فقهُ التعايش والتسامح مع التطهير والتهجير

نبيل شيخي
—————
علينا أن نكون إيجابيين.
يجب أن نتخلى عن هذه السلبية التي تسكننا.
في واشنطن، وفي قاعات مكيفة لا تصلها رائحة الدم، ولا يزعجها غبار الإسمنت، وجدوا لنا الحل أخيراً.
لقد اجتمع “مجلس السلام”.
لقد فكًرَ، ودبًرَ، واكتشف الداء.
الداءُ ليس الاحتلالُ يا سادة. الاحتلالُ مجرد تفصيلٍ صغيرٍ يمكن تجاوزه بابتسامة.
الداء الحقيقي، صدقوا أو لا تصدقوا، هو “خطاب الكراهية”.
يا إلهي! كيف غاب عنا هذا الاكتشاف العظيم؟
الفلسطيني يقبع تحت الأنقاض، بلا بيت، بلا عائلة، بلا سقف يقيه برد الشتاء.
وبدل أن يكون ممتناً، فإنه للأسف الشديد، يكره من قصَفَه.
وهذا غير لائق.
غير لائق بالمرة في العرف الدبلوماسي الجديد.
سلوكٌ غيرُ حضاري يخدِش الحياء العام للمجتمع الدولي المرهف الإحساس.
لذلك، وبكل “براغماتية”، قررنا التدخل.
سنعيد إعمار غزة. سنرسل المال والإسمنت. هذا مؤكد ومشكور.
لكن الأهم من الإسمنت، أننا سنرسل خبراء وبرامج لـ”مكافحة الكراهية”.
تخيلوا المشهد معي.
طفل يخرج من تحت الرًدْم. يَنفُضُ الغبار عن جُرحه بعد أن فقد كل أفراد أسرته.
فيجدُ خبيرا دوليا ببدلة أنيقة، يربِت على كتفه بلطف ويقول له: عزيزي، لا تغضب. الغضب يفسد الاستقرار.
ابتسم للصاروخ. سامح الطائرة. عانق الدبابة.
كن متسامحاً. فنحن هنا لكي نعلمك “التعايش”.
وما هو هذا التعايش؟
التعايشُ هو أن نجلس جميعاً في “غرفة انتظار” كبيرة جداً، ومفتوحة على السماء.
فيها مستشفيات ميدانية نعالج فيها من يصرون بوقاحة على البقاء أحياء.
وفي الخارج؟
في غزة، يعود القصف والعدوان متى شاء.
ويتواصل قَنْصُ الأحياء ونبشُ قبور الأموات.
وفي الضفة الغربية، تستمر الجرافات في التهام الأرض.
تُسَجٍلها كـ”أملاك دولة” للاحتلال بدم بارد.
لكن لا بأس.
لا يجب أن يُعكٍر هذا صَفْوَ “الاستقرار”.
الاستقرارُ قيمةٌ عليا لا يعلو عليها شيء.
الاستقرارُ يعني أن يموت ثمانون ألف فلسطيني بهدوء تام، دون أن يُزعجوا المجالس الدبلوماسية بضجيجهم وصراخهم.
الاستقرار يعني أن نُفْسِح المجال دون تشويش لتحويل الضفة إلى “يهودا والسامرة”.
الاستقرار يستدعي أن لا يتجاوز إزعاجُنا لمخطط “إسرائيل الكبرى” بياناتٍ بلغةٍ شاحبة.
ويعني أيضاً أن نرسل شرطةً لتدريب شرطة غزة.
ندربهم على ماذا بالضبط؟
على تنظيم المرور بين الحفر؟
على حراسة الخراب المتبقي؟
على تحرير مخالفات وقوفٍ للصواريخ الطائشة؟
لا يهم. المهم أن هناك “قواتُ حفظِ استقرار” ووحداتٌ عسكريةٌ تشارك في المشهد.
فالجلاد في نهاية المطاف يحتاج إلى من يَحفظ له استقراره، وهو يمارس عمله الروتيني في الإلغاء والمحو والقصف والتهديم والتطهير والتهجير.





