الواجهة

في فوز “زهران ممداني”:

علي فاضلي يكتب:

مما ينسب للإمام العز بن عبد السلام رحمه الله قوله “ﻣﻦ ﻧﺰﻝ ﺑﺄﺭﺽ ﻗﺪ ﺗﻔﺸﻰ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺰﻧﺎ ﻓﺤﺪﺙ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻋﻦ ﺣﺮﻣﺔ ﺍﻟﺮﺑﺎ ﻓﻘﺪ ﺧﺎﻥ الله ورسول الله”.

إنها جملة تبين ضرورة الوعي بفقه الواقع وإذا جاز تأويلها تأويلا “جدليا” ضرورة الوعي بقانون التناقض.

من هذا الباب يجب وعي فوز زهران ممداني بعمودية مدينة نيويورك، وعيا مرتبطا بتناقض اللحظة، وهي قضية تثير مسألة غاية في الأهمية تتمثل في مشاركة المسلمين في تدبير الشأن السياسي في الدول الغربية بقيمه المعروفة.

إنها مسألة شائكة وأثارت الكثير من النقاش، لكن لا يمكن مناقشتها خارج واقع الدول الغربية.

هنا أتذكر مسألة أشار إليها د. سعد الدين العثماني في كتابه “المشاركة السياسية في فقه شيخ الإسلام ابن تيمية” -اتذكر أني انجزت ملخصا وعرضا حول الكتاب وأنا في السنة الأولى إعدادي-، وهو كتاب كان في سياق النقاش والتفاعل مع التيار السلفي المحرم للديمقراطية والاحزاب والمشاركة السياسية.
لقد كان الكتاب مهما لأنه يناقش هذا التيار من خلال أحد أبرز مراجعه وهو ابن تيمية رحمه الله، بالرغم من أن الموقف الحقيقي واللاعب الرئيس في ذلك الموقف هو توجه القوى المعادية لحرية الشعوب والديمقراطية من بعض دول المنطقة، لأن الهدف كان هو دفع المواطن في المنطقة للاعراض عن الاهتمام بالشأن العام والسياسي عبر توظيف النصوص الدينية توظيفا لا اسلاميا، وتوظيفا بئيسا خادما للاستبداد والفساد.

قد يبدو النقاش اليوم -بعد الربيع العربي- حول جواز الديمقراطية والأحزاب والمشاركة السياسية غريبا لدى الجيل الحالي لكنه كان أمرا إشكاليا قبل الربيع العربي، فمن انجازات هذا الربيع، وهذا لايلتفت له، هو تحرير العقل السلفي -عبر فضح تناقضاته وتعريتها- ومعه تحرير عقل جزء معتبر من المواطنين بالمنطقة، وتجاوز النقاشات التي كانت تحرم الديمقراطية وتصفها بالكفر، بحيث اصبحت اليوم الغالبية الساحقة من المواطنين في المنطقة العربية يدافعون عن تبني نظام ديمقراطي وفقا لاستطلاعات الرأي.

إن القوى التي كانت تحرم الديمقراطية والمشاركة السياسية كان لها كذلك تأثير سلبي على عقل الإنسان المسلم في الغرب، ودفعت قطاعا واسعا منه لعدم الاهتمام بالمشاركة في الشأن السياسي، باعتباره عملا لايجوز شرعا لأنه يتعلق بدار “الكفر”، بل إن تلك القوى الرجعية أصدرت فتاوى تحرم حتى التجنس بجنسيات الدول الغربية، وهي فتاوى كان هدفها سياسيا بالأساس لأنها خادمة للاستبداد والفساد، الذي كان يخاف من تحول المسلمين المهاجرين لفاعل سياسي ديمقراطي ومؤثر في الدول الغربية، وبالتالي “فضح” نموذج تلك الدول “البيترودولارية”.

إن المسألة التي أشار اليها سعد الدين العثماني في كتابه هي رأي ابن تيمية في قصة سيدنا يوسف عليه السلام، وقبوله تولي مسؤولية “سامية” -بلغة اليوم- في ظل نظام كافر، وقبوله العمل وفقا ذلك النظام، لأن الهدف كان هو تأمين وحماية المؤمنين من قومه.

وهي مسألة وقصة قليلا ما نقف عندها بالرغم من أن قصة سيدنا يوسف هي من أشهر قصص الأنبياء عليهم السلام شهرة لدى المسلمين.

إن التناقض الرئيس اليوم هو المشروع الصصصهيوني وجرائم الإبادة التي يرتكبها بحق الشعب الفللسسطيني، وبالتالي فأي صوت يواجه هذا المشروع وجرائمه خصوصا من داخل أمريكا هو صوت مهم ينبغي دعمه، أما مسألة التناقض مع القيم الغربية السائلة فهي معركة طويلة ومستمرة.

إن هذا التناقض هو الذي كان يتطلب خسارة “هاريس” أمام ترمب لتعزيز التناقض بين جمهور الديمقراطيين -ومن بينهم اليهود- والدولة الصصصهيونية، وهو ما يحصل بالفعل، وهذا التناقض مع المشروع الصصهيوني في المنطقة هو الذي يدفع للنظر للمشهد السياسي الامريكي ليس من زاوية ديمقراطي في مقابل جمهوري، بل من زاوية رافض-متحفظ-مهاجم للدولة الصهي–ونية واللوبي الصه-يوني.

واليوم، فحتى داخل الحزب الجمهوري تتزايد نسبة الانتقاد-الرفض-المواجهة مع الدولة الصه-يونية بشكل كبير جدا، خصوصا داخل حركة “ماغا”.

والنموذج هو حلقة Tucker Carlson، احد أشهر الاعلاميين الأمريكيين، وأحد أبرز المؤثرين في الرأي العام لامريكي خصوصا الجمهورين، التي استضاف من خلالها Paul Dans الذي اعلن ترشحه للفوز بترشيح الحزب الجمهوري ضد “ليندزي غراهام” احد أبرز الجمهوريين في مجلس الشيوخ.

وPaul Dans ليس بالشخصية العادية داخل الجمهوريين، فهو مهندس مشروع 2025 الذي يعبر عن حركة “ماغا”، وهو مشروع ضخم نشر في أزيد من 900 صفحة من انجاز The Heritage Foundation وهي من أبرز مراكز الابحاث المحافظة تاثيرا اليوم، خصوصا لدى ترمب وإدارته.

وينطلق Tucker Carlson في هجومه اللاذع والقوي على “ليندزي غراهام” بسبب دعمه لإجرام الدولة المجرمة، فTucker Carlson يتبنى ما يسميه الاخلاق المسيحية التي تحرم القتل والدعوة إليه، وقد تبنى Paul Dans في حملته شعار عدم توجيه الاموال الى الدول الخارجية ومن بينها الدولة الصه-يونية، والعمل على استثمارها في امريكا، كما أشار Paul Dans إلى ان الشباب الامريكي ينتقل نحو “التيار التقدمي” بسبب مواقف هذا الأخير وتبنيه سياسات جالبة للشباب.

لذلك يجب وضع فوز “زهران ممداني” في هذا السياق في ظل هذا التناقض، وهو عزل أمريكا عن الدولة المجرمة، وتعميق التناقضات بينهما، وجعل دعم السياسيين الامريكيين للدولة المجرمة مكلفا جدا، لأن المشروع الصصه-يوني هو أكبر خطر يهدد المنطقة وشعوبها وديمقراطيتها وتنميتها.

زهران ممداني هو ابن الرأسمالية الامريكية والنموذج الامريكي، فهو ليس بالمناقض الجذري لذلك النظام، بل يعمل على تحسين ظروف معيشة الافراد الذين يعيشون في ظله، لكن فوزه يجب أن يفهم في سياق مواجهة المشروع الصهي—وني واللوبي الصه-يوني، وكذلك الحال مع تيار ماغا المعارض للدولة الصه-يوني واللوبي الصه-يوني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى