لو تاب الفاسدون، هل يتغيّر وجه المغرب؟

بقلم: عزيز الدروش
ماذا لو صحت ضمائر الذين راكموا الثروات من عرق هذا الشعب؟
ماذا لو تاب زعماء الاحتكار، وكفّ الليبراليون المتوحشون عن التهام القدرة الشرائية للمغاربة ؟
ماذا لو خفّضت لوبيات المحروقات أسعارها، ولوبيات الأدوية والمصحات كلفة العلاج، ولوبيات العقار أثمان السكن، إقراراً بأن كرامة المواطن ليست سلعة في المزاد ؟
لو حدث كل هذا، لأصبح الأمر أشبه بزلزال أخلاقي قبل أن يكون تحوّلاً اقتصادياً.
في بلدٍ يرفع راية الإسلام، ويؤذن فيه خمس مرات في اليوم بأن “حيّ على الفلاح”، كيف يستقيم أن تُثقل كاهل الفقراء بفواتير لا ترحم ؟ أليس الله تعالى يقول: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾؟ وأليس رسول الله ﷺ قد قال: “من غشّنا فليس منا” ؟
إن الاحتكار ليس ذكاءً اقتصادياً، بل خطيئة اجتماعية. والتلاعب بالأسعار ليس حرية سوق، بل اعتداء على حق الناس في العيش الكريم.
لو تاب الفاسدون حقاً، لكان أول أثر لتوبتهم أن تعود الطمأنينة إلى بيوت المغاربة.
أن يشتري الأب حاجياته دون إذلال.
أن تتعالج الأم دون أن تبيع ذهبها.
أن يجد الشاب سكناً دون أن يُرهن عمره لقرضٍ يمتد لعقود.
تخيّلوا مغرباً تُخفض فيه أسعار المحروقات، فينعكس ذلك فوراً على النقل والخضر والمواد الأساسية.
تخيّلوا مختبرات وشركات أدوية تقرر أن صحة المواطن فوق منطق الربح الفاحش.
تخيّلوا منعشين عقاريين يعتبرون أن السكن حق اجتماعي قبل أن يكون صفقة مالية.
ألن يتحرّك الاقتصاد من جديد؟
ألن تنتعش القدرة الشرائية؟
ألن يعود الأمل إلى الشارع الذي أنهكته الغلاء؟
التوبة في الإسلام ليست كلمة تُقال، بل حق يُعاد، ومالٌ يُرجع، وظلمٌ يُرفع. يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾. والعدل هنا ليس شعاراً انتخابياً، بل ميزاناً تُقاس به السياسات والأسعار والأرباح.
لكن الحقيقة المُرّة أن منطق الاحتكار لا يتراجع إلا أمام قانون عادل ورقابة صارمة وإرادة سياسية تحمي الضعيف قبل القوي. فالتوبة الفردية فضيلة، أما الإصلاح المؤسسي فضرورة.
السوق بلا أخلاق تتحول إلى غابة، والليبرالية بلا ضوابط تتحول إلى افتراس منظم.
لو تابوا.
لانخفضت نسب الفقر.
ولتراجعت الهجرة اليائسة.
ولخفّ الاحتقان الاجتماعي.
ولأصبح التضامن واقعاً لا خطبة جمعة عابرة.
المغرب ليس فقيراً في موارده، لكنه يُستنزف بسوء التوزيع وغياب العدالة. والثروة حين تُحتكر، تتحول إلى لعنة على أصحابها قبل أن تكون نقمة على المجتمع. قال تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾. إنها قاعدة قرآنية ضد تركّز الثروة وضد اقتصاد الريع.
فهل يتوبون؟
هل يراجعون حساباتهم قبل أن يُسألوا يوم لا ينفع مال ولا بنون؟
هل يدركون أن دعوة مظلوم قد تهز عروش المال؟
إن خفض الأسعار ليس إحساناً من أحد، بل هو جزء من عقد اجتماعي أخلاقي بين من يملك ومن لا يملك. ومن ظن أن السوق وحده يضبط نفسه فقد أساء فهم التاريخ والدين معاً.
التوبة ممكنة.
والإصلاح ممكن.
لكن الإرادة الأخلاقية هي البداية.
أما الشعب المغربي، فقد صبر كثيراً، وما يزال يرفع يديه إلى السماء، مؤمناً بأن العدل آتٍ ولو بعد حين.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.
عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي





