قرار مجلس الاجتهاد الفقهي بشأنِ نوازل الزكاة في واقع حرب الإبادة التي يتعرض لها قطاع غزة

بسم الله الرحمن الرحيم
قرار مجلس الاجتهاد الفقهي رقم 34 (4/2025م) بشأنِ نوازل الزكاة في واقع حرب الإبادة التي يتعرض لها قطاع غزة
دَرَسَ مجلسُ الاجتهادِ الفقهيّ عدداً من المسائلِ والنّوازلِ الفقهيّةِ المُتعلّقةِ بالزّكاةِ، تلكَ التي ظهرَت خلالَ حربِ الإبادةِ المُستمرّةِ علَى قطاعِ غزّة، وبعدَ الاطّلاعِ على المسائل المعروضة، والدراسةِ المقدّمَةِ مِن أمانةِ المجلسِ، ومناقشةِ ما جاء فيها تفصيلًا، توصَّل المجلسُ إلى القراراتِ الثّمانيَةِ التّاليَةِ:
أولًا: جواز تعجيل الزكاة بسبب الظروف الاستثنائية:
1. يجوزُ إخراجُ الزّكاةِ قبلَ حَوَلانِ الحَوْلِ إذَا بلغَ المالُ نصاباً؛ عملاً بحديثِ عَلِيٍّ رضِيَ اللهُ عنهُ (أَنَّ الْعَبَّاسَ رضيَ اللهُ عنهُ سَأَلَ النَّبِىَّ ﷺ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِى ذَلِكَ) [حسنٌ، أبو داود: 1626]، وعَملاً بالقاعدةِ الفقهيَّةِ أنَّ مَا تعلَّقَ وجوبُهُ بسببينِ مِنَ العباداتِ الماليَّةِ؛ كالزّكواتِ والكفارَاتِ؛ جازَ تقديمُه عندَ وجودِ أحدِهِمَا؛ فيجوزُ تعجيلُ الزَّكاةِ بعدَ بلوغِ النِّصابِ، وقبلَ حَولانِ الحَولِ.
2. يتأكّدُ جوازُ تَعجيلِ الزّكاةِ فِي الحَالاتِ الاستثنائيَّةِ، كمَا في واقعِ قطاعِ غزّةَ؛ بسببِ الحصارِ الشَّديدِ، وسياسةِ التَّجويعِ وحربِ الإبادَةِ التي يشنُّهَا الاحتلالُ الصهيونيُّ علَى غزّةَ منذُ قُرابةِ عامَينِ.
ثانيًا: حكم إنشاء مراكز إيواء النازحين من مال الزكاة:
1. يجوزُ إنشاءُ مراكزِ الإيواءِ، والمُخيّماتِ الخاصّةِ بالنَازحينَ، ورعايتُها، وتطويرُها، وصيانتُها، مِن أموالِ الزّكاةِ؛ ذلكَ أنَّ الزّكاةَ شُرِعَت لسدِّ خَلَّةِ المُحتاجِينَ، والنّازِحُونَ مِن أماكنِ القَصفِ، ومَنْ هُدِّمَت بيوتُهم، ولَم يَجِدُوا مأوَى يسترُ عائلاتِهم، هُم مِن المُحتاجِينَ، وقَد قالَ تعالَى: (إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم) [التوبة: 60].
2. إنَّ إنشاءَ مراكزِ إيواءِ النّازِحينَ، وتوفيرَ الطّعامِ لهم، ورعايتَهُم، يندرجُ ضمنَ عَددٍ مِن مصارفِ الزّكاةِ؛ كمصرفِ (الفقراءِ، والمساكِينِ)؛ ذلكَ أنَّ غالِبَ النازحينَ قَد هُدِمت مساكنُهم، أو نزحُوا عنَها بسببِ الحَربِ، ويغلِبُ عليهِمُ الفقرُ والحاجَةُ، كمَا يندرجُ ضِمنَ مَصرفِ (فِي سبيلِ اللهِ)، وتأليفِ قلوبِ أهلِ الثُّغورِ علَى الجِهَادِ، وتثبيتِهم فِي أرضِهم.
3. إذَا كانَ النّازحُ فقيراً أو مِسكيناً؛ فيجوزُ تمليكُه الأدواتِ المُعدَّةَ للإيواء؛ كالخِيَامِ، ونحوِهَا، وإذا كانَ غِنِيّاً؛ فيجوزُ لَهُ الانتفاعُ بِهَا طيلةَ مُدّةِ نُزُوحِهِ؛ فإذَا تمكَّنَ مِن الرُّجوعِ إلَى بيتِهِ، أو إيجادِ مأوَى، تَرَكَهَا لِغَيرِهِ مِن النّازِحِينَ.
ثالثًا: حكم تمويل العمل الدعوي من مال الزكاة:
1. يَجُوزُ تمويلُ العملِ الدّعوِيِّ والقرآنِيِّ في قطاعِ غزَّةَ مِن أموالِ الزَّكاةِ، وذلكَ للاعتبارَاتِ الشَّرعِيّةِ التّالِيَةِ:
أ. إنَّ تَحفيظَ القرآنِ الكريمِ، وخاصّةً فِي زمَنِ الحَربِ، داخلٌ فِي مَصرِفِ (فِي سيبلِ اللهِ) بمفهومِه الضَّيّقِ؛ عملاً بقولهِ تعالَى: (فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا) [الفرقان: 52]، والضَّمِيرُ فِي قَولِهِ: ﵟبِهِۦﵞ يعودُ علَى القرآنِ الكريمِ؛ لأنه سبَبٌ فِي زِيَادَةِ الإيمانِ، وصِحَّةِ العَقِيدَةِ، وهِيَ مِن أقوَى الأسلحَةِ، ولأنَّ أهلَ غزَّةَ بحاجةٍ إلى مَن يُثبِّتُهم، ويربِطُ علَى قلوبِهِم، بعدَ أن خذلتهُم الأمّةُ قاطبةً فِي حربِ الإبادةِ الكونيّةِ الّتِي تُشَنُّ عليهِم.
ب. إنَّ إعلاءَ كلمَةِ اللهِ تكونُ باللِّسَانِ والدّعوةِ؛ كمَا تكونُ بالمَجهُودِ الحربِيِّ؛ فعَنْ أَنَسٍ رضِيَ اللهُ عنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَأَنْفُسِكُمْ، وَأَلْسِنَتِكُمْ) [صحيحٌ، أبو داود: 2506]، والعملُ الدّعويُّ ركنٌ أصيلٌ في مُجاهدةِ الصّهايِنَةِ المُعتَدِينِ باللِّسَانِ؛ لمَا فيهِ مِن تعبئَةِ المُجاهدِينَ، وتوعِيَةِ النَّازِحِينَ، وتصبيرِ المكلومِينَ.
ت. إنَّ غالبَ العَامِلِينَ فِي مجالِ الدّعوةِ، والوعظِ والإرشادِ، وتحفيظِ القرآنِ الكريمِ فِي قطاعِ غزّةَ، هُم مِن الفقراءِ والمساكينِ، أو مِن المُحتاجينَ؛ بسببِ النُّزوحِ المُتكرِّرِ، وفقدِ المساكِنِ، وتفشِّي المجاعَةِ؛ فيجوزُ لهُم الأخذُ مِن الزّكاةِ قطعاً، فكيفَ إذا كانُوا مِمَّن يسعونَ بينَ النَّاسِ دعوةً وإرشاداً، ويُحفِّظُونَ أبناءَنَا القرآنَ الكريمَ؟!
2. إنَّ القولَ بجوازِ الإنفاقِ مِن مالِ الزّكاةِ علَى العملِ الدّعوِيِّ والقرآنِيِّ فِي قطاعِ غزّةَ، شرطُهُ ألّا يُزاحِمَ حقوقَ الفقراءِ والمُعوِزينَ، وأن يكونَ بمقدارِ حاجةِ العَملِ، ودونَ تَوَسّعٍ فِي الكماليّاتِ والتّحسينيّاتِ؛ لِشُحِ مواردِ الزّكاةِ فِي غزّةَ بسببِ الحصارِ الخانِقِ، وزيادَةِ أعدادِ الفقراءِ والمحتاجينَ الّذِينَ لَا يجدونَ الطّعامَ والشّرابَ، فَضْلاً عَن المَأوَى والملبَسِ.
رابعاً: حكم إخراج الزكاة حال عدم توفر السيولة:
1. الأصلُ فيمَن بلَغَ مالُه نصاباً، وحالَ عليهِ الحَولُ، وكانَ قادراً على إخراجِ الزكاةِ، أن يُبادِرَ إلَى إخراجهَا فوراً، ولَا يجوزُ لَهُ تأخيرُهَا؛ وإلَا كانَ مُمَاطِلاً، مانعاً لِحَقِّ الفُقرَاءِ، وضَامِناً لَهُ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضِيَ اللهُ عنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ) [البخاري: 2166]، والظُّلمُ حَرامٌ، وهوَ مِنَ الكبائِرِ، فيكونُ تأخيرُ الزَّكاةِ حُوباً كَبِيراً.
2. إذَا لَم تتوفّرْ لدَى الغنِيِّ سُيولَةٌ نقديّةٌ فِي يَدِه، وكانَ مالُه مَوجُوداً فِي الحسابِ البنكِيِّ، أو المَحَافِظِ الرقميَّةِ، وكانَ قادراً علَى إخراجِ الزكاةِ مِن خلالِ تحويلهَا إلَى حِسَابِ الفقيرِ مُباشَرةً، أو المؤسَّساتِ الزّكويَّةِ الموثُوقَةِ؛ فلا يجوزُ لَهُ تأخيرُ إخراجِ الزّكاةِ حالئذٍ؛ وذلكَ لقُدرتِهِ علَى إخراجِهَا علَى الفَورِ.
3. إذَا لَم يكُن الغنيُّ قادراً علَى إخراجِ زكاتِه مِن خلالِ الحساباتِ البنكيّةِ، أو المَحَافِظِ الرّقميّةِ؛ كأن يكونَ مالُه غائباً، وغيرَ مُودَعٍ فِي البنكِ؛ فيجوزُ له في هذِه الحالةِ تأخيرُ إخراجِهَا إلَى حينِ ميسَرةٍ؛ لقولِه تعالَى: (وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖ) [البقرة: 280]، وذلكَ بشرطينِ اثنَينِ:
أ. أن ينوِيَ إخراجَ الزكاةِ فورَ قُدرتِه علَى ذلكَ؛ فإنَّما الأعَمَالُ بِالنِّيَّاتِ.
ب. أن يُبَيِّنَ ذلكَ فِي وصيتِهِ؛ مخافةَ أن يُدرِكَهُ الأجلُ قبلَ إخراجِها، فيختلطَ حَقُّ الفقراءِ بمالِهِ، ويموتُ مُجْهِلاً.
4. مِمَّا يلحَقُ بزكاةِ المَالِ في وُجوبِ التعجيلِ: سائرُ الكفاراتِ الماليَّةِ؛ ككفّارتَيِ اليمينِ، والظِّهارِ، وسائرُ النذورِ، وزكاةُ الفِطْرِ، علَى الرَّاجِحِ مِن أقوالِ العُلمَاءِ؛ فالأصلُ فيهَا المُسارعَةُ إلَى إخراجِهَا؛ متَى وجبَت فِي ذمّةِ المُكلّفِ، ولْيحرِصْ على أن يُقدّمَ الأصلحَ للفقيرِ؛ فيعطيَهِ نقدًا إذا توفَّرَ، وإلّا فَلا حرجَ أن يحوِّلَ لهُ المالَ عبرَ التَّطبيقِ البنكيِّ.
خامساً: نسبة العمولة على المزكي أم تخصم من الزكاة؟
1. يَجِبُ علَى المُزكِّي أن يُوصِلَ الزّكاةَ إلى أهلِها كَامِلَةً دُونَ أيِّ نُقصانٍ؛ فلو احتاجَ إيصالُهَا إلَى مستحقِّيهَا نفقاتٍ؛ كتكاليفِ سفرٍ، أو مؤونَةِ نَقلٍ، أو تحويلٍ بنكِيٍّ؛ فإنَّ ذلكَ يكونُ علَى المُزَكِّي، ولا يجوزُ خصمُه مِن الزَّكاةِ؛ لأنَّهُ إن لَم يتحملَّهُ؛ وصلتِ الزّكاةُ للفقيرِ ناقصَةً، والواجِبُ أن تصلَ الزّكاةُ إليهِ كاملةً.
2. تَشملُ رسومُ التّحويلِ البنكِيِّ الَّتِي يتحمَّلُهَا المُزَكِّي كُلّاً مِن المبلغَ الَّذِي يخصُمُه البنكُ الوسيطُ الَّذِي يقومُ بتحويلِ الزَّكاةِ، والمبلغَ الَّذِي يخصُمُهُ البنكُ الَّذِي يستقبِلُ المالَ فِي البلدِ المُرسَلِ إليهِ؛ لأنّهُمَا مِن جُملَةِ نفقةِ إيصالِ الزَّكاةِ إلَى مُستحقِّيهَا، وقَد تقرَّرَ أنَّها تلزَمُ صَاحِبَ المالِ، ولا يجوزُ أن يتحمَّلَهَا الفَقِيرُ.
3. لا يتحمّلُ المُزكِّي المبلغَ الّتِي يتمُّ خصمُهُ عندَ تسييلِ المَالِ، وتحوِيلِهِ إلى نقدٍ؛ لأنَّهُ ليسَ مَؤُنةَ نقلٍ، ولَا أجرةَ توصيلٍ، ولكنّه عمولَةُ بدلِ تسييلٍ فِي واقعِ بلادِنَا بسببِ الحربِ، والحصارِ الخانقِ الذي يَخضعُ له القطاعُ، ويُرجَعُ فِي حكمِ هذِه العمولَةِ إلى قرارِ المجلسِ رقم (31) (1/2025م)، الصادر بتاريخِ 12 رجب 1446ه، الموافق 12 كانون ثاني 2025م.
سادساً: حكم تحويل الزكاة لطرود غذائية؛ لعدم توفر السيولة:
1. يجِبُ إخراجُ زكاةِ النُّقودِ نَقداً، وكذلكَ عروضُ التجارةِ علَى الرَّاجحِ؛ لأنّها قُوِّمَت بالنَّقدِ؛ ذلكَ أنَّ النّقودَ أنفعُ لمُستحقِّي الزّكاةِ مِن غَيرِهِا مِن أنواعِ المالِ؛ فإنَّ النُّقودَ تسدُّ مسَدَّ غيرِهَا مِن العروضِ والطرودِ، بينمَا غيرُهَا لا يسدُّ مسدَّهَا غالباً، سواءٌ تمَّ إخراجُ الزّكاةِ بشكلٍ مُباشرٍ، أَو من خلالِ التحويلِ عبرَ الحساباتِ البنكيَّةِ، أو المحافظِ الرّقمِيَّةِ، علَى وفقِ مَا جاءَ في البندِ (رابعاً) مِن هذَا القرارِ، ولا يجوزُ الخُروجُ عَن هذَا الأصلِ العامِّ إلا لِعُذرٍ مُعتَبَرٍ شَرعاً.
2. يُرَخَّصُ للتُّجارِ فِي إخراجِ زكاةِ أموالِهم علَى شَكلِ موادَّ عينيّةٍ؛ كالطُّرودِ الغذائيَّةِ ونحوِهَا، باجتماعِ خَمسةِ شُروطٍ:
أ. أنَ يكونَ غيرَ قادرٍ علَى إخراجِها نقداً؛ بسببِ فَقْدِ السُّيولَةِ، ولو مِن خلالِ الحسابِ البنكيِّ؛ ذلكَ أنَّ إخراجَها بقيمتِهَا مِن الموادِ العينيَّةِ الَّتِي يحتاجُها الفقيرُ أولَى مِن تأخيرِهَا لحينِ توفُّرِ السُّيولَةِ.
ب. أن تكونَ الموادُ العينيَّةُ ممَّا يَسُدُّ حاجَةَ الفقراء،ِ والمساكينِ، وسائرِ المصَارِفِ، حقيقةً؛ كالغذاءِ، والكساءِ، والدَّواءِ، ولا يجوزُ إخراجُهَا مِنَ الكماليَّاتِ أو التَّحسِينيّاتِ؛ لأنَّ المَقصِدَ مِنَ الزَّكاةِ هوَ سدُّ الحاجَةِ.
ت. ألَّا يُخرِجَ زكاتَه مِن البضَائِعِ الكَاسِدَةِ؛ لقولِه تعالَى: (وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) [البقرة: 267]، ولأنَّ البضاعةَ الكاسدَةَ لا تَجِبُ فيهَا الزَّكاةُ علَى الرَّاجِحِ، إلَّا عندَ التخلُّصِ منهَا بالبَيعِ؛ فلا يجوزُ احتسابُهَا عَن الزَّكاةِ فِي مُقابِلِ ذَلِكَ.
ث. أن يُخرِجَها التّاجِرُ بِسِعْرِ مَا قامَت عليهِ، وهوَ سِعرُ التّكلفَةِ؛ وليسَ بسعرِ البَيعِ فِي السُّوقِ؛ حَتَّى لا يتاجِرَ بزكاتِه؛ لأنَّ الزّكاةَ شُرعَت لسدِّ حاجَةِ الفقراءِ، لا لتربُّحِ الأغنيَاءِ.
ج. أن تسبِقَ النِّيّةُ الإخراجَ، أو تكونَ مُقارِنَةُ لهُ؛ فلا يجوزُ احتسابُ الزّكاةِ ممَّا أخرجَه سابقاً علَى وجهِ الدَّينِ، ولَو كانَ لفقيرٍ أو مُحتاجٍ؛ لأنَّ المقِصَد مِن الزّكاةِ سدُّ حاجَةِ الفقراءِ، وليسَ إحياءَ أموالِ الأغنياءِ، كمَا أنَّ الزّكاةَ مِن التّملِيكَاتِ، وخَصمُ الدّينِ، واحتسابُه مِن الزًّكاةِ إسقَاطٌ، وليسَ تمليكاً.
3. يُرخَّصُ للجمعيّاتِ الموثوقةِ الّتِي تجمعُ الزّكاةَ وتفرِّقُهَا علَى مُستحقِّيهَا أن تتحرَّى مصلحَةَ الفقيرِ، وتقدِّمَ الغِذاءَ والدَّواءَ الَّذِي يحتاجُه الفقيرُ حقيقةً مِن مالِ الزكاةِ؛ بشرطِ أن يكونَ ذلكَ أنفعَ للفقيرِ قطعاً، وألَّا يكونَ مقصودُهم التّخلُّصُ مِن البضاعَةِ الكاسِدَةِ أو الفاسدَةِ، أو الّتِي لا يحتاجُهَا الفقراء؛ ذلكَ أنّهُ يجِبُ مُراعاةُ مصلحَةِ الفقيرِ أولًا وأخيرًا، ويلزمُ تقديمُ مَا فيهِ منفعتُه وحاجتُه ومصلحتُه؛ فإنَّ مِن أهمِّ مقاصِدِ الزّكاةِ سدَّ حاجَةِ الفقراءِ والمساكينِ.
سابعاً: حكم بناء المصليات من أموال الزكاة:
1. إنَّ بناءَ المساجدِ والمصلّياتِ، وصيانتَها، ليسَ مِن مَصارفِ الزّكاةِ الثَّمانيةِ المنصوصِ عليهَا في الآيةِ (60) مِن سورةِ التوبةِ، كمَا أنَّ الواقعَ يشهَدُ بحاجةِ المصارفِ المنصوصِ عليهَا إلَى أموالِ الزَّكاةِ، مَع عدمِ وفائِها بهذا الاحتياجِ، بالإضافَةِ إلى ارتفاعِ تكاليفِ بناءِ المساجدِ، ويُرجَعُ فِي تفصيلِ ذلكَ إلَى قرارِ المجلسِ رقم (19) (11/2022م) بشأنِ القضايا الفقهيّةِ المتعلقَةِ بالمساجدِ، الصّادرِ بتاريخ 12 جمادى الآخرة 1444ه، الموافق، 5 كانون الثاني 2023م.
2. يُستثنَى مِن ذلكَ إقامَةُ المُصلَّياتِ فِي مخيّماتِ إيواءِ النازحينِ، ومراكزِ الإيواءِ؛ لجوازِ إقامَةِ هذِه المخيّماتِ مِن أموالِ الزّكاةِ، ووجودُ المصلَّيَاتِ بالقدرِ المُحتاجِ إليهِ فيهَا يُعَدُّ مِن ضروريَّاتِ هذِه المُخيّماتِ، أو حاجيَّاتِهَا؛ بشرطِ عدمِ التوسُّعِ والإسرافِ فِي إقامتِهَا، وألّا يؤدِّيَ ذلكَ إلَى الإضرارِ بالفقراءِ والمساكينِ، وفقَ ما تمَّ بيانُه فِي البندِ (ثانِياً).
ثامناً: أولويات مصارف الزكاة في خضم الحرب:
1. مَع قسوةِ الحربِ، والعدوانِ علَى قطاعِ غزَّةَ، فإنَّ أولويّةَ صرفِ الزكَاةِ تكونُ للفقراءِ الأشدِّ فقرًا، ومَن دُمِّرَت بيوتُهم، وباتُوا بِلا مأوَى، ومَن فَقدوا أموالَهم ومصادِرَ دخلهِم، ولعائلاتِ الشُّهداءِ والجَرحَى، الّذِينَ فقدُوا مُعيلَهم، والأولويّةُ كذلكَ لمصرِفِ الجهادِ فِي سبيلِ اللهِ؛ إعلاءً لرايةِ الدِّينِ، ودفاعاً عَن حياضِ الإسلامِ، وحرماتِ المسلمينَ، ونصرةً للمُجاهدِينَ الّذِينَ يواجِهُون حرباً صليبيّةً صهيونيّةً عالميَّةً بصدورِهم وأرواحِهِم، فِي ظلِّ تخاذُلِ الأمّةِ عَن نُصرَتِهِم.
2. يدعُو مجلسُ الاجتهادِ الفقهِيِّ كلَّ أبناءِ الأمّةِ الإسلاميّةِ فِي شرقِ الأرضِ وغربِهَا إلَى الوقوفِ مَع أهلِ غزّةَ بأموالِهِم، وألسنتهِم، وجُهدِهِم، وكلِّ مَا يستطيعُونَ، في مواجهَةِ حربِ الإبادةِ التّي يتعرّضُ لهَا قطاعُ غزّةَ منذُ أكثرَ مِن واحدٍ وعشرينَ شهراً، وسطَ صمتٍ عالميٍّ، وتواطؤٍ غربِيٍّ، وتخاذُلٍ عربيٍّ وإسلامِيٍّ؛ فإنَّ نصرة المسلمين في غزَّةَ مِن أوجبِ الواجباتِ، أو أبسطِ حقوقِ الأخوّةِ الإسلاميَّةِ؛ وإلَّا تفعلوهُ تكُن فتنَةٌ فِي الأرضِ، وفسادٌ كبيرٌ.
وحسبُنا اللهُ ونعمَ الوكيلُ.
واللهُ الموفّقُ، وهو الهادِي إلى سواءِ السَّبيلِ.
مجلس الاجتهاد الفقهي
الثلاثاء 24 ربيع الأول 1447هـ
الموافق 16 سبتمبر 2025م





