لومومبا رمز المقاومة وبطل الكونغو الذي قُتل في ذروة شبابه ينبعث في الكان بالمغرب.

إعداد: عبد الرحيم مفكير
=====
على هامش الوقفة المثيرة للجدل لمشجع منتخب الكونغو، وللتعريف بالشخصية التي جسدها هذا المشجع، والتي تركت بصمة في تاريخ الكونغو، ورفعا لبعض ملابسات واتهامات جهات للمغرب، في علاقته بالزعيم باتريس لومومبا، والتي ذهب بعضها افتراء وبهتانا أن المغرب ساهم في اغتيال الرجل، وهذا من الكذب الصراح والتي تكذبه الحقائق والأدلة، ويكفي استقبال محمد الخامس لهاته الشخصية المثيرة للجدل، بل أكثر من ذلك وضع صورة له على طوابع البريد المغربية.
باتريس لومومبا بالكان:
لقد كان حضور شخصية باتريس لومومبا لافتا لكل المتابعين لهذا الحدث القاري، كان 2026م، لما حاكى أحد المشجعين هاته الشخصية، وجسدها في أبهى صورها، إنها شخصية للزعيم إفريقي بالتأكيد أن الجيل الحالي وعشاق المستديرة لا يعرفونه، إنه أحد رموز النضال والتحرر الأفريقي من الاستعمار الغربي.
الوقفة وطبيعة اللباس وملامح الوجه، ورفع اليد طيلة مباريات بلده، شد بها المشجع كل المهتمين بالكان.
لقد جسد هذا المشجع شخصية باتريس، وحول تمثال الزعيم من العاصمة الكونغولية كينشاسا إلى المغرب، ليذكر بالإجرام الاستعماري
والمجازر التي ارتكبها الغاشم البلجيكي أثناء احتلاله البلاد ما بين 1908 و1960، ومن أشدّها هولاً جريمة اغتيال المقاوم باتريس لومومبا، بتواطؤ من لدن قوى دولية، والتمثيل بجثته ثم تذويبها، بحيث لم يتبق منها سوى «سِنّ» واحدة، أعادتها بلجيكا عام 2022 إلى الكونغو الديمقراطية، في إطار ما سُمّي بـ «اعتذار رسمي» واعتراف بـ «المسؤولية الأخلاقية» !
لا شك في أن المواطنين المغاربة وزوار بلدهم يستحضرون سيرة المناضل الراحل حينما يمرّون بأحد أكبر شوارع العاصمة الرباط الذي يخلّد اسمه وبطولته وذكراه، تأكيدًا على «تناسج» صور المقاومة ضد المستعمر الغربي بين الشعوب الأفريقية جميعها.
مسار مناضل:
وُلِدَ باتريس لومومبا في 2 تموز/يوليو 1925، والتحق بالمدرسة التبشيرية الكاثوليكية، ثم بالمدرسة البروتستانتية. عمل في شركة تعدين، وصحافياً، وموظفاً في مكتب البريد. تزوج من بولين أوبانجا، ورزقا بستة أطفال، عاشوا بعد اغتياله تحت رعاية الرئيس المصري جمال عبد الناصر عند لجوئهم إلى مصر.
في 1 آب/أغسطس 1885 أصبحت الكونغو مِلكاً خاصاً لعاهل بلجيكا، ليوبولد الثاني، وطيلة 23 سنة تعامل التاج البلجيكي بوحشية مع الكونغوليين وارتكب الفظاعات في حقهم، خصوصاً العاملين منهم في المناجم التي كان يستغلها، وفي العام 1908، أصبحت الكونغو تابعةً للدولة البلجيكية.
وتشير الإحصائيات إلى أن جرائم القوات الاستعمارية، والأوبئة، حصدت بين العامين 1880 و1926، نصف سكان الكونغو، إلى حد أن بعض المؤرخين يشيرون إلى هذه الفترة على أنها “محرقة منسية”.
في أواخر أربعينيات القرن العشرين، وخلال الخمسينيات، ظهر في الكونغو البلجيكية، وتحديداً في العاصمة ليوبولدفيل، اتجاهان رئيسان يطالبان بالاستقلال:
– اتجاه يريد استقلالاً في إطار فيدرالي، وقد شكل في عام 1949 “جمعية تحالف باكونغو” (ABAKO)، التي أصبح جوزيف كاسا فوبو رئيساً لها عام 1954.
– اتجاه يريد استقلالاً يحافظ على الكونغو موحّدة، وقد أغرتهم “خطة الـ30 عاماً لتحرير أفريقيا” التي اقترحتها بلجيكا، وتتحدث عن استقلال تدريجي، وكان باتريس لومومبا من زعماء هذا الاتجاه.
في غوما، جمهورية الكونغو الديمقراطية، قبل ظهر الخميس في يونيو/حزيران 1960، صعد باتريس لومومبا، البالغ من العمر 34 عاما، إلى المنصة في قصر الأمة في ليوبولدفيل (التي تسمى اليوم كينشاسا) وهو يحمل حلما لتوحيد بلاده التي نالت استقلالها حديثا.
أمام كبار الشخصيات والسياسيين، بمن فيهم الملك بودوان ملك بلجيكا، التي كانت جمهورية الكونغو آنذاك قد نالت استقلالها منها للتو، ألقى أول رئيس وزراء على الإطلاق خطابا مثيرا ومفاجئا إلى حد ما، أثار استياء الأوروبيين.
قال لومومبا “لن يستطيع أي كونغولي جدير بالاسم أن ينسى أبدا أنه بفضل النضال تم تحقيق استقلالنا”.
وأضاف قائلا، بينما كان الملك يراقب وهو في حالة صدمة، “لقد فُرضت علينا العبودية بالقوة. نحن نتذكر الضربات التي كنا نضطر لتحملها صباحا ومساء لأننا كنا زنوجا”.
وأعلن أنه مع الاستقلال، أصبح مستقبل البلاد أخيرا في أيدي شعبها، مضيفا: “سوف نُظهر للعالم ما يمكن أن يفعله الرجل الأسود عندما يعمل وهو حر، وسنجعل الكونغو فخر أفريقيا”.
لقد أنشأ لومومبا في 5 تشرين الأول/أكتوبر 1958 الحركة الوطنية الكونغولية (MNC) في ليوبولدفيل، مع غاستون ديومي ندونغالا، وجوزيف إليو، وغيرهم. كما حضر في كانون الأول/ديسمبر 1958، مؤتمر الشعوب الأفريقية في أكرا، والذي شكل نقطة تحول سياسية بالنسبة له، إذ أصبح وحدوياً يطالب بالاستقلال الفوري للكونغو، ومقتنعاً بأن الوحدة الأفريقية هي السبيل لتحرير أفريقيا من الاستعمار والتخلف.
واشترك لومومبا في هذه الرؤية مع زعماء التقى بهم في هذا المؤتمر كفرانتز فانون، وكوامي نكروما، وفيليكس – رولان مومييه، الذين كانوا يرون أن الإثنية والقبلية تقوض الوحدة الوطنية وتسهل تغلغل الاستعمار. وقد عُيّن لومومبا في نهاية المؤتمر، عضواً دائماً في لجنة التنسيق.
في كانون الثاني/يناير عام 1959، تسبّب حل “جمعية تحالف باكونغو” ABAKO، وترحيل زعيمها جوزيف كاسا فوبو إلى بلجيكا، في مقتل المئات من الأشخاص. كما أطلق رجال الدرك النار على حشد من المؤتمر الوطني في ستانليفيل في تشرين الأول/أكتوبر، أسفر عن مقتل 30 شخصاً وجرح المئات. ألقي القبض على لومومبا وحكم عليه بالسجن لمدة 6 أشهر، ما أدى إلى تظاهرات وأعمال شغب طالبت بإطلاق سراحه.
عقدت السلطات البلجيكية – مستغلةً غياب لومومبا – اجتماعاً مع الزعماء الاستقلاليين الكونغوليين في بروكسل، ولكنهم رفضوا بالإجماع الحضور في غياب لومومبا. فأطلق سراحه على عجل في 26 كانون الثاني/يناير 1960 للمشاركة، وقد أسفر اللقاء عن الاتفاق على استقلال الكونغو يوم 30 حزيران/يونيو 1960 . وفي 19 أيار/مايو 1960 صدر القانون الأساسي بمثابة دستور نص على إنشاء دولة الكونغو المركزية.
أجريت انتخابات تشريعية في أيار/مايو 1960، وبناءً على نتائجها تم التوافق على أن يصبح جوزيف كاسا فوبو رئيساً للكونغو، وباتريس لومومبا رئيساً لحكومتها، وأعلن الملك البلجيكي استقلال الكونغو في الموعد المتفق عليه.
لقد كانت أمنيات لومومبا كبيرة، إلا أن الشاب الطموح قتل، وأحاط الغموض بتفاصيل مقتله، ولكن من المعروف الآن أن رجالا كونغوليين مسلحين قتلوا لومومبا يوم 17 يناير/كانون الثاني 1961، بمساعدة البلجيكيين وبموافقة ضمنية من الولايات المتحدة.
لومومبا رمز المقاومة الإفريقية:
بعد مرور أكثر من 64 عاما، لا يزال لومومبا رمزا للمقاومة الأفريقية، بينما لا يزال عديد من الكونغوليين يحملون عبء إرثه غير المكتمل، سواء أكانوا يؤيدون أفكاره أم لا.
“لقد آلمني موته”:
قال كاسيريكا لوكومبولا (85 عاما) الذي يعيش حاليا في حي فيرونغا في مدينة غوما بشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية: “عندما علمت بموت لومومبا، صُدمت”.
لقد تم بناء منزله، الذي يتسم باللون الذهبي والطراز الغربي، وهو أمر غير مألوف في هذه المنطقة، خلال الحقبة الاستعمارية ويعد تذكيرا ببقايا ما يقارب 80 عاما من الحكم البلجيكي.
وقال لوكومبولا إنه وُلِد خلال الحرب العالمية الثانية، مضيفا “في ذلك الوقت، كان الرجل الأسود في أفريقيا لا يستطيع معارضة المستوطنين البيض لأسباب معينة، بما في ذلك لون بشرته وحقيقة أنه كان مستعبدا. أولئك الذين تجرؤوا على تحدي البيض كانوا إما يُسجنون أو يُضربون أو يُقتلون”.
كان لوكومبولا في الـ20 من عمره عندما قُتل لومومبا، وقال “أتذكر أنني كنت في قريتي في بنغي عندما سمعت الخبر. شعرت بالندم، فقد أحزنني موته. وفي ذلك اليوم، لم أتناول الطعام، كنت أعاني من الأرق”، مضيفا أنه لا يزال يتذكر ذلك كما لو كان بالأمس.
ويتهم لوكومبولا الـ”وازونغو”، وهي كلمة تعني “الأجانب”، ولكنها تستخدم عادة للإشارة إلى المستعمرين البلجيكيين بأنهم كانوا وراء اغتيال لومومبا.
وقال “كان البلجيكيون يمارسون التفرقة العنصرية في الكونغو، وكان لومومبا يصرخ ضد ذلك. لقد شجعنا على القتال بكل قوتنا للتخلص من المستعمرين”.
ويعتقد لوكومبولا أنه لو لم يُقتل “لومومبا”، لكان قد حوّل البلاد إلى جنة على الأرض لملايين الكونغوليين، استنادا إلى الرؤية التي كان يحملها لشعبه وللقارة بأسرها.
قتلته قوى غربية:
ويعتقد تومسيفو أكرم، الباحث الكونغولي المقيم في غوما، أن لومومبا قُتل بأوامر من بعض القوى الغربية التي أرادت الاحتفاظ بثروات الكونغو الطبيعية.
وقال تومسيفو أكرم للجزيرة “إن قرار تصفية أول رئيس وزراء كونغولي اتخذه مسؤولون أميركيون وآخرون على أعلى المستويات”.
وقال أكرم “على الرغم من أن لومومبا كان له أصدقاء داخل وخارج البلاد، فإن أصدقاءه، رغم كثرتهم، لم يكونوا بالعزيمة نفسها التي كان عليها أعداؤه الذين كانوا مصممين ومنظمين للقضاء عليه. لقد دعمه أصدقاؤه بالكلمات أكثر من الأفعال”.
لم يتبقَّ سوى سن واحدة:
بعد أيام قليلة من إلقاء لومومبا خطابه في يوم الاستقلال في 30 يونيو/حزيران 1960، بدأ البلد في الانهيار. ووقع تمرد مسلح، ثم انفصلت مقاطعة كاتانغا الغنية بالمعادن في يوليو/تموز. وأرسلت بلجيكا قوات إلى كاتانغا، ثم طلبت الكونغو المساعدة من الأمم المتحدة، وعلى الرغم من إرسالها قوات حفظ السلام، فإنها لم تنشرها في كاتانغا. لذلك، لجأ لومومبا إلى الاتحاد السوفياتي للمساعدة، وهو ما أثار قلق بلجيكا والولايات المتحدة.
وفي سبتمبر/أيلول، قام الرئيس جوزيف كاسافوبو بعزل لومومبا من الحكومة، وهو ما تجاهله لومومبا. وبعد فترة قصيرة، قام انقلاب عسكري بقيادة العقيد الكونغولي جوزيف موبوتو (الذي عُرف لاحقا باسم الدكتاتور موبوتو سيسي سيكو) بإزاحته تماما من السلطة. ووُضع لومومبا رهن الإقامة الجبرية، التي هرب منها، لكنه تم القبض عليه لاحقا من قبل قوات موبوتو في ديسمبر/كانون الأول.
ويوم 17 يناير/كانون الثاني 1961، تم نقل لومومبا واثنين من مساعديه، جوزيف أوكيتو وموريس مبولو، إلى كاتانغا بالطائرة، حيث قام الجنود بضربهم وتعذيبهم في أثناء الرحلة وفي وجهتهم.
وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، أُعدم الثلاثة في كاتانغا رميا بالرصاص تحت إشراف بلجيكي.
وفي البداية تم دفن أجسادهم في قبور ضحلة، ولكن لاحقا تم استخراجها وتهشيمها إلى قطع، ثم أذيبت البقايا في الحمض.
في النهاية، لم يتبق سوى سن واحد من أسنان لومومبا، سرقه شرطي بلجيكي ولم يعده إلى أقارب لومومبا إلا في عام 2022.
وعلى مر السنين منذ اغتياله،م اعترفت بلجيكا بأنها “مسؤولة أخلاقيا عن الظروف التي أدت إلى وفاته”. وفي الوقت نفسه، ظهرت معلومات تكشف تورط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في مؤامرة قتل لومومبا.
“خطأ جسيم؟”:
وفي منزله في غوما، استعاد لوكومبولا ذكرياته عن جميع “اللحظات الأولى” التي عاشها خلال تاريخ بلاده المعقد، بما في ذلك مشاركته في أول انتخابات بلدية عام 1957، حين صوّت لحزب الحركة الوطنية الكونغولية بقيادة لومومبا، قائلا “لأنني كنت مقتنعا بأن الحزب يحمل رؤية عظيمة لبلدنا. وكان ذلك بدافع من الشعور بالفخر”.
وروى أنه كان موجودا في أثناء أعمال الشغب التي وقعت في الرابع من يناير/كانون الثاني 1959، وإعلان استقلال الكونغو في 30 يونيو/حزيران 1960، وانفصال كاتانغا وكاساي الجنوبية بين يوليو/تموز وأغسطس/آب 1960، وأفراح زائير الاقتصادية والسياسية منتصف الستينيات.
وبعد أن عاش في ظل حكم جميع رؤساء الكونغو الخمسة، يدرك لوكومبولا “لغز” جمهورية الكونغو الديمقراطية وشهد مدى التغيرات التي يمكن أن تطرأ عليها.
وقال إن ندمه الوحيد هو أن عديدا من الأحداث التاريخية وقعت بعد رحيل لومومبا، مضيفا “لو كان حيا، لأعاد إلينا المجد والعظمة”.
ليس الجميع متعاطفين معه
ومع ذلك، لا ينظر الجميع إلى إرث لومومبا بمثل هذه الرهبة والعطف.
ويعتقد غريس باهاتي (45 عاما)، وهو أب لـ5 أطفال، أن لومومبا هو السبب في بعض المصائب التي حلت بجمهورية الكونغو الديمقراطية والتي لا تزال البلاد تعاني منها.
فوفقا له، كان رئيس الوزراء الأول متسرعا للغاية في السعي إلى تحقيق الاستقلال الفوري للكونغو، في حين كانت البلاد تفتقر إلى ما يكفي من المثقفين القادرين على قيادتها بعد رحيل البلجيكيين.
قال باهاتي للجزيرة: “كان لومومبا في عجلة من أمره للمطالبة بالاستقلال. لقد وجدت أن عديدا من قادتنا لم يكونوا مستعدين لقيادة هذا البلد، وهذا أمر مؤسف. في رأيي، كان ذلك خطأ كبيرا من جانب لومومبا”.
لا يتفق داني كاييه، وهو مؤرخ في غوما، مع هذا الرأي، فهو يعتقد أن لومومبا أدرك مبكرا أن الاستقلال كان هو الحل الوحيد، نظرا لأن البلجيكيين كانوا يستغلون البلاد منذ ما يقرب من 80 عاما وكان الكونغوليون هم الذين يعانون.
وأشار كاييه أيضا إلى أن “لومومبا لم يكن أول من طالب بالاستقلال الفوري للبلاد. فقد كان الجنود الذين عادوا من الحرب العالمية الثانية، بعد أن قاتلوا إلى جانب المستعمرين، هم أول من فعل ذلك”.
وقال المؤرخ إن لومومبا أصبح هدفا للغرب بعد ما تم اعتباره “متطرفا”، عندما بدأ في بناء علاقات مع الاتحاد السوفياتي، إذ اعتبرته القوى الغربية تهديدا لمصالحها خلال فترة الحرب الباردة الحاسمة. وقد تم استخدام الكونغوليون، مثل موبوتو سيسي سيكو، في المناورات ضده.
وأوضح كايي أن “الكونغو كانت محل حسد لفترة طويلة بسبب مواردها الطبيعية. ولم يرغب البلجيكيون في مغادرة البلاد، والطريقة الوحيدة لمواصلة استغلالها كانت من خلال تفكيكها وقتل الوطنيين”، وأضاف: “في هذا السياق، قُتل لومومبا وأصدقاؤه موريس مبولو، رئيس مجلس الشيوخ آنذاك، وجوزيف أوكيتو، وزير الشباب آنذاك”.
حارب من أجل العدالة:
جان جاك لومومبا هو ابن شقيق باتريس لومومبا وناشط ملتزم بمحاربة الفساد في البلاد.
نشأ ابن الشقيق البالغ من العمر 38 عاما في كينشاسا، حيث ترعرع على يد والدة لومومبا وأخيه الأصغر، لكنه اضطر إلى المنفى عام 2016 بعد أن كشف عن الفساد في محيط الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا.
بالنسبة له، يبقى عمه رمزا للكونغو العادلة والأفضل، وهو شخص يستلهم منه في نشاطه السياسي.
وقال جان جاك للجزيرة: “أخبرني أفراد عائلتي أنه كان شخصية غير تقليدية. فقد كان صريحا ومباشرا للغاية. وكان لديه إحساس بالشرف والبحث عن الحقيقة منذ نعومة أظفاره وصولا إلى نضاله السياسي”.
وتابع: “لقد ناضل من أجل العدالة والإنصاف. هو نفسه رفض الفساد”، واصفا الفساد بأنه “أحد الأوبئة التي تميز البلدان النامية”.
وأضاف: “باتريس لومومبا كان يريد التنمية والرفاهية لشعبه.. وهذا مصدر إلهام في النضال الذي أواصل خوضه من أجل صعود القارة الأفريقية”.
ويشعر جان جاك أن لومومبا لم يعد ينتمي إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية وأفريقيا فحسب، بل إلى جميع أولئك الذين يرغبون في الحرية والكرامة في جميع أنحاء العالم.
وعلى الرغم من أنه لم يلتقِ عمه قط، فإنه يشعر بالسرور لأن ذاكرته وإرثه لا يزالان حيين.
وعلى الرغم من أنه لقي نهاية مأساوية ومدمرة، فإن وفاة لومومبا بالنسبة لجان جاك هي أيضا شيء خلّد اسمه والمعارك التي خاضها.
وقال لومومبا الصغير إنه يجب على القادة الأفارقة تكريم ذكرى أشخاص مثله وآخرين ممن قدموا حياتهم من أجل بناء “أفريقيا متطورة ومشرقة ومزدهرة، مستعدة للتأكيد على مكانتها في محفل الأمم”.
إرث لومومبا الخالِد:
بعد مرور أكثر من 6 عقود على مقتل لومومبا، تعاني جمهورية الكونغو الديمقراطية من أزمات متعددة، سواء من التمرد المسلح إلى استخراج الموارد والفقر.
وعلى الرغم من أن الكونغو دولة تتمتع بثروات طبيعية هائلة، فإنها لم تجد طريقها إلى غالبية الشعب الكونغولي، وهو ما يعزوه عديد في البلاد إلى الاستغلال المستمر من القوى الداخلية والخارجية.
ويعتقد دانيال ماكاسي، المقيم في غوما، أن الاستعمار الذي كان لومومبا مصمما على محاربته لا يزال مستمرا، رغم أنه يظهر بطرق مختلفة اليوم.
وقال للجزيرة: “اليوم، هناك عدة أشكال من الاستعمار لا تزال مستمرة من خلال الشركات متعددة الجنسيات التي تستغل الموارد في جمهورية الكونغو الديمقراطية ولا تفيد المواطنين العاديين”.
وأضاف أن الأفارقة بحاجة إلى توجيه روح لومومبا لوقف هذا الاستعمار الجديد بقدر الإمكان، حتى يتمكنوا من التمتع بكامل ثرواتهم الطبيعية.
وقال ماكاسي إن لومومبا كان قادرا على تحويل البلاد في فترة زمنية قصيرة، مما جعل الكونغوليين “أكثر فخرا”، وهذا يجعله “خالدا”، داعيا الناس إلى الاقتداء به.
ويوافق آخرون على أن الأجيال القادمة مدينة للومومبا “بديْنٍ لا يُقاس” لما بدأه.
وقال مويس كوميومبي، أحد سكان مدينة غوما: “بالنسبة لي، يُعد باتريس إيميري لومومبا رمزا للمقاومة ضد القوى الإمبريالية”، مذكرا بخطاب يوم الاستقلال في يونيو/حزيران 1960 الذي اعتبره البلجيكيون “هجوما شرسا”، لكنه لا يزال يُلهم عديدا من الأفارقة حتى يومنا هذا.
وقال كوميومبي “لقد ألهمنا أن نبقى وطنيين وحماية وطننا ضد جميع أشكال الاستعمار”، مذكرا نفسه بأن عمل لومومبا لم ينتهِ بعد.” انظر موقع الجزيرة”.
إعادة الاعتبار للومومبا:
بعد تحقيق أجراه المدعي العام الفيدرالي البلجيكي في وفاة باتريس لومومبا، صدر في العام 2001 تقرير مفصل أكد أن قرار اغتيال لومومبا جاء مباشرة من مويس تشومبي وحكومته، كما لاحظ مشاركة قوية من قبل الحكومة البلجيكية التي دعمت انفصال كاتانغا، وشارك ضباطها في إعدام لومومبا . وسجل التقرير تدخل الملك بودوان لدى الرئيس الأميركي جون كينيدي، لمعارضة إطلاق سراح لومومبا.
وفي العام 2002، اعترفت الحكومة البلجيكية بمسؤوليتها الأخلاقية عن الأحداث التي أدت إلى وفاة لومومبا، وأعربت لأسرته وللشعب الكونغولي عن أسفها واعتذارها عن الألم الذي ألحق بهم.
وفي العام 2016، عُثِرَ على ضرس هو كل ما تبقى من باتريس لومومبا، وهو موجود في ضريح بُنِيَ لهذا الغرض في كينشاسا.
لومومبا حي بالمغرب:
لم يمت الزعيم باتريس بل بعث في الكان وظهرت شخصيته للعيان جسدها مشجع مبدع، ألهم الجمهور وعرف بزعيم فرض على الكونغوليين استحضار مقاومته للاستعمار، ولو في عرس كروي. ليحول هذا الحدث إلى قراءة في تاريخ الشعوب ونضالها وتحررها من التبعية والاستعداد. ويؤكد للعالم أن كرة القدم ليست لعبة وإنما بإمكانها أن تتحول إلى آلية من آليات التكوين والثقافة وتلاقح الحضارات، والتأكيد على أن القارة الإفريقية شعلة من النضال والاعتزاز بالهوية والكرامة، وأن تأخر التنمية فيها ناتج عن قبح الرجل الأبيض المستبد والحامل لمشروع التفقير والتهميش، وفرض التبعية على إفريقيا الغنية بثرواتها وتراثها الحضاري المتنوع. وأن تحررها سيجعلها في مصاف الأمم المتقدمة.
لومومبا واحد من رموز الكفاح ينضاف إلى المجاهدين والمقاومين للاستعمار أمثال عبد الكريم الخطاب، والزرقطوني، وعسو بسلام، وعلال الفاسي، وعبد الكريم الخطيب، وأبو بكر القادري، ومعنينو، وبلقاسم النكادي، ومحمد الأحرش، وآيت سعيد بن يدر، والهيبة، محمد أحمو الزياني، محمد الشريف أمزيان، زايد أحماد، الحنصالي، علال بن عبد الله، مبارك التوزونيني، موحى أحمو الزياني، إبراهيم الروداني…… ورجالات المقاومة المغاربين، الأمير عبد القادر الجزائري، رابح بيطاط مصطفى بن بولعيد د،ديدوش مراد ومحمد بوضياف، ؛ كريم بلقاسم، العربي بن مهيدي، محمد الأمجد بن عبدالمالك، الشيخ بوزيان،محمد بن علال المعروف بسيدي علي مبارك، محمد بن زعموم، ….أحمد باي، الناصر بن شهرة، محمد بن جار الله، عمر بن موسى، الشيخ حمود بن مختار، الشريف بوبغلة، فاطمة نسومر ….






