24 ساعةأحزابعالم السياسةنقابات

فيديو بلاغ الانسحاب… عندما يتحول القرار الفردي إلى لحظة تأسيس في تاريخ النقابة

في مشهد نقابي مشحون بالتقاطبات والرهانات المتداخلة، يبرز إعلان النعمة ميارة كواقعة تتجاوز حدود الخبر إلى أفق الدلالة. فالدعوة إلى مؤتمر وطني استثنائي لـالاتحاد العام للشغالين بالمغرب يوم 26 أبريل 2026، مقترنةً بقرار عدم الترشح لولاية جديدة، لا يمكن قراءتها إلا باعتبارها فعلاً واعياً يعيد ترتيب منطق السلطة داخل التنظيم، ويؤسس لمرحلة انتقالية دقيقة.

هذا القرار، في بنيته العميقة، يطرح سؤال الشرعية في بعدها الديناميكي: هل تستمد القيادة مشروعيتها من الاستمرارية أم من القدرة على الانسحاب في اللحظة المناسبة؟ هنا، يبدو ميارة وكأنه يختار الخيار الأصعب، واضعاً التنظيم أمام اختبار نضجه المؤسساتي، لا أمام مجرد استحقاق انتخابي عابر.

اللغة التي صيغ بها البلاغ لم تكن محايدة؛ بل حملت شحنة معيارية واضحة، تُعلي من قيمة الوحدة وتدين، بشكل غير مباشر، منطق الاصطفاف. وفي هذا السياق، يصبح إعلان الحياد ليس فقط موقفاً أخلاقياً، بل أداة لضبط التوازنات ومنع انزلاق الصراع إلى مستويات قد تهدد تماسك البنية النقابية.

غير أن ما يمنح هذه اللحظة طابعها المثير، هو التوتر القائم بين ظاهر الانسحاب وإمكانات التأثير المستمر. فالتاريخ النقابي، كما تُظهر تجاربه المقارنة، لا ينفصل فيه النفوذ عن الموقع الرسمي بشكل حتمي. وعليه، فإن غياب ميارة عن واجهة التنافس لا يلغي حضوره كفاعل مرجعي في توجيه المسارات، سواء بشكل مباشر أو عبر شبكات التأثير الرمزي والتنظيمي.

المؤتمر الاستثنائي، في هذا الإطار، يتحول إلى فضاء لإعادة إنتاج الشرعية، من خلال مناقشة التقريرين الأدبي والمالي، وانتخاب قيادة جديدة مطالبة ليس فقط بتدبير الشأن النقابي، بل بإعادة بناء الثقة داخل الجسم التنظيمي. إنها لحظة اختبار مزدوج: اختبار لقدرة النخب الصاعدة على تقديم بدائل مقنعة، واختبار لمدى استعداد القواعد للانخراط في منطق التداول بدل الارتهان للاستمرارية المألوفة.

في العمق، يكشف هذا التحول عن مفارقة بنيوية: فكلما اقترب التنظيم من لحظة التجديد، ازداد خطر التفكك. ومن هنا، فإن نجاح هذه المرحلة لا يقاس بنتائج المؤتمر فحسب، بل بمدى قدرة الاتحاد على تحويل الاختلاف إلى طاقة بناءة، لا إلى معول هدم.

هكذا، لا يبدو قرار الانسحاب نهاية لمسار، بقدر ما يشكل لحظة تأسيسية يُعاد فيها تعريف العلاقة بين القيادة والتنظيم. وبين صرامة الاختيار وانفتاح الاحتمالات، يقف الاتحاد أمام مفترق طرق: إما ترسيخ منطق المؤسسة، أو السقوط في فخ الشخصنة التي طالما أعاقت نضج الفعل النقابي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى