لغز سد سيدي سعيد معاشو: امتلاء قياسي يتبعه تراجع سريع رغم أمطار الخير بدكالة
لغز سد سيدي سعيد معاشو: امتلاء قياسي يتبعه تراجع سريع رغم أمطار الخير بدكالة

محمد الصابوني(حمودة).
يثير تطور الوضعية المائية بسد سيدي سعيد معاشو، التابع لحوض أم الربيع، تساؤلات متزايدة لدى المتتبعين للشأن البيئي والمائي بجهة دكالة، وذلك بعد تسجيل تباين لافت في نسب الملء خلال فترة زمنية قصيرة، وفق المعطيات الرسمية المنشورة من طرف وزارة التجهيز والماء.
فخلال الأشهر الأخيرة، انتقلت نسبة ملء السد من مستويات ضعيفة جداً خلال شهر أكتوبر الماضي، إلى نسبة امتلاء شبه كاملة خلال شهر دجنبر، قبل أن تعود للانخفاض مجدداً إلى حوالي 10 في المائة مع بداية سنة 2026. هذا التطور السريع في منحنى التخزين يطرح تساؤلات مشروعة، خاصة عند مقارنته بوضعية سدود كبرى داخل نفس الحوض المائي، مثل سد المسيرة وسد بين الويدان، اللذين يتميزان عادة باستقرار نسبي في منحنى التخزين رغم كونهما يخضعان لنفس السياق المناخي العام.
ويكتسي حوض أم الربيع أهمية استراتيجية كبيرة على المستوى الوطني، إذ يضم سلسلة من السدود الكبرى والمتوسطة الموزعة بين المجرى الرئيسي للنهر وروافده، ويبلغ عدد السدود الرئيسية بالحوض ما يقارب عشرة إلى اثني عشر سداً، من بينها سدود كبرى تشكل العمود الفقري للأمن المائي بعدد من الجهات. ومن أبرز هذه السدود، المرتبة تقريبياً من أعالي الحوض نحو المصب، سد تيمينوتين، سد سيدي إدريس، سد آيت مسعود، سد بين الويدان على واد العبيد كأحد أهم روافد النهر، ثم سد مولاي يوسف، وسد أحمد الحنصالي، يليه سد المسيرة كأكبر منشأة تخزينية على النهر، قبل الوصول إلى سد إمنفوت، وسد الدورات، ثم سد سيدي سعيد معاشو كآخر السدود الكبرى قبل وصول مياه النهر إلى المحيط الأطلسي قرب مصب أم الربيع.
ويشكل سد سيدي سعيد معاشو منشأة مائية ذات أهمية خاصة لمنطقة دكالة، إذ يلعب دوراً أساسياً في توازن المنظومة المائية أسفل الحوض، كما يساهم تاريخياً في دعم التزود بالمياه لأغراض متعددة تشمل الفلاحة والطاقة وبعض الاستعمالات المرتبطة بالماء الشروب بشكل غير مباشر. كما يمثل السد نقطة تنظيم أخيرة لتدفقات المياه قبل وصولها إلى السهل الساحلي، ما يجعله عنصراً تقنياً حساساً في منظومة تدبير الموارد المائية للحوض.
غير أن المفارقة التي تستوقف المتابعين حالياً تتمثل في كون المناطق الواقعة في سافلة السد، خاصة بسهل دكالة، عرفت خلال الفترة الأخيرة تساقطات مطرية مهمة ساهمت في إنعاش الفرشة المائية وتحسين الوضعية الفلاحية، وهو ما خفف نسبياً من الحاجة إلى استعمال مياه السقي انطلاقاً من مخزون السد. كما أن مدينة الجديدة التي تعد أكبر حاضرة في سافلة السد أصبحت تعتمد بشكل متزايد على مياه تحلية البحر، وهو ما كان من المفترض أن يقلص الضغط على الموارد السطحية المرتبطة بالسد.
ورغم هذه المعطيات، سجل السد انخفاضاً سريعاً في نسبة الملء بعد فترة قصيرة من امتلائه، وهو ما يطرح تساؤلات تقنية مشروعة حول طبيعة التدبير المائي المعتمد خلال هذه الفترة، خاصة في ما يتعلق بعمليات تصريف المياه أو تحويلها داخل منظومة السدود المرتبطة بحوض أم الربيع، أو ارتباط الأمر بعوامل تقنية مرتبطة ببنية السد أو بدوره التنظيمي داخل الشبكة المائية للحوض.
ويأتي هذا النقاش في سياق وطني يتسم بتزايد الوعي بأهمية تدبير الموارد المائية في ظل التغيرات المناخية وتوالي سنوات الجفاف، وهو ما يجعل من الشفافية في المعطيات والتواصل المؤسساتي حول تدبير المياه عنصراً أساسياً لتعزيز ثقة المواطنين والفاعلين المحليين.
وانطلاقاً من أهمية هذا الموضوع بالنسبة للساكنة والقطاع الفلاحي والاقتصادي بجهة دكالة، يطرح متتبعون وفاعلون محليون تساؤلات مشروعة حول الأسباب التقنية الكامنة وراء هذا التذبذب السريع في نسبة ملء سد سيدي سعيد معاشو، مقارنة بسدود أكبر داخل نفس الحوض، كما يدعون إلى تدخل القسم التقني لوكالة الحوض المائي لأم الربيع من أجل تقديم توضيحات دقيقة حول هذه الوضعية، وشرح طبيعة العمليات المائية التي تمت خلال الفترة الأخيرة، ومدى ارتباطها بتدبير شامل لمنظومة السدود بالحوض أو بخصوصيات تقنية مرتبطة بالسد ذاته.
وفي انتظار التوضيحات التقنية الرسمية، يبقى موضوع تطور مخزون سد سيدي سعيد معاشو من القضايا التي تستحق مزيداً من التتبع والتحليل، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالأمن المائي والاقتصادي والاجتماعي لمنطقة دكالة ولحوض أم الربيع بشكل عام.








