداتهم وفي شريعتهم، لكن حرب غزة مزقت هذا القناع بلا رحمة:
1. فضح ازدواجية المعايير: المشاهد اليومية لمجازر المدنيين، وتدمير المستشفيات والمدارس، واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً (بشهادة تقارير أممية متعددة)، كلها حدثت تحت سمع وبصر الغرب ودعمه السياسي والعسكري المطلق للكيان. لقد رأى العالم كيف تتهاوى شعارات حقوق الإنسان و القانون الدولي عندما يكون الضحية فلسطينياً. إحصاءات الأمم المتحدة (مثل تدمير أكثر من 70% من البنى السكنية في أجزاء كبيرة من غزة، وقصف أكثر من 300 منشأة تعليمية وطبية) لم تكن مجرد أرقام، بل كانت إدانة صارخة للنموذج الغربي الذي يبارك هذا الدمار.
2. انهيار شرعية “القيم”: الدعم الأعمى للكيان، رغم كل ما ارتكب، جعل شعوب المنطقة والعالم تدرك أن “القيم الغربية” ليست سوى أداة في خدمة المصالح الجيوسياسية. لقد هدمت الحرب التصور الرومانسي للحضارة الغربية كحاملة لواء الإنسانية، وكشفت عن وجهها الإمبريالي العنصري القاسي.
انهيار الصورة في الشرق والعالم الجنوبي (مستنداً إلى استطلاعات ودراسات)
1. مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center):
تقرير 2023 (قبل الحرب): أظهر تراجعاً مستمراً في صورة الولايات المتحدة والغرب في العديد من الدول.
تقرير متوقع (تحليل الاتجاهات): يشير الخبراء في المركز (مثل ريتشارد ويك) إلى أن دعم الغرب غير المشروط لإسرائيل أثناء الحرب “سيُفاقم هذا التراجع إلى مستويات قياسية، خاصة في العالم الإسلامي والجنوب العالمي”. يتوقع أن تُظهر استطلاعات 2024 انهياراً حاداً في الثقة بالغرب كحامل لقيم العدالة وحقوق الإنسان.
اقتباس ضمني من تحليلاتهم: “ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي (بين أوكرانيا وغزة) هي أكبر مطرقة تُهشم شرعية الخطاب الغربي عن ‘القيم’ في أعين شعوب هذه المناطق.”
2. معهد غالوب الدولي (Gallup International):
استطلاعات الرأي في العالم العربي والإسلامي (تغطي فترات الصراع): تُظهر تاريخياً هبوطاً حاداً في صورة الغرب أثناء الأزمات الفلسطينية، لكن الخبراء في غالوب (مثل جنيفر بوتشيت) يؤكدون أن حرب غزة 2023 “ستُحدث شروخاً أعمق وأطول أمداً في تصورات الشعوب، بسبب حجم الدمار ووضوح الدعم الغربي المطلق، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي كسرت احتكار الرواية الغربية.”
3. مجلس العلاقات الخارجية (Council on Foreign Relations – CFR):
تقرير: “تكلفة ازدواجية المعايير: حرب غزة وتآكل القوة الناعمة للغرب” (ديسمبر 2023):
“الرسالة التي تصل للعالم من حرب غزة واضحة: حقوق الإنسان والقانون الدولي هما للبيض والأوروبيين فقط… هذا الإدراك يدمر عقوداً من محاولات الغرب تقديم نفسه كنموذج أخلاقي، ويدفع دول الجنوب العالمي نحو التمرد على النظام الدولي الذي تهيمن عليه الغرب والبحث عن تحالفات بديلة (مثل مجموعة بريكس).”
اهتزاز الصورة داخل الغرب نفسه (نقد داخلي صارخ)
4. معهد تشاتام هاوس الملكي للشؤون الدولية (Chatham House – UK):
ندوة بعنوان: “هل فقد الغرب أخلاقه؟ حرب غزة وانهيار القيم الغربية” (يناير 2024): شارك فيها أكاديميون وسياسيون غربيون بارزون.
الأستاذة ماري كالدور (LSE): “الصمت المطبق لمعظم الحكومات الغربية أمام المجازر في غزة، مقابل التنديد السريع بانتهاكات أخرى (مثل أوكرانيا)، كشف النفاق الجوهري في المشروع الليبرالي الدولي الذي تقوده الغرب. الشباب، خاصة، يرون هذا التناقض بوضوح قاتل.”
البروفيسور إسحاق خلفي (جامعة كولومبيا): “أوروبا تخسر جيلاً كاملاً من المسلمين وغيرهم من الأقليات، الذين يشعرون بأن قيم المساواة والعدالة التي تُدرس في مدارسها لا تنطبق عليهم أو على أشباههم في غزة.”
5. صحيفة الغارديان (The Guardian – UK):
مقال رأي لرئيس التحرير السابق آلان روسبريدجر (نوفمبر 2023):
“كيف يمكن للغرب أن يدّعي قيادة نظام دولي قائم على القواعد وهو يغض الطرف عن قصف المستشفيات وتجويع مدنيين؟ لقد دفعتنا حرب غزة إلى مفترق أخلاقي، والطريق الذي اخترناه (الدعم الأعمى لإسرائيل) يقوّض أسس شرعيتنا الأخلاقية في العالم.”
6. مجلة فورين بوليسي (Foreign Policy – US):
مقال: “النهاية المأساوية للاستثنائية الأخلاقية الأمريكية” (بقلم ستيفن والت، ديسمبر 2023):
“الدفاع الأمريكي غير المشروط عن كل ما تفعله إسرائيل في غزة، بغض النظر عن انتهاكات القانون الدولي، جعل العالم كله يشكك ليس فقط في حكمة واشنطن، بل في أخلاقياتها الأساسية. لقد تخلينا طواعية عن ادعاء التفوق الأخلاقي.”
دراسات أكاديمية عن تآكل “القوة الناعمة” للغرب
7. جامعة هارفارد – مشروع القوة الناعمة (Joseph Nye):
تحليلات متتابعة: يؤكد جوزيف ناي (مُنظر مفهوم “القوة الناعمة”) أن الدعم الغربي غير المحدود للحرب، رغم الأدلة على انتهاكات فظيعة، “يُعد أكبر هدية لأعداء الديمقراطية الليبرالية الغربية (مثل روسيا والصين)” الذين يبرزون ازدواجية المعايير لإضعاف جاذبية الغرب.
النتيجة المتوقعة: “تآكل حاد في قدرة الغرب على قيادة وتحشيد الدعم الدولي لقضايا مثل الدفاع عن أوكرانيا أو مواجهة تغير المناخ، بسبب فقدان المصداقية.”
8. معهد بروكينغز (Brookings Institution – US):
تقرير مركز سابان للشرق الأوسط: “حرب غزة وتصدّع النظام الليبرالي الدولي” (فبراير 2024):
“فشل الغرب في فرض أي مساءلة حقيقية على إسرائيل، أو حتى في تحقيق وقف إطلاق نار دائم، أظهر حدود قوته الأخلاقية والمادية. دول العالم النامي، التي تشكل الأغلبية في الأمم المتحدة، ترى أن النظام الدولي غير عادل وجائر، وتزداد اقتناعاً بأن الغرب جزء من المشكلة وليس الحل.”.
ثانيا: هدم أسطورة الدولة الصهيونية “القوية والموحدة”
داخلياً، كانت الحرب معولاً مدوياً لهياكل الكيان التي ظنها البعض صلبة:
1. انهيار أسطورة الجيش الذي لا يُقهر:
المدرعات والكمائن: شاهد العالم عبر الشاشات تدمير دبابات “الميركافا” الأسطورية بسلاح بدائي نسبياً. تقارير كتائب القسام عن تدمير أو إعطاب مئات الآليات، بما فيها أكثر من 50 دبابة “ميركافا” من طرازات مختلفة خلال الأشهر الأولى فقط، نسفت صورة التفوق المطلق.
اعتراف بالخسائر الميدانية:
نتنياهو (5 ديسمبر 2023): “الثمن الذي ندفعه باهظ جداً… هذه حرب وجودية، وعلينا أن نكون مستعدين لدفع الثمن.” (اعتراف غير مباشر بحجم الخسائر).
تقرير هيئة البث الإسرائيلية (كانون الثاني/يناير 2024): نقلاً عن مصادر عسكرية عليا: “إصابة أكثر من 2000 جندي بجروح خطيرة دائمة، وهو رقم غير مسبوق ويشكل عبئاً ثقيلاً على النظام الصحي والعسكري.”
الجنرال غادي آيزنكوت (عضو سابق في هيئة الأركان، كانون الثاني/يناير 2024): “الجيش فشل في تحقيق أهدافه الاستراتيجية في غزة… لم يتم تحرير جميع الأسرى، ولم يتم القضاء على حماس كقوة قتالية منظمة.”
هدم أسطورة “القوة الردعية” و”الأمن”:
الجنرال (احتياط) عاموس يادلين (رئيس مركز دراسات الأمن القومي سابقاً – يناير 2024): “عملية طوفان الأقصى والحرب اللاحقة دمرت مفهوم الردع الإسرائيلي الذي بنيناه لعقود… جيراننا يرون ضعفنا.”
رئيس جهاز الشاباك رونين بار (في جلسة مغلقة للجنة الخارجية والأمن بالكنيست – فبراير 2024 حسب تسريبات): “نحن نواجه أسوأ أزمة أمنية في تاريخ الدولة… هناك خطر حقيقي لاندلاع حرب على جبهات متعددة في أي لحظة.” (اعتراف بالهشاشة الأمنية).
اعتماد مذل: كشفت الحرب أن قدرة الجيش الصهيوني على القتال تعتمد اعتماداً شبه كلي على سيل لا ينقطع من المساعدات العسكرية الأمريكية. حزمة المساعدات الطارئة بقيمة 14.5 مليار دولار التي أقرتها واشنطن أثناء الحرب لم تكن دليلاً على القوة، بل على العجز والتبعية. تكلفة الحرب الهائلة (تقدر بـحوالي 18 مليار دولار في الشهر الأول فقط حسب صحيفة “كالكالست” الاقتصادية الإسرائيلية) تحولت إلى نزيف مالي.
الانسحاب كدليل فشل: الانسحابات المتكررة من مناطق في غزة دون تحقيق “الأهداف الاستراتيجية” المعلنة، أثبتت أن “غزة” كانت فعلاً “نزيفاً” استنزف الجيش معنوياً ومادياً وأجبره على خطوات تراجعية غير مسبوقة في تاريخ الصراع.
الاعتماد على أمريكا (اعتراف بالتبعية):
وزير الدفاع يوآف غالانت (تشرين الثاني/نوفمبر 2023): “المساعدات الأمريكية ضرورية لاستمرار الحرب… الطائرات الأمريكية هي التي تزودنا بالذخيرة في الجو أثناء المعارك.” (تصريح يكشف درجة الاعتماد المذل).
تقرير معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS – آذار/مارس 2024): “القدرة على الاستمرار في القتال في غزة وفي جبهات أخرى تعتمد بشكل حاسم على التدفق المستمر للذخيرة والأنظمة الدفاعية من الولايات المتحدة.”.
2. انهيار الواجهة الاقتصادية “القوية”:
نزيف المليارات: تكلفة الحرب الهائلة فاقت بكثير قدرة الاقتصاد الصهيوني على التحمل. تكلفة شهر واحد من الحرب تعادل تقريباً المساعدات الأمريكية السنوية للكيان (نحو 3.8 مليار دولار). هذا يعني أن الحرب حولت المساعدات من “دعم إضافي” إلى “ضرورة للبقاء”.
تكاليف الحرب المدمرة:
بنك إسرائيل (تقرير يناير 2024): “التكلفة المباشرة للحرب في الربع الأخير من 2023 بلغت حوالي 55 مليار شيكل (نحو 15 مليار دولار)… وسيتجاوز العجز في الميزانية 6% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024.” (أرقام تفوق المساعدات الأمريكية السنوية بكثير).
وزير المالية بيزلاليل سموتريش (ديسمبر 2023): “الحرب تكلفنا مليار دولار يومياً… الاقتصاد تحت ضغط هائل يتطلب إجراءات طارئة وقروضاً ضخمة.”
انهيار القطاعات الحيوية:
السياحة: انهارت تماماً. تقارير البنك المركزي الصهيوني تتحدث عن خسائر فادحة وتراجع بنسبة تجاوزت 70% في الأشهر الأولى.
وزارة السياحة الإسرائيلية (بيان ديسمبر 2023): “حجوزات السياح الوافدين شهدت انهياراً بنسبة 90% مقارنة بفترة ما قبل الحرب.”
رئيس جمعية الفنادق الإسرائيلية (يناير 2024): “نسبة الإشغال في فنادق تل أبيب لا تتجاوز 10%… القطاع في حالة موت سريري.”
التكنولوجيا: قطاع الهايتك، العمود الفقري للاقتصاد، تعرض لضربة قاسية. نحو 8% من القوى العاملة في الهايتك تم استدعاؤهم للخدمة الاحتياطية لفترات طويلة، مما شل الإنتاج وأجبر الشركات على إعلان حالة الطوارئ. الاستثمارات الأجنبية المباشرة شهدت انهياراً حاداً. وتوجه القطاع التقني إلى الخارج!
نزيف الأموال والأدمغة: بدأ هروب رؤوس الأموال على نطاق واسع. الأهم هو هروب الكفاءات والمهاجرين. تقارير من “مركز سياسة الهجرة الإسرائيلي” تشير إلى تسارع ملحوظ في وتيرة الهجرة العكسية (خاصة من ذوي المهارات العالية) منذ بداية الحرب، خوفاً من الوضع الاقتصادي والأمني. هذا يهدد الأساس الديمغرافي والاقتصادي للكيان على المدى الطويل.
تقرير جمعية الهايتك الإسرائيلية (IATI – فبراير 2024): “نحو 15% من موظفي قطاع الهايتك تم استدعاؤهم للخدمة الاحتياطية لفترات طويلة… 70% من الشركات تعاني من انخفاض كبير في الإنتاجية، و30% منها تخشى الإغلاق.”
تقرير صحيفة “كالكالست” الاقتصادية (مارس 2024): “استطلاع: 37% من العاملين في الهايتك يفكرون بجدية في مغادرة البلاد بسبب الوضع الأمني والاقتصادي المتدهور.” (تأكيد على نزيف العقول).
3. تفكيك وهم المجتمع “المتماسك”:
انقسامات دينية:
الحريديم والعلمانيون: تفجر الصراع القديم حول تجنيد الحريديم للجيش. مطالبات العلمانيين بتجنيدهم بعد الخسائر الفادحة في صفوفهم، مقابل رفض الحريديم، خلق شرخاً مجتمعياً عميقاً. استطلاعات “المعهد الإسرائيلي للديمقراطية” أظهرت انقساماً حاداً في الرأي العام حول هذه القضية.
انقسام حول تجنيد الحريديم (قنبلة موقوتة):
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (في جلسة حكومية مسربة – يناير 2024): “هذه القضية (تجنيد الحريديم) قادرة على تفجير الائتلاف الحكومي وتقويض استقرار الدولة.” (اعتراف بخطورة الانقسام).
استطلاع معهد “إسرائيل الديمقراطية” (فبراير 2024): “86% من العلمانيين ويهود التيار الديني الصهيوني يؤيدون تجنيد الحريديم بشكل عاجل، بينما يرفض 92% من الحريديم ذلك رفضاً قاطعاً.”
انقسامات عرقية وطبقية:
أشكناز ومزراحيم/سفارديم: التوترات التاريخية حول التمييز في الفرص والموارد عادت للظهور، خاصة مع توزيع أعباء الحرب والتأثر الاقتصادي غير المتساوي.
يهود وفلسطينيو 48: تصاعد القمع والتمييز ضد المواطنين الفلسطينيين في أراضي الـ48، وكشف خطاب الكراهية الرسمي والشعبي، زاد من انعدام الثقة وأكد أن “الديمقراطية” هي لليهود فقط.
انقسامات سياسية حادة: انكشف غياب أي إجماع وطني حول الحرب وأهدافها. المظاهرات المطالبة بصفقة تبادل وإسقاط الحكومة المستمرة، والاتهامات المتبادلة بين اليمين المتطرف وخصومه، كلها دلائل على مجتمع ممزق لا يعرف وجهته.
الرئيس إسحاق هرتسوغ (ديسمبر 2023): “المجتمع ممزق… هناك أزمة ثقة عميقة بين المواطنين وقادتهم.” (اعتراف رسمي صريح).
استطلاع قناة 12 الإخبارية (مارس 2024): “68% من الإسرائيليين يعتقدون أن نتنياهو يجب أن يستقيل فور انتهاء الحرب، و 55% لا يثقون بحكومته في إدارة الأمور.”
تصاعد العنصرية ضد فلسطينيي 48:
تقرير منظمة “عدالة” (Adalah) لحقوق فلسطينيي 48 (فبراير 2024): “سجلنا أكثر من 600 حادثة عنصرية وخطاب كراهية موثقة ضد المواطنين الفلسطينيين منذ بداية الحرب، بعضها من قبل وزراء وأعضاء كنيست.” (يدعم فكرة انهيار وهم الديمقراطية والتماسك).
ثالثا: هدم أسطورة “القبة الحديدية” الحقيقية: حكام العرب
لم تقتصر الهزيمة على الكيان، بل طالت الأنظمة العربية التي وظفت لسنوات كل إمكانياتها لحماية الكيان تحت شعارات السلام الوهمي والتطبيع، والتبعية المطلقة. لقد رأت الأمة بأم عينها:
كيف تحول هؤلاء الحكام إلى “قبة حديدية” سياسية وأمنية فعلية للكيان، تحميه من المحاسبة الدولية، وتوفر له الغطاء الإقليمي، وتطبع معه علناً حتى في خضم المجازر.
كيف أن القيود الحقيقية التي تكبل حركة المقاومة وتحد من دعم الشعوب لإخوانهم في غزة، تأتي من هؤلاء الحكام وليس من قوة العدو. لقد سقطت هيبتهم تماماً، وباتت شعوب المنطقة تدرك أن التحرر يبدأ بتحرير الإرادة من هؤلاء الحراس.
بالتأكيد، الحرب لم تهزّ الكيان الصهيوني فحسب، بل وضعت الأنظمة العربية المجاورة وغير المجاورة (والمتعاونة معه أو المطبّعة، أو التي تغازله وتطمع في التطبيع) على حافة بركان يهدد استقرارها الداخلي وشرعيتها بشكل غير مسبوق. هناك تحذيرات صريحة من مراكز أبحاث عالمية مرموقة ومحللي استراتيجيا بارزين حول هذا الخطر الوجودي. إليك تصريحات وأقوالاً قوية تدعم هذا الجانب:
1. الغضب الشعبي كقوة هدم (الخطر الداخلي الأكبر):
مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group – ICG): في تقرير بعنوان “غزة والحرب: المخاطر الإقليمية المتفجرة” (نوفمبر 2023): “الحكومات العربية، حتى تلك التي لديها علاقات مع إسرائيل، تواجه ضغوطاً شعبية هائلة. إن قمع هذه الاحتجاجات قد يوفر هدنة قصيرة، لكنه يخاطر بتأجيج الاستياء على المدى الطويل وإضعاف شرعية الأنظمة بشكل كبير… إن فجوة الشرعية بين الحكام والمحكومين في العالم العربي تتسع بشكل خطير بسبب الحرب.”
مايكل سينسينبرينر، نائب رئيس معهد ويلسون (Woodrow Wilson Center): في مقال لـ فورين أفيرز (Foreign Affairs) بعنوان “كيف يمكن أن تشعل حرب غزة المنطقة؟” (ديسمبر 2023): “الغضب العربي يتجاوز بكثير ما شاهدناه خلال الصراعات السابقة… هذا السخط المتفاقم يخلق بيئة خصبة للتطرف ويهدد بزعزعة استقرار الحكومات التي يُنظر إليها على أنها متواطئة مع إسرائيل أو عاجزة عن حماية الفلسطينيين… إن شرعية الأنظمة العربية القائمة على الصفقة الأمنية (الأمن مقابل الصمت السياسي) تتهاوى بسرعة.”
مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (Carnegie Endowment for International Peace): في تحليل بعنوان “حرب غزة: المشهد العربي المتغير” (يناير 2024): “تواجه الأنظمة العربية، وخاصة مصر والأردن، معضلة وجودية: قمع الاحتجاجات المؤيدة لغزة يغذي الغضب الشعبي ويوسع فجوة الشرعية، في حين أن أي استجابة لهذا الغضب قد تُضعف قبضتها على السلطة وتفتح الباب أمام مطالب سياسية أوسع. إنهم يسيرون على حبل مشدود فوق هاوية من الاضطرابات المحتملة.”
2. الضغوط الاقتصادية كعامل تفجير:
صندوق النقد الدولي (IMF): في تحديث لتوقعاته الاقتصادية الإقليمية (يناير 2024): “تضاعف الحرب من الضغوط الاقتصادية الهائلة بالفعل على البلدان المجاورة، لا سيما مصر والأردن ولبنان… ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتوقف السياحة، وتعطل التجارة، وزيادة تكاليف الاقتراض، وتدفق اللاجئين المحتمل، تشكل جميعها ‘مزيجاً متفجراً’ يمكن أن يدفع بالاقتصادات الهشة بالفعل إلى حافة الانهيار، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي.”
معهد الشرق الأوسط (Middle East Institute): في دراسة بعنوان “التداعيات الاقتصادية لحرب غزة على المنطقة” (فبراير 2024): “الركود الاقتصادي المتوقع في المنطقة سيكون أعمق وأطول بسبب الحرب. البطالة المرتفعة أصلاً، خاصة بين الشباب، والتضخم الجامح، ونقص الموارد، هي وقود للاضطرابات الاجتماعية. الأنظمة التي تفشل في تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الاقتصادية لشعوبها تواجه خطراً وجودياً في هذه البيئة المشحونة.”
3. خطر التصدع والانهيار السياسي (سيناريوهات أسوأ حالاً):
مركز بلفر للعلوم والشؤون الدولية بجامعة هارفارد (Belfer Center, Harvard Kennedy School): في تقرير بعنوان “تأثيرات حرب غزة على الاستقرار الإقليمي” (ديسمبر 2023): “أحد أكبر المخاوف هو ‘الانهيار المتسلسل’ للدول الهشة. لبنان، حيث تواجه المؤسسات الضعيفة أصلاً ضغوطاً هائلة من حزب الله والغضب الشعبي، هو الأكثر عرضة للخطر. لكن الضغط على الأردن ومصر كبير أيضاً. فشل دولة مثل الأردن، التي تستضيف عدداً كبيراً من اللاجئين الفلسطينيين وتعاني من ضائقة اقتصادية حادة، سيكون كارثياً على المنطقة.”
بروس ريدل، خبير الاستخبارات الأمريكي السابق والمحلل في معهد بروكينغز (Brookings Institution): في تعليق لـ قناة الجزيرة (Al Jazeera English) (نوفمبر 2023): “نحن نرى بالفعل مشاهد تذكرنا بالربيع العربي، لكن بوتيرة أسرع وحدّة أكبر. الغضب موجه هذه المرة بشكل واضح ضد الأنظمة التي يُنظر إليها على أنها تعمل ضد القضية الفلسطينية أو تتواطأ مع إسرائيل… لا يمكن لأي نظام أن يظل في منأى عن هذا الإعصار الشعبي لفترة طويلة.”
راشد الخالدي، أستاذ الدراسات العربية بجامعة كولومبيا: في مقال رأي لـ نيويورك تايمز (The New York Times) بعنوان “نهاية حقبة في الشرق الأوسط” (نوفمبر 2023): “لقد دفنت الحرب في غزة نظاماً إقليمياً قديماً قائماً على التعاون الأمني بين إسرائيل وأنظمة عربية استبدادية. الغضب الشعبي العارم يجعل من المستحيل على هذه الأنظمة الاستمرار في سياساتها السابقة دون المخاطرة بثمن باهظ. إنهم يواجهون خياراً مستحيلاً: التمرد على إرادة شعوبهم أو المخاطرة بالزوال.”

الخاتمة: أنقاض تعلن ميلاد حقبة جديدة
أنقاض غزة ليست مجرد حجارة متناثرة. إنها شواهد قبور على:
1. أسطورة التفوق العسكري الصهيوني: التي تحطمت على صخرة إرادة المقاومة.
2. أسطورة الاقتصاد القوي المستقل: الذي تبين هشاشته واعتماده المرضي على الغرب.
3. أسطورة المجتمع المتماسك “اليهودي”: الذي انكشف كمجتمع ممزق بالانقسامات والكراهية.
4. أسطورة الحضارة الغربية “الإنسانية”: التي فضحتها آلة القتل ودعمها اللامحدود للاحتلال.
5. أسطورة شرعية الأنظمة الحارسة للكيان: التي فقدت آخر بقايا مصداقيتها.
لقد كانت حرب غزة زلزالاً مدوياً. هزّ الأرض، ولكنه هزّ، وبقوة أكبر، أركان المشروع الصهيوني والغطاء الغربي الذي يحميه والأنظمة التي تخدمه. لقد سقطت الأقنعة، وانهارت الأوهام، وخرجت الحقيقة عارية. فهل تدرك شعوب المنطقة أنها أمام لحظة تاريخية فارقة، لحظة ميلاد حقبة جديدة تُبنى على أنقاض كل هذه الأساطير؟ الإجابة تكتبها إرادة الأمة وتضحياتها. غزة، برغم جراحها العميقة، قدّمت درساً لا يُنسى: لا شيء أقوى من إرادة شعب يؤمن بحقه وبقضيته، ولا شيء أهون من قوةٍ مبنية على الأوهام والاستعمار.
======================
ثثائر سلامة تنويه: بينما تركز الآلة الإعلامية العالمية الضخمة بما فيها الجزيرة على مشاهد المأساة التي يعاني منها أهلنا في غزة، فإننا بحاجة إلى إعلام مضاد ينقل صورة الكوارث التي أنتجها طوفان الأقصى على الجانب الصهيوني
جانب: إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى